ريادة الإعلام العابر للحدود

الجمعة 2015/08/07

سيكتب مؤرخ في مستقبل قادم عن التجارب الإعلامية التي كان لها دورها في تغيير المجتمعات العربية. لا شك في أنه سينظر إلى التكنولوجيا كمحرك أساسي لعملية التغيير. سيرى في الفضائيات والإنترنت والإعلام الاجتماعي مفردات مغرية للكتابة عنها وتثبيت دورها الخلاق، والتخريبي أيضا. لكنه سرعان ما ينتبه إلى أن هذه المفردات التكنولوجية إنما كانت وعاء لتغير في الأفكار وفي النظرة للإعلام ودوره. إنها العربة التي حملت المشروعات وعبرت بها الحدود.

الرغبة بعبور الحدود وتجاوز المحلي هي الأساس. من هناك انطلقت الفكرة للتحرر من الاحتكار المطلق الذي كانت تفرضه الجغرافيا على الإعلام. من هنا ولدت فكرة الإعلام المهاجر ومن هنا ولدت فكرة “العرب”.

قبل “العرب” كانت هناك صحف في المهجر. صفحات هنا وهناك للشعر والأدب أو ترويج المنتجات البسيطة أو الإعلان عن شقق للإيجار. بعد “العرب” صار هناك إعلام عربي يومي مهاجر يهتم بقضايا أكبر من شؤون الجاليات أو محليات الدول.

لا تمكن الاستهانة بدور الصحافة المهاجرة. الصحافة قبل جرائد لندن كانت مشاريع وطنية شخصية أو حكومية محلية. مهما كبرت الصحيفة المحلية، ستبقى مهمومة بالشأن الداخلي.

المحلية ميزة وليست عيبا. والصحافة المحلية لا تستطيع إلا أن تنظر إلى القضايا بعين ابن البلد وبعين المسؤول الإعلامي الحكومي. هذا ما يجعل الصحافة المحلية في الأمس واليوم مهمة وستبقى مهمة. وهي إذ تتخبط اليوم بعض الشيء، فلأنها نسيت دورها المهم في التواصل على المستوى المحلي وصارت تقلد تلك الصحف التي نبتت بعيدا، هناك في أوروبا.

الصحافة المهاجرة شيء آخر. إنها لعبة من نوع ثان. مع الصحيفة المهاجرة، لم يعد يكفي تحويل حديث المقاهي أو التعليمات الحكومية أو المناسبات الرسمية إلى صفحات مطبوعة كما كان يحدث (ولازال) في العواصم والمدن العربية. ثمة آفاق مختلفة تم تجريبها على مدى العقود الأربعة الماضية. الصحيفة العربية المهاجرة صنعة من نوع مختلف صارت أساسا لتجربة الإعلام العابر للحدود.

أول عدد من صحيفة العرب العالمية

التجربة انطلقت قبل 38 عاما في لندن على يد الحاج أحمد الصالحين الهوني، رحمه الله. بين أيدينا اليوم العدد 10000 من صحيفة “العرب” التي أسست لتجربة الصحافة المهاجرة. الاحتكار الذي كانت تمارسه الحكومات على الصحافة لم ينته فقط جغرافيا، ولكنه انتهى أيضا كسيطرة وتحكم وإنتاج ورقابة.

تأسست “العرب” كصحيفة عربية دولية وليست طبعة عالمية لصحيفة محلية. هذا ما جعلها مبتكرة منذ أيامها الأولى. كانت الصحيفة تنظر إلى الشأن العربي بالعموم وتحلله وتقدمه لقارئ بدأ يفهم ما تعلّمه في المدرسة عن اللحمة العربية والثقافة المشتركة. ربما تلمّس هذا القارئ الأمر مبكرا في “فضائيات” الأربعينات والخمسينات والستينات أي بث الراديو على الموجة القصيرة من القاهرة (أو لندن) بكل عيوب تلك “الفضائيات”، إلا أن الورق المطبوع شيء آخر.

ما ميز “العرب” هو الموقف. كانت الصحيفة تحسم مواقفها مبكّرا وتقدم الخبر والرأي من زاوية هذا الموقف. انحازت دوما للقضايا العربية وحذرت مبكّرا من أخطار التشتت والفتنة وأطماع دول الجوار ومخاطر التغريب والإرباك الذي يحمله التغيير السريع إلى العالم العربي.

بيئة العمل المنفتحة التي تتخذ من بلد غربي مقرا، ما أضاعت بوصلة “العرب”. كانت القيم في قلب اهتماماتها. وكما رفضت أن تتغرب البلاد العربية بعيدا عن تراثها وتاريخها، فإنها تصدت مبكرا لاستخدام الدين كوسيلة للوصول إلى الحكم أو إعادة عجلة التقدم إلى الوراء بعد انطلاقة ما بعد الاستعمار والتحرر والدولة الوطنية. حاربت الصحيفة أصحاب الهويات الطائفية، دولا وأفرادا، وها هي نظرتها لأخطار هؤلاء تصبح مقياسا للآخرين.

“العرب” أيضا مدرسة. هناك أجيال من الصحفيين الذين ينتشرون في الصحف والفضائيات العربية في المهجر وفي المنطقة تخرجوا من هذه المدرسة. أنا أحد خريجي هذه المدرسة.

و”العرب” ليست فريقا عاملا فقط، بل أسرة. هذا أول ما تتعلمه حين تدخل “العرب” وبعد أن تزيل عنك رهبة المكان ورهبة الورق ورهبة الإدارة ورهبة المحررين المخضرمين. هذه الشفافية الأسرية أرساها الحاج الهوني عندما ترك باب رئيس التحرير مفتوحا دائما بلا عقد أو حواجز وما زلنا نحرص عليها ونعززها يوما بعد آخر.

عالم المؤامرات والتكتلات الذي نسمع عنه في مؤسسات أخرى، لا وجود له في “العرب”. في الحقيقة لا معنى لوجوده بالأصل لأنه لا يحقق أيّ شيء في بيئة منفتحة تنعدم فيها التراتبيات وصراعات المصالح.

و”العرب” مشروع مستمر ومتطور. لم تكن الصحيفة الأولى فقط في الحضور، ولكنها كانت الأولى في توزيع التحرير والإنتاج جغرافيا وبعيدا عن المركزية التي تخنق المؤسسات الصحفية.

كانت السبّاقة في دخول عالم الإنترنت والحضور الإلكتروني ولم تتردد في أن تذكّر القارئ العربي بأن لا يهمل الأساسيات جريا وراء الصرعات فأعادت إحياء فكرة المجلة الثقافية وأصدرت مجلة “الجديد” لتكون منبرا مشعا في وسط عتمة المشهد السياسي والاجتماعي العربي.

“العرب” أيضا صارت تتحدث الإنكليزية، وبطلاقة. كانت الأولى في الصحافة العربية المهاجرة، وها هي من خلال شقيقتها “العرب ويكلي” تكون الأولى التي تنقل وجهة النظر العربية إلى العالم الغربي بلغته في مرحلة من أصعب مراحل العلاقة بين الشرق والغرب.

من الصعب تلخيص تجربة إصدار واستمرار صحيفة مثل “العرب”. ثمة محطات عملية وشخصية كثيرة. لكنها مؤسسة راسخة ولدت لتبقى بإذن الله، وبجهود المؤمنين بها.

رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير المسؤول

6