رياح النزوح تسافر بالذوق والمزاج السوريين إلى كردستان

المطبخ والحلويات والقهوة السورية تجذب الأكراد العراقيين رغم تمسّكهم بعاداتهم الغذائية وخصوصيتهم.
الاثنين 2020/01/20
القهوة مزاج جديد على كردستان

ينتشر السوريون اليوم في أنحاء العالم، ودون الاعتماد على البيانات الرسمية، نستطيع أن نلاحظ وجودهم من خلال انتشار مطاعمهم ومحلات حلوياتهم ومقاهيهم وموسيقاهم، وهم يفضلون في هجرتهم أو نزوحهم بعث مشاريعهم الخاصة، كما في أربيل التي تحول إليها أكراد سوريا فأخذوا معهم مزاج القهوة ولذة الشوارما.

أربيل (العراق) – في البداية، لم تقنع قهوة اللاجئ السوري عبدالصمد أحدا، لكنها أصبحت اليوم رائجة في أوساط زبائنه في إقليم كردستان العراق الذين غيّروا البعض من عاداتهم مع وصول اللاجئين من سوريا المجاورة.

ففي المجتمع الصغير المغلق بالإقليم الذي يتمتّع بحكم ذاتي، قلب الوافدون الجدد البعض من العادات والتقاليد، ليس فقط بالمطبخ، بل أيضا معماريا وفنيا ولغويا، بحسب ما يؤكد علماء اجتماع محليون.

قبل ستّ سنوات، ترك الكردي عبدالصمد عبدالقادر (45 عاما) سوريا في حالة حرب ووصل إلى أربيل، كبرى مدن كردستان العراق، الذي كان في خضم طفرة اقتصادية.

وهناك، افتتح مقهى يقدّم فقط القهوة على الطريقة السورية، إلى جانب الإسبريسو الإيطالية.

خلال الأسبوع الأول، قدّم فنجانا لكل من أصحاب المتاجر من حوله، كما يقول، لكن في منطقة يعتبر فيها الشاي ملك المشروبات، قوبل عبدالصمد بوجوه عابسة وشفاه ممتعضة.

ويضيف وعينه على عمّاله السوريين الأربعة، أنه “في السنة الأولى، كان 99 في المئة من زبائني من العرب الآتين من مناطق أخرى في العراق، فكانوا قليلين”.

في كردستان العراق يعتبر الشاي ملك المشروبات، لكن مع عبدالصمد صاحب المقهى الجديد أصبح للقهوة السورية والإسبريسو عشاقهما

ومع مرور الوقت، مع إضافة الكثير من ملاعق السكر لتخفيف مرارة القهوة، أصبح يبيع الآن “بين 200 إلى 300 كوب من القهوة يومياً لزبائن، 90 في المئة منهم أكراد عراقيون”.

وغزت أطباق الحمّص والتبولة والأجبان وزيت الزيتون والفتوش، طاولات المطاعم، فالمأكولات السورية مشهورة ومحببة في إقليم كردستان، حيث تتميّز بأصنافها المتنوعة وطعمها المميز، وقد استطاع السوريون من خلال المأكولات والحلويات السورية الشهيرة، جذب انتباه أهالي مدينة أربيل.

ومنذ 2014 أعلن مطعم سوري كان معروفا باستقبال المشاهير وكبار السياسيين العالميين، الانتقال إلى أربيل، عازيا ذلك إلى تدني نشاطه لأكثر من 70 بالمئة بسبب الحرب الأهلية.

وقال مدير مطعم “نارنج” السوري طلال ناظم، إن “المطعم نقل بكامل ملاكه الذي يضم 60 عاملاً، ومستلزماته، إلى عاصمة إقليم كردستان أربيل”، مبينا أن “الكثير من العاملين بالمطعم شاركوا في نجاحه ولا يمكن الاستغناء عنهم في هذه الأيام الصعبة، لذلك كان الحل الوحيد هو فتح فرع في إقليم كردستان العراق”.

وانتشرت في إقليم كردستان المطاعم ومحالّ بيع الفطائر السورية التي تشتهر بمكوناتها الطازجة وتوابلها غير المألوفة وجودة خدماتها.

وقد اعتمدت بعض المطاعم أسماء سورية بصرف النظر عن الطعام الذي تقدّمه، على أمل جذب المزيد من الزبائن.

أسماء سورية لجذب المزيد من الزبائن
أسماء سورية لجذب المزيد من الزبائن

وفي محلّ سوري لبيع الفطائر في السليمانية، يعمل نوشين البالغ من العمر 27 عاما، بجدّ في تحضير سندويشات شاورما الدجاج واللحم، بينما يصطف الزبائن على الرصيف في ساعة الذروة في وقت الغداء.

