ريادة الأعمال بوابة الشباب لتجاوز مشكلات البطالة بعد التخرج

تمويل المشاريع وحده لا يكفي بوجود البيروقراطية، وتشجيع الشباب على تسويق منتجاتهم يعزز قدراتهم على التطوير والتحديث والاهتمام بالجودة.
الأحد 2019/02/03
فكرة الريادة تستحوذ على عقول الشباب

تكتسب ريادة الأعمال أهمية كبيرة في عالم اليوم في ظل التحديات الاقتصادية في العالم أجمع، فيما تشكل في العالم العربي الذي يمثل الشباب غالبيته حاجة ملحة للتخفيف من أزمات البطالة واستثمار أفكار ومواهب الجيل الجديد، لكنها تحتاج إلى دعم كبير من القطاع الحكومي والخاص لا يقتصر على المال فقط.

اتجهت الأنظار مؤخرا إلى ريادة الأعمال وتأهيل الشباب لإنشاء شركاتهم النامية وضرورة ابتكار فرص عمل جديدة في المنطقة مع تصاعد البطالة التي وصلت إلى مرحلة حرجة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وبات الحديث عن ريادة الأعمال باعتبارها أحد الحلول لإيجاد فرص العمل للشباب الذين يمثلون الأغلبية في التركيبة الديموغرافية للمجتمعات العربية، لأن نماذج الأعمال التقليدية ليست قادرة على استيعابهم.

وأصبحت الوظائف في قطاع ريادة الأعمال أكثر جاذبية للشباب السعوديين الذين باتوا يدركون أنها تقدم لهم أفضل فرص العمل، ودرجة أكبر من الحرية، ومكافآت مالية أعلى من القطاع العام، وفق تقرير بحثي حديث صادر عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، تحت عنوان “تناول التحديات الرئيسة التي تواجهها ‘ريادة الأعمال’ لدى الشباب السعوديين”.

وأكد مارك ثومبسون الأستاذ المساعد في دراسات الشرق الأوسط بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، في التقرير، أنه يجب الاستفادة من الشباب الذين يملكون مجموعة غير مسبوقة من المواهب من أجل الإبداع والابتكار. وأوضح أن سلسلة من الأعمال الرائدة يقودها شباب سعوديون أصبحوا اليوم منفتحين إلى حد كبير، ومستعدين للبدء بتنفيذ أعمالهم الخاصة.

واحتلت السعودية المركز الأول بين 66 دولة من حيث النزعة نحو ريادة الأعمال، كما حققت المركز 61 في تعليم ريادة الأعمال في المرحلة الجامعية وما قبلها، وفق مرصد ريادة الأعمال العالمي في آخر إحصاءاته.

أحمد جلال: التسويق جزء مهم من خلال تأهيل الشباب وتدريبهم على طرق تسويق منتجاتهم وكيفية عرضها في الأسواق
أحمد جلال: التسويق جزء مهم من خلال تأهيل الشباب وتدريبهم على طرق تسويق منتجاتهم وكيفية عرضها في الأسواق

ورغم ذلك هناك عدد من المشكلات التي تعاني منها المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم في السعودية، منها مشكلة التمويل وفق ثومبسون الذي ذكر أن هناك عددا كبيرا من الشباب ذوي الأفكار الجيدة ولكن ليست لديهم القدرة المادية على تنفيذ مشاريعهم ولا يجدون التمويل اللازم، كما أن أغلب الشركات المبتدئة تفشل في سداد قروضها.

تحديات متنوعة

وسلط ثومبسون الضوء على ثلاثة تحديات تواجه رواد الأعمال السعوديين على وجه الخصوص؛ أولها التكوينات المؤسسية غير التنافسية، مثل تعقيد القوانين والبيروقراطية في تأسيس الأعمال التجارية، كما أن الدعم المؤسسي لريادة الأعمال يحتاج إلى إصلاح وربما يجد ضالته في الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة؛ وهي هيئة حكومية أُنشئت في عام 2016 لمعالجة القضايا والمشاكل التي تواجه الشركات السعودية الصغيرة والمتوسطة.

وأضاف أن التحدي الثاني الذي تواجهه ريادة الأعمال في المملكة، خوف العديد من الشباب السعوديين من فشل مشاريعهم الريادية، والمخاطرة بأموالهم؛ لذا فهم يميلون إلى التردد في إطلاق الأعمال التجارية، ويفضلون الوظيفة على ريادة الأعمال.

