ريا وسكينة تعودان في فن بصري إيروتيكي

فنان مصري يستلهم من جرائم الشقيقتين أعمالا فنية حداثية.
الجمعة 2018/09/07
الشقيقتان ريا وسكينة.. تتحالفان على الشر وعدم الخيانة

ألهمت الشقيقتان الشهيرتان “ريا وسكينة” وجرائمهما المتعددة التي اقترفتاها في عشرينات القرن الماضي، الفن والفنانين بمصر، فتناولت السينما قصة الشقيقتين في أكثر من مناسبة، وكذلك الدراما التلفزيونية، علاوة على المسرح، إلاّ أن الجديد هنا، هو معالجتهما بصريا من خلال المعرض الفوتوغرافي المقام حاليا في قاعة “بيكاسو” للفنون في القاهرة، للفوتوغرافي المصري حابي خليل تحت عنوان “ريا وسكينة”.

القاهرة – تعد مجموعة الجرائم التي ارتكبتها الشقيقتان الشهيرتان ريا وسكينة في عشرينات القرن الماضي من بين أبشع جرائم القتل التي حدثت في مصر خلال القرن العشرين.

وريا وسكينة هما شقيقتان هربتا من صعيد مصر لتستقرا في أحد الأحياء الفقيرة في مدينة الإسكندرية الساحلية، وبعد فترة قصيرة من استقرارهما في هذه المدينة تحوّلتا إلى مجرمتين محترفتين متخصّصتين في قتل النساء لسرقة مجوهراتهنّ.

واستطاعت كل من ريا وسكينة جذب الضحايا إلى منزلهنّ عبر وعد زائف للحصول على السلع بأسعار رخيصة، ثم يقمن بعدها بتخدير الضحايا وقتلهنّ، ثم دفنهن في أرضية المنزل.

وبعد ارتكاب أكثر من 17 جريمة قتل تم القبض على الشقيقتين وحكم عليهما بالإعدام في العام 1921، وهي أول عقوبة إعدام في القانون المصري الحديث ضد المرأة.

وقد أثارت قصة الشقيقتين ريا وسكينة قريحة العديد من المبدعين في ما بعد، فقد تحوّلت قصتهما إلى فيلم سينمائي تم إنتاجه عام 1953 بطولة أنور وجدي وزوزو حمدي الحكيم ونجمة إبراهيم، وتم تناول القصة نفسها في إطار كوميدي في فيلمين آخرين، أحدهما للفنان إسماعيل ياسين والآخر للفنان يونس شلبي وشريهان أنتجا في ستينات وثمانينات القرن الماضي، إضافة إلى مسرحية ومسلسل تلفزيوني.

وها هي الحكاية نفسها تثير أيضا قريحة التشكيليين، إذ تستضيف قاعة “بيكاسو” للفنون في القاهرة حاليا وحتى 12 من سبتمبر الجاري معرضا للمصور الفوتوغرافي المصري حابي خليل تحت عنوان “ريا وسكينة” يستوحي فيه الفنان أعماله الفوتوغرافية من قصة الشقيقتين المثيرتين للجدل.

وعلى عكس العديد من الأساليب التي تناولت تلك القضية سينمائيا ومسرحيا ودراميا، يستكشف الفنان حابي خليل في معرضه، كما يقول، الدوافع النفسية التي أدت بالشقيقتين لارتكاب تلك الجرائم البشعة، كما يربط الفنان بين شخصيتي ريا وسكينة وبين عدد من القضايا الراهنة المتعلقة بطبيعة المجتمع، كصراع الأجيال والثقافات، والعلاقة بين الرجل والمرأة، وغيرها من القضايا الأخرى. ونحن هنا أمام علاقة فوتوغرافية صامتة بين مجموعة من الشخصيات، آثر الفنان خلالها أن يوظف إمكانات التصوير بالأبيض والأسود لتقديم رؤيته، بما يرمز إليه هذين اللونين من صراع أبدي بين نقيضين، يمكن أن يتمثّل هذا الصراع بين الخير والشر، أو بين الإيمان وعدم الإيمان.

