رياح فاتح المدرس الرملية تستيقظ في معرض باريسي

لوحات تستعيد سيلان نهر قويق السوري بدهشة الحاضر.
الأربعاء 2021/06/02
مشاهد طبيعية لا تخلو من طاقة رمزية وسريالية

يستمر إلى غاية التاسع من يونيو الجاري بصالة "روان دو سان لوران" الباريسية معرض استعادي للفنان التشكيلي السوري الراحل فاتح المدرس، قدّمت فيه مجموعة من اللوحات التي تملكها عائلة الفنان. وقد قامت ابنته الفنانة التشكيلية رانيا المدرس بتحضير المعرض بالتعاون مع الصالة تكريما لوالدها الذي يعدّ أحد رواد الفن المعاصر.

كان يمكن الكتابة عن المعرض الاستعادي الذي تقيمه حاليا صالة “روان دو سان لوران” الباريسية للفنان السوري الراحل فاتح المدرس (1922 – 1999) ابن قرية حريتان القريبة من مدينة حلب شمال سوريا، بشكل سردي أفقي ومقتضب عن فنان وصل إلى العالمية وكُتب عن أعماله الكثير. لكنه لن يكون كذلك، فقد عثرتُ من خلاله على حقائق عشت فصولا من صداها في أحاديث والدتي، ابنة مدينة حلب.

وشكّل المعرض ظاهرة فنية مهمة لأنه احتضن أعمالا كثيرة تابعة لمراحل مختلفة من سيرة المدرس الفنية ومشغولة بمواد مختلفة من الألوان الزيتية والمائية والحبر على الورق.

في الكتالوغ المرافق للمعرض يذكر القيمون على الصالة “من الصعب إقامة معرض استعادي للفنان دون أن نكشف عن دور الشعر والموسيقى والحسّ القصصي في أعماله”.

ومن المعروف أن الفنان هو قاص وشاعر له قصائد ومؤلفات كثيرة من ضمنها مجموعة قصصية بعنوان “عود النعنع”، وديوان شعر بعنوان “الزمن السيء”. وله مؤلفات أكاديمية منها “تاريخ الفنون في اليمن قبل الميلاد” ومجموعة محاضرات عن “فلسفة الفنون ونظرياته في عام (600 ق.م)”.

وحي الذكريات

المعرض الباريسي شكل ظاهرة ثقافية، لاحتضانه أعمالا كثيرة تابعة لمراحل مختلفة من سيرة المدرس الفنية
المعرض الباريسي شكل ظاهرة ثقافية، لاحتضانه أعمالا كثيرة تابعة لمراحل مختلفة من سيرة المدرس الفنية

كنت كلما رأيت أعمالا لفاتح المدرس أبتسم، ولكن من دون فرح. وأذكر هنا خاصة اللوحات التي “شيّد” فيها شخوصه المتعدّدة الأشكال والأحجام على خلفية لونية مشحونة بإشارات متلاشية، ولكن تشترك جميعها بأن لها أجسادا ضغطها الفنان فبدت كأنها نصب رملية/ أثرية غليظة لها تارة ملمس ناعم وتارة ملمس خشن كملمس الرمل (الذي كان يستخدمه في العديد من لوحاته).

لم يلطّف من هيئة شخوصه إلاّ ملامح وجوههم التي هي في غاية من الحساسية، واستطاع عبرها الفنان أن يحكي عن الحزن والدهشة والفرح والملل والشعور بالضيق والوحدة وألم الترحال وغيرها من المشاعر الإنسانية المتناقضة.

ولعل من أجمل الأعمال، ومنها ما عرضته الصالة الباريسية، تلك التي تغيب فيها ملامح وجوه شخوصه وكأنها تحت تأثير رياح رملية أمحتها لكثرة ما هبّت عليها. واللافت في هذه اللوحات أن الناظر إلى تلك الوجوه، ذات الملامح شبه الممحية، يستطيع أن يستدلّ على حالتها النفسية بفضل ما يحيط بها من مشاهد أو خلفيات لونية مُنسجمة مع مزاجها.

لا شك أن لوحات الفنان في هذا السياق تملك من الطاقة الرمزية والسريالية ما يمكنها أن تتحدّث عن الغياب بالمعنى المُطلق: حاضرا أكثر من أي حضور مادي تحكمه شروط مادية تحدّ من معانيه وأبعاده.