أما التحدي الأخير فهو عدم معرفة كيفية إدارة الأعمال؛ حيث يحتاج الشباب إلى مشورة بنَّاءة من خبراء راسخين في هذا القطاع.

وللحد من هذه العقبات، تبنت عدة شركات كبرى في السعودية مبادرات لدعم ريادة الأعمال، إحداها مركز “واعد”، بمبادرة من شركة أرامكو، ويدعم أكثر من 100 مشروع ريادي متنوع، حيث يقوم المركز بتقديم الدعم المالي للأفكار الجديدة والمشاريع الناشئة التي من شأنها تحريك عجلة التنمية بأيد سعودية من الشباب.

وعلى خطى الشباب السعوديين، يتزايد إقبال الجيل الجديد من المغاربة على خلق أعمالهم الخاصة، لكنهم أيضا يحتاجون إلى مواكبة ودعم لتحويل أفكارهم وإبداعاتهم إلى مشاريع حقيقية وناجحة.

ويحتل المغرب مرتبةً متقدمةً ضمن البلدان الأفريقية الخمسة الأفضل للأعمال في عام 2018. ويفيد تقرير “المراقب العالمي لريادة الأعمال” (GEM) لـ2016-2017، بأن مؤشرات ثقافة ريادة الأعمال بالمغرب والإمكانات التي يتوفر عليها تظل مرتفعةً بشكل ملموس.

وكشف التقرير أن 74 بالمئة من طلبة التعليم العالي لديهم فكرة خلق مشروع، ما يشير إلى أن لدى الشباب المغاربة توجه قوي نحو الانخراط في عالم الأعمال.

ويقول الشاب مصطفى لحسن (30 عاما)، المنضم إلى مبادرة “إنوي” لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، “إن ريادة الأعمال حاليا أصبحت ضرورة ملحة لتنافسية الاستثمارات وفرض حضور قوي في السوق الوطنية والدولية، لمواكبة التطورات والتحديات التي يواجهها العالم.

ولضمان نجاح ريادة الأعمال وتحقيق أكبر استفادة ممكنة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي في المغرب، لا بد من مواكبة التغيرات والمستجدات على المستوى الدولي والإقليمي بتأهيل الموارد البشرية وتطوير أساليب الحكامة وتأهيل القطاع غير المهيكل في إطار شركات صغرى أو متوسطة وإدماجها في النسيج الاقتصادي والاجتماعي لتتمكن من توسيع نشاطها وإدارة أعمالها بشكل عصري ومتطور”.

وعلى الرغم من الاهتمام الواسع بريادة الأعمال إلا أن التقرير كشف أن تطور ديناميكيات المشاريع يتباطأ في المغرب بسبب النفور من المخاطرة القوية وارتفاع معدل التخلي.

وهي ليست ملاحظة جديدة، إذ أنه للسنة الرابعة على التوالي، لاحظ المؤشر العام لريادة الأعمال وجود فجوة كبيرة بين نوايا خلق المشروع والترجمة على أرض الواقع.

أما في بلد كمصر تنحسر فيه الوظائف وتقل الفرص، فإن فكرة ريادة الأعمال باتت الشغل الشاغل للأغلبية من الشباب، الذين يسعون لتحقيق الطموحات بوتيرة سريعة ومريحة. ولم تصبح ريادة الأعمال حلما للشباب وحدهم، لكنها ضمن خطط المسؤولين أيضا لاستغلال طاقات الشباب في أعمال تصب في صالح إنجازاتهم وتسهّل مهمة التطور والإنتاج وتلقي من على عاتقهم عبء أزمة البطالة المستفحلة.

الكثير من الشباب السعوديين يمتلكون الأفكار الجيدة لكنهم لا يجدون التمويل اللازم وأغلب الشركات المبتدئة تفشل في سداد قروضها

ويمثل الشباب تقريبا ربع المجتمع المصري، فيما يصل أعمار من هم في سن الـ15 عاما فأقل إلى نحو ثلثي عدد سكان البلاد، الأمر الذي يعزز دور المشروعات الصغيرة في هذا البلد أكثر من أي بلد آخر لمواجهة هذه القوة البشرية لتصبح فاعلة في المجتمع، قبل أن تتحول إلى قوى ناقمة، لكن التحدي الأكبر يكمن في غياب الدعم والتمويل الكافي.