ويعيش نوشين الآتي من القامشلي حاليا في مخيّم عربت للاجئين. يستقلّ الحافلة كلّ صباح متوجّها إلى المدينة في رحلة تستغرق 40 دقيقة ويعود بالطريقة نفسها في المساء.

يقول، ”يحترم العراقيون مهاراتنا في الطهو. وعندما يرى الناس سوريين يعملون هنا، يعلمون أنّ الطعام سيكون مختلفا وجيّدا“.

ويرى الدكتور في الدراسات الثقافية هوزن أحمد، أن “اللاجئين السوريين أثبتوا أن ثقافات الوافدين الجدد مفيدة عندما تحتك بالتقاليد والأعراف المحلية”.

ويقول أحمد، إنه على سبيل المثال حدث تغيير منذ العام 2011 في “التصميمات الداخلية الجديدة، المشروبات الجديدة، الزيجات المختلطة التي تساهم في مزيد من التواصل الاجتماعي” بين الأكراد في سوريا والعراق، الذين لا يشتركون اللغة نفسها، لكنهم يطالبون بنفس الدولة التي لم يتمكّنوا من إنشائها حتى الآن.

في المجتمع الكردي العراقي الذي لا يتوقف عن الدفاع عن هويته ولغته وخصوصيته تجاه السلطات المركزية في بغداد، فإن قبول 300 ألف لاجئ سوري معظمهم من الأكراد يعيش حوالي نصفهم في اربيل، لم يكن بديهياً.

لكن على مر السنين، فإنه وبحسب أحمد “تجربة السكان المحليين في مواجهة الثقافة السورية، قد حطمت الرفض التاريخي للأجنبي”.

فجمانة تركي مثلا، عربية تزوجت كرديا سوريّا، واستقرت في أربيل في العام 2014.

في ذلك الوقت، كان عدد النساء العاملات ضئيلا جدا في إقليم كردستان والعراق عموما حيث أدنى معدلات توظيف الإناث في العالم والتي تصل إلى حوالي 15 في المئة.

عادات غذائية جديدة
عادات غذائية جديدة 

وبعد حلول الظلام، كان نادراً وجود امرأة في الشارع، كما تقول خريجة علم الاجتماع البالغة من العمر 34 عاماً، لكن اليوم، توظف العديد من المتاجر نساء، وتزدحم ممرات الأسواق والمراكز التجارية الأخرى بالنساء حتى وقت متأخر من الليل.  تقول تركي، إن ذلك “بسبب تأثير اللاجئين السوريين” لأنه في سوريا “من الطبيعي أن تعمل المرأة وتخرج حتى في الليل”.

بالنسبة إلى حسين ديواني، وهو موسيقي كردي سوري وصل إلى أربيل في العام 2012، فإن هذا المنفى كان مرادفا للعودة إلى الجذور بعد 26 عاما من العيش في سوريا، حيث يمكن أن يؤدي ارتداء الزي التقليدي أو ألوان العلم الكردي إلى السجن.

وإذا ما غيّر اللاجئون السوريون بعض العادات في العراق، فإنهم أيضاً وجدوا بعضاً من جذورهم المفقودة. فقد عادوا إلى الاحتفالات العامة بعيد النوروز، رأس السنة الكردية الذي يصادف 21 مارس مع بدء فصل الربيع. وعادوا أيضا إلى ارتداء السراويل الفضفاضة التقليدية، واكتسبوا تعابير قديمة منسيّة.

يقول ديواني، “لقد ساعدنا الأكراد في العراق على إحياء لغتنا. إنهم يتحدثون لغة كردية أقلّ اختلاطاً باللغة العربية من تلك التي في سوريا، حيث كانت اللغة الكردية محظورة”.

ويضيف الثلاثيني الذي تعلّم اللغة الكردية السورانية التي يحكيها أهل أربيل وعلمّ بدوره زملاءه الكرمانجية الكردية السورية، “عندما وصلت، سمعت كلمات كانت تستخدمها جدتي، ولكنها ضاعت على مر الأجيال”.

لكن رودي حسن الذي وصل من سوريا في العام 2008 لإكمال دراسته في الطب، كان الشاهد الأكبر على التغيير.

يقول، “عندما جئت، لم نكن نعرف شيئاً عن بعضنا البعض وكان لدينا الكثير من الأحكام المسبقة. لكن اليوم يختلف تماماً، ربطتنا الصداقات والزيجات”.

20