رياح سلام قادمة من أوروبا

السبت 2015/11/14

ينشط عدد من الحقوقيين الغربيين ضد السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بصورة مثيرة للاهتمام، تنتفي معها فكرة الازدواجية الكثيفة حول معايير الغرب في تعاطيه مع قضايانا العربية، ومن ضمن هؤلاء يهود محبون للسلام ويرتفع لديهم الحسّ الإنساني بشكل أرقى بكثير من بعض العرب. كما أنهم دعاة سلام لا يتوقفون عن المناداة بتحقيق السلام بين العرب والإسرائيليين، ونشاطهم هذا في نطاقه المدني يفوق أي نشاط عربي لتحقيق السلام وفقا لمقتضيات المبادرة العربية التي أطلقها الملك عبدالله بن عبدالعزيز (رحمه الله) في قمة بيروت، ولذلك حين نجد جهدا مدنيا إنسانيا غربيا يدعم حقوقنا العربية فإنه يصبح لافتا ومهما، ويمثل عنصر ضغط حقيقي في تشكيل رأي عام يفترض أن يتجه إلى السلام الضائع.

مؤخرا أعلن الاتحاد الأوروبي عن وضع ملصقات على منتجات المستوطنات الإسرائيلية تشير إلى السلع المنتجة في هذه المستوطنات، واستغرق وضع هذه الإرشادات من المفوضية الأوروبية ثلاث سنوات، ويعني ذلك أنه سيكون على المصدرين الإسرائيليين إلى أسواق الاتحاد الأوروبي وضع ملصقات صريحة على السلع الزراعية ومستحضرات التجميل القادمة من المستوطنات الإسرائيلية، وأن أهمية ذلك تتوافق مع دعوات المقاطعة الضاغطة على الحكومة الإسرائيلية لإثبات جديتها في تحقيق السلام، وإيقاف بناء المستوطنات العشوائية التي تضعف احتمالات التوصل إلى تسوية عادلة ونهائية للصراع في المنطقة، وهو ما يكلف الإنسانية الكثير من الحقوق التي يتم دفنها مع الحقيقة في تراب الأراض الفلسطينية.

تلك الخطوة الأوروبية لم تأت من فراغ، فهناك رأي عام غربي رافض للسياسات الإسرائيلية مع الفلسطينيين، ويقف مع حق المواطنين في أن تكون لهم خياراتهم السلمية في التعبير عن آرائهم، فهناك حملة مقاطعة سارية ويدعو لها النشطاء، وما حدث استجابة موضوعية وإنسانية متقدمة للرأي العام، فمنتجات إسرائيل هي منتجات المستوطنات أي منتجات فلسطينية تمت السيطرة والسطو عليها وينبغي أن يتوقف الإسرائيليون عن خداع المستهلكين الغربيين حتى يختاروا منتجاتهم بكل حرية، ولذلك كان من الطبيعي أن تصدر ردة فعل إسرائيلية رافضة للقرار الأوروبي، وكان أن أصدرت وزارة الخارجية بيانا قالت فيه إنها ترى هذه الخطوة محاولة للضغط على إسرائيل في ما يتعلق بسياستها الاستيطانية، واستدعت سفير الاتحاد الأوروبي لدى إسرائيل، فيما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إن الاتحاد الأوروبي يجب أن يشعر بالخجل.

ورد الفعل ذلك هو ما يجب أن يشعر معه الإسرائيليون بالخجل لأنه ضد الإنسانية، ولا يمكن أن تكون “استيكرات” الإنتاج مزعجة لهذا الحد، إلا إذا كان هناك خطأ إسرائيلي حقيقي، فهذه الدولة لم تتعرض من قبل لضغط غربي حقيقي ومؤثر لتوقف انتهاكاتها ضد الفلسطينيين الذين يُقتلون بدم بارد، وتهدم بيوتهم على رؤوسهم وتقلع زروعهم وتصادر لصالح المستوطنات العشوائية التي تعتبر حجر عثرة كبيرة في طريق السلام.

ومن المهم أن يعرف الإسرائيليون أن مسيرة السلام قاسية وتتطلب تنازلات مؤلمة كما تنازلنا كثيرا ولم نحصل على شيء، ولا تزال المبادرة العربية على الطاولة وتمنحهم تطبيعا كاملا مقابل الأرض وحق اللاجئين في العودة، وهي معادلة سهلة ولا تحتاج إلى كل هذا الالتفاف وإهدار الزمن وحياة الفلسطينيين على مرأى من العالم، بما يقدم صورة بائسة تتضاد مع الإنسانية، ومن الصعب أن يجد ناشطو حقوق الإنسان ودعاة السلام أي مبرّرات للتعاطف مع سلوك الدولة الإسرائيلية وإبقائها على أحد أسوأ أشكال التمييز العنصري وإرهاب الدولة ضد أبرياء ومدنيين لا حيلة لهم سوى الحجر والسكاكين لمواجهة الرصاص والصواريخ وآلة القتل اليومية التي تعصف بأمنهم وسلامتهم.

كاتبة سعودية

9