أما ما يمكنني أن أضيفه هنا بالتحديد، هو ما قالته لي يوما والدتي حينما كنا نتحدّث عن شخوصه. قالت “كان فاتح يزورنا في دارنا وكنا ننتشر وأولاد الحيّ قرب النهر لاسيما في فصل الربيع. وفي حين كان ينهمك الأولاد في التراشق بالماء والركض كان هو يحب أن يشكّل من طين النهر أشكالا بشرية طريفة، كنت أقحم أصابعي في وجوهها كي تصير لها أفواه وعيون. وكان أحيانا لا يعجبه ذلك فيرمي بشخوصه في النهر”.

الحقيقة أنني لا أذكر كم كان فارق العمر بينهما، إلاّ أنه كان كبيرا، ولكن أعلم بأنه كان من الزوار الدائمين لبيت والدتي في حلب، وكنا نذهب في رحلات إلى نهر قريب اسمه نهر “الواق واق” وكان الفنان حسب وصف الوالدة “شخصا قليل الكلام تحبه جدتي، ولكنه عصبي ويعيش في عالم خاص به”، هذا ما أخبرتني إياه والدتي.

بدوره “أهداني” اليوم الفنان أجوبة وإيضاحات عن نهر “الواق واق” المُعشعش في ذكريات طفولتي، أنا وأخواني، بعد أشهر قليلة من عودة والدتي إلى خالقها. وكان لي ذلك بفضل معرضه الحالي لأنه اضطرني أن أغوص في عالمه الفني من جديد لأكتشف بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة أن نهر “الواق واق”، الذي كانت والدتي تكلمنا كثيرا عنه حتى بات وكأنه مشهد من الجنة في خيالنا لجماله، ليس اسمه كذلك، وأنها اخترعت اسمه كعادتها لتضيف التشويق إلى القصص التي كانت تخبرنا إياها.

كنا نشكّ بأنه ليس الاسم الفعلي للنهر، لأنها كانت لا تُجيب وتبتسم كل مرة كنا سألها فيها إذا كان هذا فعلا اسم النهر أم لا؟

نهر ملهم

اليوم عرفت اسم النهر وتعرّفت على ضفادعه وأجوائه الجنائنية، التي بتنا نعشقها كما عشقتها والدتي، من خلال إجابة الفنان عندما سأله أحد الصحافيين عن سبب عدم مغادرته سوريا “لا أستطيع أن أفارق شجرة التّوت.. ولا صوت نقيق الضفادع في نهر قويق.. كما أني عاجز عن اصطحاب كل هذه الأشياء معي”.

ولكن الفنان استطاع فعلا “اصطحاب كل هذه الأشياء” معه، عبر إيداعها في عدد كبير من لوحاته، كما استطاعت والدتي، التي اضطرت إلى مغادرة سوريا، أن تنقل إلى وجداننا تلك الصور التي لن تموت إلاّ مع موتنا.

لم يرسم الفنان الشخوص فحسب. رسم مشاهد طبيعية لاسيما شمال سوريا تحت شمس حارقة وبرودة قارصة ليلا جسّدها المدرس بزرقة معدنية وحدّة. ورسم الساحل الذي يلتقي بالجبال في حالة ذوبان يسلك أحيانا كثيرة درب الصوفية والأجواء الأثرية من زمن غابر، زمن أوغاريت وراس شمرا.

معرض المدرس يضعنا أمام سؤال وجودي، مفاده: هل ما يلي عمر المراهقة الأولى عند المُبدعين هو عمر جديد؟

لكن تبقى اللوحات التي جسّد فيها شخوصه، الطريفة والدرامية في آن واحد، الشاخصة ضد اندثار الذاكرة هي الأهم. ليس لذاتها فحسب، بل لأنها مُشكّلة من خلاصة المشاهد الطبيعية التي رسمها. وهي، أي الشخوص، الناطقة بكل تلك التعاويذ البصرية المُبهمة والكلمات الأخرى التي خطّها في لوحاته.

ورسم الفنان شقائق النعمان التي تذكّره بوالدته وهي ذاتها تلك الأزهار التي عشقتها والدتي، وربما لنفس السبب.

ورسم خيالات أشجار الصفصاف المنتشرة بغزارة حول النهر، كما رسمت والدتي أشجار الصفصاف في وجداننا وواظبت على زراعتها واحدة تلو الأخرى في كل مرة كانت فيها تموت إحداها على شرفات البيوت التي سكناها.

معرض الفنان السوري الراحل فاتح المدرس الاستعادي، إلى جانب قيمته الفنية، يضعنا مجدّدا أمام سؤال وجودي: هل ما يلي عمر المراهقة الأولى عند المُبدعين هو عمر جديد، أم هو استعادة ملحمية مُبطنة لطفولة هي الأصل وهي المُنتهى؟

15