"روّح".. مونودراما الذاتي والجمعي في تونس ما بعد الثورة

الممثلة التونسية فاطمة الفالحي تتمرد في حكايتها المبنية على تفاصيل حياتها الخاصة على كلّ السلط الذّكورية.
الثلاثاء 2020/09/22
صراع امرأة لإثبات ذاتها وسط ضجيج السياسة

تطرح مسرحية “روّح” التي يُعاد عرضها حاليا بالمسارح التونسية، رحلة فتاة من محافظة سيدي بوزيد بالوسط التونسي، ناضلت وتحدّت الصعاب لتُثبت ذاتها كامرأة فاعلة وسط مجتمع ذكوري صارم، مُبرزة في الآن ذاته حجم التناقضات السياسية التي باتت تعرفها تونس ما بعد ثورة 14 يناير 2011.

تونس - مسرحية روّح” (عد إلى ديارك) هي عمل مسرحي من نوع المونودراما، من إخراج خولة الهادفي وأداء فاطمة الفالحي، ونص لكلّ من خولة الهادفي ويسر القلعي وفاطمة الفالحي. كتابة ثلاثية تُتيح للمُشاهد فهم الشخصية المقدّمة مسرحيا من موقعين؛ داخلي وخارجي.

تنطلق الحكاية من كوكب الأرض، قارة أفريقيا، مرورا بتونس، محافظة سيدي بوزيد، منطقة الرقاب تحديدا، وصولا إلى قرية الرضّاع، تُسافر فاطمة الفالحي بالمُشاهد في رحلة من تونس العاصمة إلى محافظتها الأم، سيدي بوزيد، لتمرّ على العديد من المحافظات التونسية الأخرى.

وخلال هذه الرحلة تسرد الفالحي سيرتها الشخصيّة وتُقحم في روايتها تفاصيل من حياتها الخاصة، اسمها الحقيقي وأسماء أفراد عائلتها، مستعرضة سيرة الإخوة والأخوات وسيرة الأم والأب وواقع الدراسة والفن في بلد آمن بالحريات نظريا، لكنه لا يُطبّقها بالشكل الأمثل على أرض الواقع.

وعن هذا الاختيار، تقول “بحكم أن المسرحية تدور حول شخصيتي وعائلتي، فهي تحية إلى العائلة التي ناضلت وقاومت وأرادت الخروج من منطق البؤس إلى مناطق أخرى أكثر إشراقا، واستنزفت كل قواها لتُفرز عائلة ناجحة بعدد كبير من الأفراد”.

خشبة خالية من كل ديكور يلفّه الظلام، إلاّ من رقعة ضوء سلّطت على كرسيّ وقارورة مياه تترشّف منها الفالحي ما يبلّ ريقها بين الفينة والأخرى، لتغدو القارورة جزءا من العمل المسرحي، هي أشبه بوطن مليء بالشعارات الرنانة، لكنه في المقابل لا يروي ظمأ مواطنيه، وخاصة مواطناته اللاّتي مازالت غالبيتهنّ تعاني من آثار التفرقة القائمة على الجنس وانحسار الحريات الفردية والتفاوت الطبقي الذي تعمّق أكثر بتونس ما بعد 14 يناير 2011، وما صياح وسخط الممثلة في العديد من مشاهد المسرحية سوى دليل على عدم الرضا بالمنجز الحاصل على أرض الواقع.

المسرحية شهادة لمواطنة تونسية حول ما يدور في بلدها، وشهادة ذاتية للممثلة على الأوضاع التي عاشتها بشكل عام

أثارت فاطمة الفالحي العديد من المواضيع الراهنة مثل الروابط العائلية، وتعليم الإناث، والحريات الفردية، والمساواة في الميراث، وتمرّدت في حكايتها المبنية على تفاصيل حياتها الخاصة على كلّ السلط الذّكورية، انطلاقا من سلطة الأب، مرورا بسلطة الأستاذ والمعلم وصولا إلى سلطة المدير الذي رفض دراستها للمسرح وغيرها من التفاصيل التي تُظهر فيها الممثلة/ بطلة القصة سخطها على المجتمع الذي نشأت فيه.

