رياضة الحرب الأهلية الدائمة

الأربعاء 2015/03/04

تقام الحروب الرياضية كي لا تشتعل الحروب الفعلية. تقدم حروب الرياضة بدائل رمزية عما تتيحه الحروب من إطلاق مفتوح لرغبات العنف والقتل والتدمير. يتقمص اللاعبون صفات المحاربين، يحملون ألقابا من قبيل “القناص” والـ“مدفعجي” والـ“سفاح” ولكنهم يمارسون مهماتهم في حيز محدد، تكون فيه أسلح المهارة والجدارة هي أسلحة الحرب.

يبدو استخدام القوة في الرياضة فعلا خاسرا حتـى في الرياضـات العنيفـة كالملاكمة، فهي ليسـت العامل الحـاسم للفوز، ولكنها فقط أداة يتيمة ومعزولة، لا تستطيع تحقيق هدف الفوز بذاتها، بل لا بد لها أن تتحالف وتتكامل مع مجموعة متآلفة ومتجانسة من المهارات الأخرى. القوة العارية لا تنتمي إلى عالم الرياضة، بل تشكل النقيض التام لها.

يقوم خطاب الرياضة على فن إدارة القوة وتنظيمها وإحكام السيطرة عليها، ووضعها في خدمة الدقة، وهي تتماثل في ذلك مع لغة السياسة ومنطقها. الحروب تندلع حين تموت السياسة، وتصبح القوة العارية، بما تمثله من فوضى وبربرية، سيدة المشهد.

الريـاضة هي روح السياسة إذن، والسياسـة بما تعنيه من تدبير وإدارة وتنظيم هي روح الرياضة. موت السياسة يعني استحالـة الرياضة، وتحول الرياضة إلى استعراض قوة عار يعني انتحار السياسة.

ما حدث في ملعب نادي الرياضي البيروتي في المنارة مؤخرا، والذي بدأ بإشكال بين لاعب الحكمة تيريل ستوغلين، ولاعب الرياضي علي محمود، ثم تطوّر ليصبح المكان مسرحا مكثفا لنموذج حرب أهلية مستمرة، يقول إن الرياضة مستحيلة في بلاد موت السياسة التي تُدعى لبنان.

ما انفجر في الملعب وفي ميادين وسائل التواصل الاجتماعي من حروب شرسة يعلن أن الحرب بكل ما تحمله من سمات لم تتوقف ولو للحظة واحدة، بل كانت تتموه فقط، وتغير في كل محطة ألوانها، ولكنها ما إن تظهر فرصة مناسبة حتى تعاود الظهور وتلقي بكل محمولاتها دفعة واحدة.

الحرب التي اندلعت بين جمهوريْن متحالفيْن في السياسة أعادت تركيب طابع الحرب الأهلية لجهة توصيف العدو. غسل المسلمون عن أيديهم الدماء التي أهرقها الصراع السني الشيعي الوحشي، وركنوا إلى لحظة وحدوية تحت عنوان العداء للمسيحيين، الذين باتوا في لحظة الوحدة الإسلامية العجائبية مجرد “صليبيين”. صمم الجمهور المسلم شعارا يأتي من زمن كنا نعتقد أننا تجاوزناه حيث هتف “شيعة وسنية بدنا…المسيحية”.

الرد المسيحي كان حربيا بالقدر نفسه، واستعمل الوصف الجاهز والأكثر شيوعا في لحظتنا هذه وهو وصف الدواعش.

بات البلد الصغير مسرحا لحروب صليبية – داعشية، إسلامية – مسيحية، شرقية – غربية. فيديو الإشكال الذي نال في ساعات قليلة عشرات الآلاف من الـ“لايكات” على وسائل التواصل الاجتماعي وحظي بنسب مشاهدة أسطورية، يقول إننا لا ننتظر من حاضرنا سوى إعادة إنتاج المجزرة، ولا نطلب من مستقبلنا سوى أن يكون نتيجة وخلاصة لما ستكتبه المجزرة من تاريخ وما سترسمه من خرائط. من النافل القول إن الحاضر ممتنع.

المضحك المبكي في كل هذا السياق أنه يظهر كم أن داعش تمثل بالنسبة إلى الجميع دون استثناء أصلا وفصلا، وبما أن لحظة الكارثة من شأنها الإبانة والكشف عن الأصول، فإن الجميع يجتهدون حاليا في هذه اللحظة في إظهار ما يثبت سلامة نسبهم الداعشي وصحته.

هكذا يصبح كل تواصل بين الفئات التي تشكل الاجتماع اللبناني السقيم نوعا من تمرين جاد وجدي يهدف إلى تحقيق حالة التماهي التام مع الأصل.

تعرّت الرموز هنا في بلاد العسل واللبن وها هي تعرض مفاتنها علانية. إن الصفعات واللكمات التي وجهها لاعب الحكمة تيريل ستوغلين إلى وجه لاعب الرياضي علي محمود هي لحظة سيطرة الصليبيين على القدس، ورد علي محمود إنما هو لحظة تحريرها.

الداعشية لم تتسلل إلينا من تاريخ كنّا قد غادرناه، ولكنها قادمة إلينا من مستقبل نزرع معالمه بكل ما أوتينا من ذبح. نحن، إذن، أبناء النهايات التي لا تنتهي.


كاتب لبناني

8