رياضة العدو.. نشاط صباحي ينشط الذاكرة ويساعد على حل المشكلات

جولة من المشي السريع أو ممارسة رياضة العدو في الصباح الباكر، تساعدان على الحفاظ على النشاط والتأهب لأداء أفضل للأعمال خلال بقية اليوم. هذا ما خلصت إليه دراسة حديثة، حيث يتم خلال هذا النشاط تحفيز جزء الدماغ المسؤول عن اتخاذ القرارات والتخطيط، كما تبيّن متخصصون أن هذه العادة الصباحية التي يمارسها العديد من الناس تعمل على تحسين الذاكرة والانتباه، إضافة إلى تنشيط وتقوية الحواس.
الأربعاء 2016/12/21
عادة تساعد على اتخاذ القرارات والتخطيط

من المتعارف عليه أن العزف على آلة موسيقية يعمل على تنشيط جزء الدماغ المسؤول عن اتخاذ القرارات والتخطيط، إلا أنها المرة الأولى التي يتطرق فيها العلماء إلى الارتباط الحاصل بين هذا الجزء ورياضة العدو. وتكونت عينة دراسة أشرف عليها باحثون في جامعة ولاية أريزونا الأميركية، من 11 عداء من الرجال الشباب الذين تراوحت أعمارهم بين 18 و25 عاماً، في حين استثنت الدراسة مشاركة النساء بسبب التأثير المحتمل للدورة الشهرية على أدائهن النفسي والجسدي.

استخدمت الاستبيانات والإحصاءات الرياضية، لقياس مستوى النشاط البدني للرجال المشاركين وتقدير لياقتهم البدنية في تمارين “الإيروبيك”؛ وهي عبارة عن تمارين متلاحقة تتم بصورة سريعة من حيث الأداء تعمل على تنشيط جميع عضلات الجسم بشكل خفيف ولكن بتسارع معين مما يجعل الجسم يحرق سعرات حرارية كثيرة في وقت قليل.

وترافق هذه الرياضة موسيقى سريعة وعادة ما تكون غير صاخبة تعمل على جعل الإنسان يشعر بأنه يرقص أو يؤدي حركات وفقا للموسيقى، وهذا محفّز مهم يعمل على إلهائه عن متابعة الوقت المستغرق في التمارين، وبذلك تتم زيادة فترات أداء هذه الحركات إضافة إلى المتعة الناتجة عنها، بحيث تعد فترة أداء التمارين عبارة عن فترة ترويح عن النفس وليست فترة إضافية من بذل الجهد. في حين استخدمت تقنية التصوير بواسطة الرنين المغناطيسي لقياس مستوى النشاط في أدمغة المشاركين، أثناء أداء هذه النشاطات الرياضية.

وأظهرت النتائج أن أدمغة العدائين كانت تؤشر على نشاط ملحوظ وزيادة في الأداء الذهني في مناطق محددة بالذات، وهي تلك المناطق المسؤولة عن الوظائف العليا في التفكير وتعزيز الاتصال بين أجزاء الدماغ المختلفة، وهذه الأخيرة مسؤولة في العادة عن تحسين الذاكرة والمقدرة على القيام بالمهام المتعددة. وترى الدكتورة جين إلكسندر، التي أشرفت على الدراسة التي نشرت نتائجها في دورية “آفاق العلوم العصبية”، أن رياضة العدو قد لا تكون نشاطاً بسيطاً مثلما يعتقد الكثيرون، فهي تتطلب القيام بمهارات معقدة منها القدرة على التخطيط والرصد والاستجابة للبيئة المحيطة، في الوقت نفسه الذي يتواصل فيه العداء مع أنظمة التشغيل الحركي لنشاطات الجسد.