وتعكس المساحة المحيطة بالشخصيات في معظم اللوحات فراغها الروحي وعزلتها الداخلية، عبر الاستخدام المتكرر لدرجات اللون الأحادية، وفي أعماله المعروضة يوظف خليل تلك الحالة من التفاعل بين اللونين الأبيض والأسود في التأكيد على رؤيته البصرية التي تسعى إلى إبراز الجانب المتناقض للشخصيتين.

وقام الفنان في معرضه بتجريد الشخصيتين من خصائص الأنوثة التقليدية، ليتركنا في منطقة رمادية بين العاطفة والقسوة والإغواء، إذ يخلق توظيف الملابس التقليدية المتشابهة هنا اتصالا رمزيا بالمصير المتشابه للشقيقتين، بينما يدعو التناظر البصري بين درجات اللون القاتمة والمضيئة المشاهد إلى التركيز على الفرق بينهما، فنجد أنفسنا إزاء حالة بصرية من الثقة والشك والاعتقاد، ولكن قبل كل شيء يحاول خليل هنا إعادة تحديد هوية القصة القديمة، التي أصبحت اليوم جزءا من التراث الحديث للشعب المصري.

واحتوى المعرض على أكثر من 15 لوحة فوتوغرافية، وظف خلالها الفنان بطلتيه الرئيسيتين في أوضاع وأنساق مختلفة، ففي اللوحات تبادلت الشخصيتان الأدوار، تختلفان وتتباعدان مرة في عدائية ظاهرة، ثم تقتربان مرة أخرى من بعضهما في حميمية، كما أضاف خليل إلى الشخصيتين الرئيسيتين عددا من الشخصيات الثانوية والعناصر المختلفة، غير أن صورة الشخصيتين الرئيسيتين ظلت هي المسيطرة على المشهد في جميع الأعمال.

وفي واحدة من لوحاته التي أتت تحت عنوان “اعتراف” يصوّر الفنان الشخصيتين الرئيسيتين وقد اتخذتا وضعا جانبيا، تقف فيه الواحدة قبالة الأخرى وتنظران إلى بعضهما البعض، فلا تخلو نظرة الأختين من الشغف والتوافق في ما بينهما والاتفاق، وقد ربط خليل في ما بينهما برباط من القماش الشفاف، ما يعكس العلاقة القوية بينهما.

Thumbnail

الفراغ في اللوحة هو فراغ محايد، وهو أبيض في معظم الأحيان، الأمر الذي يزيد من تأثير العناصر الرئيسية بصريا ويضعها في بؤرة التركيز البصري، والأمر نفسه يتكرر في معظم اللوحات الأخرى المعروضة، مع تغير في وضعية الوقوف أو الجلوس.

وفي لوحة أخرى تبدو إحداهما ممسكة بكفتي ميزان وقد تجردت من ملابسها التقليدية، إلاّ من البرقع الأسود الذي يتدلى إلى أسفل، ليغطي أجزاء من الجسد.

ومن بين أبرز الأعمال المعروضة أيضا لوحة تصوّر إحدى الشخصيتين وقد احتوت شابا هزيلا بين أقدامها، تبدو هنا المقاربة واضحة مع التمثال الرخامي الشهير لفنان النهضة الأوروبي مايكل أنجلو المعروض في الفاتيكان تحت اسم “الشفقة”.

والمقاربة هنا في طريقة البناء الهرمية، ووضعية الجسد والملبس أيضا، غير أن الشفقة المشار إليها في تمثال مايكل أنجلو تحوّلت عند حابي خليل إلى قسوة مفرطة، وتبدلت الأيدي الحانية التي تضمد جراح المسيح إلى يد تحاول كتم أنفاس الشاب الملقى بين قدمي المرأة في الصورة الفوتوغرافية.

وحابي خليل، فنان بصري من مواليد عام 1979، يعيش ويعمل في القاهرة كمصوّر فوتوغرافي وصانع أفلام.

ويوظف الفنان الموضوعات التاريخية والثقافية في أعماله كلغة بصرية لمعالجة القضايا الاجتماعية والسياسية، وهو يعمل منذ سنوات على مشروع فوتوغرافي مستمر تحت عنوان “الغربة” يصوّر فيه خمس من أشهر الآلهة المصرية القديمة ضمن إطار زمني ومكاني مختلف.

Thumbnail
17