ومع تعدد النماذج التي تعتمد أغلبيتها على المشاريع اليدوية التي لا تحتاج إلى تمويل كبير، ظهرت تجارب أخرى فاشلة أو اصطدمت بتحديات أخرى لم تكن متوقعة؛ تحكي هندية سعيد -فتاة عشرينية من محافظة الفيوم (جنوب غرب القاهرة) وصاحبة ورشة لتصنيع الفخار- لـ”العرب” “تخرجت في كلية التجارة، وبقيت لفترة دون عمل”.

وأضافت “أمتلك الكثير من الطاقة وأحب مشاهدة الفخار وكيفية صناعته، كنت أحلم بأن أعمل في ذلك الفن وتلك الصناعة، ورغم استعداد جمعية خيرية لدعمي، إلا أنني اصطدمت بمشكلة أخرى، وهي التدريب والتعلم بطريقة صحيحة”.

وتابعت “كان إيجاد مركز تدريب لصناعة الفخار، أو أي صناعة يدوية أخرى مسألة صعبة، فأغلب الجمعيات والبنوك تقدم دعما ماليا، لكنها لا تساعد على تعلم الحرفة نفسها”.

وترى هندية أنها كانت محظوظة في النهاية عندما وجدت نفسها صدفةً أمام جمعية صغيرة اسمها “التدريب من أجل التشغيل”، فتواصلت مع المشرفين على هذه الجمعية والتحقت ببرنامجها التدريبي، لتنطلق بعد ذلك في مشروعها الصغير، وتقول “مع تمكني من صناعة الفخار وامتلاك مبلغ مالي أصبحت أملك الأدوات اللازمة للكسب والتطور”.

حرفة وعلم

بدورها تروي رانيا سعيد تجربتها مع عالم المشروعات الصغيرة، وقالت لـ”العرب” “المشغولات اليدوية حرفة وعلم، والتسويق علم آخر وبدونه أنت مجرد هاو، وحاولت كثيرا الترويج لمنتجاتي إلا أنني دائما أفشل ولا أعرف أين المشكلة، وعندما بحثت عن جمعيات دعم المشروعات الصغيرة لم أجد أكثر من دعم مادي، فلا توجد مساعدات أخرى أو برامج تدريب في مسألة التسويق”.

ونجحت رانيا في إيجاد بعض رواد مواقع التواصل الذين قاموا بمساعدتها على تحقيق دعاية لمنتجاتها، بعد أن أعجبوا بأعمالها التي نشرتها على حسابها في فيسبوك، لتساهم تلك الدعاية في شهرتها وتصبح من أشهر صانعات المشغولات اليدوية في مدينتها.

ورغم هذه التجارب الناجحة، تظل هناك عدة تجارب شبابية أخرى باءت بالفشل لأسباب عديدة، منها كساد السوق، وصعوبة إيجاد مشتر أو ارتفاع أسعار إيجار المباني مقارنة بالمكسب وعملية البيع ومشكلات أخرى مرتبطة بشروط وتعقيدات الإجراءات الحكومية.

ويرى الكثير من الخبراء أن الأهمية التي يمثلها دعم المشروعات الصغيرة ماديا وتشجيع الشباب، ليست كافية وحدها لصناعة تجربة ناجحة.

ويؤكد أحمد جلال خبير الاقتصاد ووزير المالية المصري الأسبق لـ”العرب” أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تحتاج إلى مجموعة من المحفزات لتشجيع الشباب على دخول هذا العالم الذي يساهم بنحو 80 بالمئة في ب

الأهمية التي يمثلها دعم المشروعات الصغيرة ماديا وتشجيع الشباب، ليست كافية وحدها لصناعة تجربة ناجحة.
الأهمية التي يمثلها دعم المشروعات الصغيرة ماديا وتشجيع الشباب، ليست كافية وحدها لصناعة تجربة ناجحة.

ويشير إلى أن توفير التمويل ليس هو الحل الوحيد لتشجيع الشباب على تأسيس مشروعات صغيرة، بدلا من البحث عن الوظائف الحكومية التي نضبت أو انتظار وظائف القطاع الخاص.

ويوضح أن التسويق جزء مهم في نجاح هذه المنظومة من خلال تأهيل الشباب على طرق وأساليب تسويق منتجاتهم وكيفية عرضها وطرحها في الأسواق، وهو دور مهم يحتاج إلى جهود كبيرة من جهاز المشروعات الصغيرة التابع للحكومة، وإلى جهد أكبر من قبل منظمات المجتمع المدني.