رياضة العدو قد لا تكون نشاطاً بسيطاً مثلما يعتقد الكثيرون، فهي تتطلب القيام بمهارات معقدة منها القدرة على التخطيط والرصد والاستجابة للبيئة المحيطة

إلا أن الدراسة لم توضح ما إذا كان هذا الترابط بين رياضة العدو والنشاط الذهني، ينطبق على بقية أنواع الرياضات أم لا، مثل قيادة الدراجة الهوائية والسباحة مثلا اللتين لهما نقاط تشابه تجمعهما مع رياضة المشي والعدو والإيروبيك. من ناحية أخرى، حاول علماء النفس توظيف هذه الخاصية التي تربط بين رياضة العدو والمشي وبعض وظائف الدماغ، في علاج حالات نفسية معينة، وإحدى هذه الحالات تتمثل في الاضطراب النفسي ما بعد الصدمة؛ وهو الاضطراب الذي يتسبب في قلق شديد وتوتر نفسي يصاب به بعض الأفراد الذين يتعرضون لحوادث كبيرة سواء أكانت مرورية أم بسبب الحروب أو الكوارث، ويتمكنون من النجاة ولكنهم يحتفظون بآثارها النفسية التي ترافقهم على مدى مراحل حياتهم المقبلة.

ومثل بقية الاضطرابات النفسية التي يلجأ فيها المعالجون إلى استخدام الطرق التقليدية في العلاج، مثل الأدوية والعلاج الجماعي الذي يستخدم الحوار بين المعالج النفسي ومجموعة من المرضى الذين يشتركون في المعاناة من حالة مشابهة، فإن هذه الطرق لم تحقق تقدماً ملموساً في البعض من حالات اضطراب ما بعد الصدمة. وإضافة إلى كلفتها الباهظة وآثارها الجانبية غير المناسبة تكون في الغالب غير كافية لوحدها لتحقيق الشفاء التام، كما أنها تؤشر على غياب الاتصال بين وظائف الدماغ والجسد ولهذا -ولأن بعض الأفراد هم حالات خاصة بذاتها لا تخضع بالضرورة للمعالجات التقليدية- لجأ المعالجون إلى توظيف النشاطات الجسدية لما لها من تأثير إيجابي معروف في تعديل المزاج العام للأفراد.

والنشاط الجسدي كما هو معروف يتضمن العديد من الإيجابيات سواء على المستوى الجسدي أو المزاجي، ولكن لم ينل حظه كاملاً كبديل أو خيار مهم في العلاج النفسي إلا في بعض الإشارات البسيطة في الأبحاث النفسية، في حين أن ممارسة رياضة العدو تحديداً قد تلعب دورا أساسيّا في علاج بعض الصدمات النفسية ومنها اضطرابات ما بعد الصدمة؛ إذ أشارت بعض هذه الأبحاث إلى أن أهمية التمارين الرياضية لا تكمن في زيادة معدلات إفراز هرمونات مهمة -مثل السيروتونين والدوبامين- باعتبارها نواقل عصبية تلعب دوراً في المشاعر والأفكار الإيجابية، بل لأهميتها أيضاً في مكافحة آثار الإجهاد والقلق على دماغ الإنسان وما يتعلق منها تحديداً بمعالجة آثار الصدمات النفسية.

أثناء الركض تزداد ضربات القلب وقد يواجه الأفراد صعوبة في التنفس، وربما يواجهون أيضا شعورا بعدم الراحة في المعدة وتوتر في العضلات بصورة عامة، وهذه المشاعر أو الأعراض تتطابق كثيراً مع الأعراض التي تصيب الأشخاص الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة؛ فالركض يعلم الأفراد كيفية مواجهة مثل هذه الأحاسيس والتعبير عنها، أي تفريغ شحناتها بدلاً عن بقائها عالقة. كما تساعد هذه الرياضة على تطهير الذهن باعتبارها أيضاً وسيلة للتأمل والتفكر في ما قد ينتاب الإنسان من أمور تكدر حياته أو تغضبه، في محاولة لطردها عن طريق النشاط الجسدي حيث يستخدم الخيال والتأمل في طرد ما يعلق في الروح من شوائب ضارة وهو ما يشبه إلى حد ما عملية إذابة الجليد.

21