رياح العصر تأتي على حرفة المنجد العربي في لبنان

التنجيد العربي من المهن اليدوية القديمة في لبنان وفي دول مجاورة أخرى، وهي تعاني من الاندثار بسبب المفروشات الحديثة التي سرقت الأضواء بالدعايات والإعلانات.
السبت 2019/01/19
الإسفنج يطرد المنجد

 بيروت - التنجيد العربي من المهن اليدوية القديمة في لبنان وفي دول مجاورة أخرى، وهي تعاني من الاندثار بعد أن شهدت عصرا ذهبيا في مطلع الستينات وظلت كذلك حتى بداية الأحداث اللبنانية التي انعكست سلبا على هذه الحرفة وتضاءل عدد العاملين فيها.

مهنة التنجيد هي ندف القطن أو الصوف، ثم تحويله إلى فرشة أو مخدة أو لحاف.

وزاد في تراجعها ظهور صناعة المفروشات الحديثة وتطورها وسهولة الحصول عليها رغم الكلفة المادية الكبيرة التي تفوق بكثير إعادة تأهيل الفرش والألحفة أو حتى شرائها مع لوازمها.

اشتهرت مهنة التنجيد العربي في سوق المنجدين في قلب العاصمة بيروت وتحديدا في ساحة رياض الصلح حيث كان يعتبر هذا السوق من أهم الأسواق الحرفية للصناعات اليدوية في لبنان، وفيه كان يحتشد الناس من كل الطبقات الاجتماعية لاختيار ما يناسبهم من فرش ووسادات أو لإعادة تأهيلها، لأن وجود هذه المفروشات الشعبية ضرورة لا بد منها ولا غنى عنها لدى شرائح المجتمع كافة.

من هذا السوق انطلقت قوافل المنجدين إلى كل المناطق اللبنانية وخصوصا الجنوب بمدنه وقراه بعد أن اكتسبوا الخبرة التي تساعدهم في تأمين معيشتهم. سوق المنجدين كان مقلعا حقيقيا لكل من أراد تعلم المهنة، لكن هذا السوق الذي كان يضم الآلاف من اللبنانيين على اختلاف مناطقهم وطوائفهم دمرته الحرب اللبنانية وشردت العاملين فيه وقضت على معالمه التاريخية.

وبنتيجة هذا التهجير القسري والعودة الطوعية، شهدت مدينة النبطية والعديد من قراها وجودا فعليا لمعلمي التنجيد، إما عبر افتتاح محلات لهم وإما من خلال التجوال في شوارع المدن والقرى حاملين عدتهم المتواضعة على الأكتاف والمناداة بصوت عال لإبلاغ ربات البيوت بوجودهم في الحي.

سُرق هذا العمل الشاق من المنجدين، مع ظهور صناعة المفروشات الحديثة التي تعتمد على الإسفنج والقماش وكذلك من قبل العمالة الأجنبية التي دخلت في منافسة قوية مع المنجدين المحليين وأخذت من طريقهم فرص العمل وهي تتنقل بين القرى والأحياء وتقدم خدماتها بأجر أقل.

وتضاءلت فرص عمل المنجدين الذين لم يبق لديهم من زبائن سوى الفقراء الذين يتريثون كثيرا قبل الإقدام على تجديد فرشهم أو تنجيده، مما أصاب المهنة بالشلل وهي في طريقها إلى التلاشي نهائيا.

يقول المنجد يوسف كامل بدران، “إن عدد المنجدين في قرى قضاء النبطية لا يتجاوز أصابع اليد. وفي هذه الأيام، فإن من يبحث عن منجد عربي كأنه يبحث عن إبرة في كومة قش، لقلة عددهم ولكون هذه المهنة بدأت تندثر عكس المهن والحرف اليدوية الأخرى التي يتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد”.

وقال، “بدأت العمل في هذه المهنة عندما كان عمري 16 عاما، بدايتي كانت في سوق المنجدين في بيروت، وأثناء الحرب انتقلت إلى منطقة الشياح ومن ثم عدت إلى بلدتي الشرقية وافتتحت محلا للتنجيد في بلدة الدوير بعد أن بعت أرضا ورثتها عن والدي”.

وأضاف بدران، “العمل في هذه المهنة لم يعد مفيدا ولا منتجا، لكننا نضطر للاستمرار بها لأننا لا نتقن عملا آخر، والقليل خير من الحرمان، وكي لا نمد أيدينا لأحد”.

وأكد أن هذه المهنة في طريقها إلى الاندثار، قائلا، “معامل المفروشات الحديثة سرقت الأضواء بالدعايات والإعلانات والمنافسات، أما التنجيد العربي فإن كثيرا من الأجيال الطالعة لا تعرف عنه شيئا ولا عن مكانته الاجتماعية في حياة الناس وخصوصا لدى أبناء الريف اللبناني”. وأوضح أن الصعوبة في مهنة التنجيد أنها تحتاج إلى القوة والصبر في العمل، لكنها تسبب الكثير من الأمراض والأوجاع في الظهر والركبتين والرئتين بسبب الغبار الكثيف الذي يتصاعد من القطن أو الصوف عند ندفه وضربه بقضيب من الفولاذ وهذا ما أدى إلى إصابة العشرات من المنجدين بأمراض الربو والرئة والقلب، ما اضطرهم إلى ترك هذه المهنة.

وقال، “معاناة المنجد أنه يواجه قدره وأمراضه بنفسه، فهو يفتقد إلى الضمان الصحي والاجتماعي وإلى نقابة تطالب بحقوقه كإنسان ومنتج. فنهاية المنجدين صعبة ومزرية خصوصا إذا لم يجد من يعيله ويساعده في أواخر أيام حياته”.

يبقى القول، أن المنجد يشكل حالة إنسانية لجهة حفاظه على تراث شعبي بعمله الذي يتمثل بتجديد المفروشات الشعبية المكونة من القطن أو الصوف التي لا تزال لها مكانتها في حياة الفلاحين وأبناء الريف، والكثير من الأسر والعائلات يتوارثونها أبا عن جد، وهي في حالات كثيرة تكتب في وصية المتوفي وتخصص لهذا الولد أو ذاك وتحتسب كبقية الممتلكات، ولا يزال الكثير من المواطنين يحتفظون بها في منازلهم كسلعة تراثية لها مدلولاتها ورمزيتها العائلية، في حين أن البعض لا يعرف النوم والراحة سوى عليها رغم تطور المفروشات الحديثة.

17