مع تدارك قيمة الدعاية والإعلان، سيدرس جهاز المشروعات الصغيرة والمتوسطة في مصر خلال الفترة المقبلة تأسيس شركة لتسويق منتجات الشباب الخريجين وأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فضلا عن تقديم دعم كبير لتغطية تكاليف مشاركتهم في المعارض المحلية والخارجية من أجل تنويع فرص التسويق وتعددها أمام منتجاتهم.

وباتت الكثير من جمعيات المجتمع المدني تسعى للاستفادة من تجارب عالمية ساعدت في زيادة الإقبال على مشروعات الشباب الصغيرة، وجاء من ضمنها تصدير المنتجات ذات الكفاءة العالية في الخارج والاستفادة من الأسواق التي تقام في أوروبا لدعم المشروعات الصغيرة في أكبر وأشهر الميادين لتحقق جاذبية أكثر.

وتذكر سيدة محمد -فتاة في الثلاثين من عمرها- لـ”العرب” أنها بدأت بمشغل يدوي صغير، وتقول “كنت أقترض قيمة الصوف من جيراني، واستطعت أن أحصل على تمويل ميسر من إحدى الجمعيات الأهلية المهتمة بتمويل مشروعات الشباب، وتوسع المشغل الذي كان يعمل بنول واحد إلى أن أصبحت أمتلك 20 نولا”.

ولفتت إلى أن نجاحها واتساع مشروعها لم يكونا كافيين، فقد افتقدت البوصلة لزيادة عدد زبائنها لفترة، حتى ساعدتها إحدى الجمعيات المدنية وقدمت لها فرصة نقل بعض منتجاتها إلى أوروبا لعرضها في أحد المعارض بإيطاليا، وفوجئت بحصولها على إعجاب كبير في الخارج، نتج عنه أن منتجاتها أضحت تصدر إلى دول مثل إيطاليا وألمانيا باستمرار، خاصة الطلب على السجاد اليدوي والشِيلان.

تعقيدات إدارية

تظل البيروقراطية العائق الأكبر والتحدي الأصعب أمام أي شاب يبحث عن فرصة إنشاء مشروع، فلا يوجد تشريع واضح لدعم وتوثيق تلك العملية، كما أن القطاعات الحكومية المسؤولة عن دعم المشروعات الصغيرة تعيش أزمة تبعية، فتتنقل تبعية تلك الأجهزة بين الوزارات، ما يجعل الملف في يد عدة مسؤولين مما يصعب الإنجاز فيه أو تطويره، ويزيد من وطأة تعقيدات الطلبات والشروط الصعبة والمتعددة لطلب منحة أو دعم لصالح مشروع شبابي، خاصة من الجهات الحكومية أو البنوك.

ويقول مجدي شرارة، رئيس جمعية المشروعات الصغيرة في مدينة العاشر من رمضان في شرق القاهرة، إن البيروقراطية الحكومية من العناصر الطاردة للشباب، حيث تصطدم طموحاتهم بالبيروقراطية، وقد تدفعهم إلى هَجر البلاد.

وتعد صعوبة الحصول على التراخيص الصناعية ومزاولة النشاط من أهم العناصر التي تصطدم بأحلام الشباب وتحد من قدرتهم على الإبداع.

ويشير لـ”العرب” إلى أن الشباب يواجهون مشكلة أخرى، وهي أن البنوك تتعامل معهم وفق شروط قاسية، وكأنهم أصحاب مشروعات كبيرة، فالنظام المصرفي لا يفرق بين المشروع الصغير والمشروع الكبير، رغم تأسيس البنوك لإدارات مخصصة للتعامل مع المشروعات الصغيرة.

وتطلب البنوك ضمانات لمنح التمويل تفوق قدرات الشباب المقبلين على تأسيس مشروعات صغيرة، ما يدفع نسبة كبيرة منهم للعزوف عن طرق هذا الباب وانتظار الوظائف، أو الانضمام إلى صفوف البطالة.

ويأتي من ضمن الاقتراحات تطوير منظومة تمويل المشروعات الصغيرة وتحسين كفاءتها، ودعم تسويق منتجات الشباب نفسها من خلال إعداد تشريع يلزم بأن تكون 10 بالمئة من المشتريات الحكومية في مختلف القطاعات من منتجات المشروعات الصغيرة وشباب الخريجين.

تعد تلك الخطوة محفزة على زيادة الطلب على منتجات هذا القطاع، وتشجع الشباب على تسويق منتجاتهم بشكل كبير يعزز قدراتهم على التطوير والتحديث والاهتمام بالجودة.

19