اعتمد العمل على الفيديو لبناء خلفية كانت تسند فاطمة الفالحي وهي تروي حكاية تبدأ باتصال هاتفي من أسرتها يحثّها على العودة إلى مسقط رأسها، سيدي بوزيد، في أسرع وقت ممكن، وهي التي تُقيم وتعمل في العاصمة تونس.

ولا يبدو اختيار منطقة سيدي بوزيد اعتباطيا هنا بل إنه يحمل رمزية اعتبارية كون المحافظة شهدت الشرارة الأولى للاحتجاجات الاجتماعية في نهاية عام 2010 والتي أفضت لاحقا إلى سقوط نظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي.

توحي الفالحي لمُشاهديها بأنها ترفض بشكل قاطع أن تَخضع لأوامر الأسرة وهي التي استقلّت بحياتها منذ سنوات، غير أنها تظهر بعد ذلك وهي في طريقها إلى مسقط رأسها قرية الرضّاع.

ومن هناك تبدو الممثلة/ البطلة وهي عائدة إلى قريتها، تستجمع شتات ذكرياتها من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب مرورا بحكايتها مع القرية وعلاقتها بها والصراعات التي عاشتها العائلة، وكأنها تقدّم تقييما غير معلن للوضع في تونس، من خلال الوصف الحاصل للطريق لفهم ما يحصل في البلاد بشكل عام.

لعبة مُمتعة كانت فيها فاطمة الفالحي هي شخصية المسرحية وبطلتها في الآن ذاته، ذهابا وإيابا بين عالمين يتلوّنان بذكريات طوّرتها التجارب الحياتية التي راكمتها البطلة، الأمر الذي خلق لدى الشخصية/ الممثلة مسافة كافية للتعليق على الأحداث وعلى نفسها، فلا هي موغلة في جانب الموضوعية المطلقة ولا هي تقيّم كل شيء على الذاتية المُغرقة في آرائها الشخصية وتصوّراتها وعواطفها.

سيرة ذاتية من موقعين؛ داخلي وخارجي
سيرة ذاتية من موقعين؛ داخلي وخارجي

وعن المسرحية تقول المخرجة خولة الهادفي “هي حكاية نجاح عائلة من لا شيء، صنعت نفسها وخاضت صراعات مع الواقع الاجتماعي والواقع المادي، وحتى مع ذاتها، وتمسّكت بطموحها”، مُعتبرة أن الإنسان يفشل أحيانا في التخلي عن الحلم والطموح.

وتجسيد هذه الأفكار كان باعتماد العديد من الأساليب، كالرواية والتذكّر والخطاب المُباشر، وأيضا على الخيال والتخييل الذاتي، من خلال استحضار أشياء لا وجود لها في الواقع، لكنها تفتح أبوابا على العوالم التي تعيشها الشخصية، لتكون المسرحية شهادة مواطنة حول ما يدور في بلدها، وشهادة ذاتية للممثلة حول الأوضاع التي عاشتها عائلتها، وعلاقتها بها وبقريتها ومدينتها ووطنها والعالم بشكل عام.

تنتهي المسرحية بمشهد “تطير” فيه فاطمة الفالحي مرتفعة إلى السماء، كدلالة على قرارها الفرار من الواقع الذي تعيشه، وهي الرافضة للمشهد الاجتماعي والسياسي والثقافي في تونس ما بعد الثورة.

وفاطمة الفالحي بدأت رحلتها المسرحية مع المخرج المسرحي الراحل عزالدين قنون عبر “أوراق ميتة” و”نواصي”، ثم خاضت تجارب أخرى مع غازي الزغباني وأنور الشعافي وزهرة الزموري، ليكون ظهورها التلفزيوني الأول من خلال سيتكوم “نسيبتي العزيزة 4” في دور “جميلة” خطيبة “الفاهم” الذي يؤدّيه خالد بوزيد.

16