رياض الصالح الحسين شاعر سوري أصم أبكم بلاغته عابرة للأجيال

السبت 2015/01/31
رياض الصالح الحسين كان مدركا لجمال الحياة رغم حزنه

قاب قصيدتين، قاب موت وميلاد، قاب حياة أو أقل، كان، ثمانية وعشرون عاما، هي فقط فسحة الحياة التي أتيحت له، لم تعطه الدنيا قدرا وفيرا من وقت، ولم تعطه قدرا وفيرا من حظ، لكنها أعطته الكثير من الألم، والمرض، والإبداع أيضاً، عرّف نفسه في إحدى قصائده مختصرا كل التراجم، وعافيا كل من عرفه من تلخصيه:

“أنا رياض الصالح الحسين

عمري اثنتان وعشرون برتقالة قاحلة

وللمرة الألف يداي مبادتان كشجرتي فرح في صحراء”.


حياة بلا أصوات


في صبيحة العاشر من مارس في العام 1954 ولد رياض في قرية مارع في حلب لأب موظف بسيط، كان الذكر التاسع بين إخوته والثاني عشر في أسرته الريفية الكبيرة، الصبي الصغير المشاكس في الأسرة الكبيرة، عانى من مشاكل في كليته، كبر الصبي وكبر معه المرض، كليته الصغيرة لم تعد تحتمل جهد جسدٍ بلغ الثالثة عشر من عمره، ألحّت الكلية في طلب عمل جراحي، ولم تعلم بأنه سيكون النقمة، والنعمة معا، لشاب سيصبح مختلفا بعد الخروج من غرفة الإنعاش.

في مشفى المواساة بدمشق من عام النكسة الشهيرة 1967 فتح ظهره، أخرجت الكلية، حاول الطبيب إصلاحها ،لكن خطأ طبيا أودى بالكلية وبعصب السمع، ولا يعرف أحدٌ ،ولم يستطع أحدٌ التفسير، كيف تقرّب عصب السمع من كلية في جسد؟ قد يكون القدر.


العالم بلا أصوات


خرج الشاب اليافع من المشفى مختلفا عمّا دخله، هو الآن لا يسمع، منعزل عن الواقع، أغلقت المدرسة أبوابها في وجهه، من الصعوبة بمكان أن يستطيع أصمّ الدراسة بين طلاب يسمعون، هنا بدأت رحلة نضاله الجديدة، محتملا ألم المرض، وألم العزلة، مصرا على الاستمرار رغم كل شيء.

لملم ما تيسر له من كتب، بدأ رحلة الثقافة بعيدا عن العلم، ظهر ولعه بالكلمات فبدأ يكتب جملا ليست عادية، أدرك بفطرته أنها شعر، ومن هنا انطلق.

في الأسرة الكبيرة، ذات الدخل البسيط، توجه الشاب إلى العمل، فهو الوعل المنطلق في الحياة مسابقا الريح في الوصول، لم يكن يعنيه نوع العمل، المهم ألا يكون عالة على أحد، إلى أن وصل إلى الصحافة فبدأ معها مرحلة جديدة في حياته القصيرة.

ثقافته التي ساعدته في أن يكتب بعض المقالات الصحافية، هي التي مهدت له الطريق ليكتشف قدرته على اللعب بالكلمات، وامتلاك ناصية النص، وقدرته على التعبير عن نفسه وعن أفكاره بسلاسة وبساطة رغم تعقيد أفكاره، فاختيار كلماته بعناية وخبرة نادرتين، بالنسبة إلى شاب في مقتبل العمر لا يملك من العلم إلا ما علّمه لنفسه، وما تعب في جنيه مما تيسر له من كتب.

كتب بعض القصص القصيرة، ثم كتب قصة أو اثنتين للأطفال، وسرعان ما عاد إلى فطرته الأولى، الشعر، وهو الذي يعتبر نفسه أنه ولد ليكون شاعرا وليس أي شيء آخر.

قبل أن يكمل الخامسة والعشرين من عمره، أصدر مجموعته الشعرية الأولى “خراب الدورة الدموية”عن مطبوعات وزارة الثقافة في سوريا في العام 1979، وكان مبدعا في اختيار عناوينه، كيف جعل من الدورة الدموية عنوانا طافحاً بالشعرية؟ قريبة من روح نص بثه كل ما عانى داخله من صراعات، حملته الدنيا وزر مواجهتها قسرا، والانصهار بها والخوض في غمارها:

الشاعر الشاب الذي لم يعش طويلا كانت قصيدته قادرة على قراءة المستقبل والاشتياق إلى الحرية التي حرمه منها المرض والطغيان


“كئيباً ومنفتحا كالبحر، أقف لأحدثكم عن البحر

مستاءً وحزيناً من الدنيا، أقف لأحدثكم عن الدنيا

متماسكاً وصلبا ًومستمرا كالنهر، أقف لأحدثكم عن النهر

وعندما يصبح للنافذة عينان تريان يأسي

وللجدران أصابع تتحسس أضلاعي

وللأبواب ألسنة تتكلم عني

وعندما يصبح للماء طعم الماء

وللهواء نكهة الهواء

وللحبر الأسود هذا رائحة الحبر

وعندما تهيئ المطابع الأناشيد للقراء بدلاً من الحبوب المنومة

تهيئ الحقول القمح بدلاً من الأفيون

وتهيئ المصانع القمصان بدلاً من القنابل

….. سأحدثكم بحب، بحب، بحب

بعد أن أشعل سيجارة”.


هكذا كان يترجم أفكاره، مآسيه، وجعه، حزنه وفرحه، بتعابير واضحة سلسة مليئة بتناقض الحياة، الحياة التي أحبها وشعر دائما بظلمها.

من تناقضاته، ويأسه أحيانا، وشعوره الطاغي بالظلم كان يعتبر الحب شهادة ميلاد جديدة، فأبدع في قصائد الحب، والاقتراب من روح الحبيبة، ومع ذلك يبقى اليأس متعلقا بكلماته مهما بلغ من حالة توق:


“حبيبتي الممتلئة بالأعياد

شهية كرغيف الخبز

طيبة كبرتقالة

أما أنا…

فلا أملك إلا هذه الكلمات

وبعض الذكريات التعيسة

المحفورة بضراوة على ميناء جسدي”.


في العام 1980 صدرت مجموعته الشعرية الثانية “أساطير يومية”، أتبعها بمجموعته الثالثة “بسيط كالماء، واضح كطلقة مسدس3، وانكبّ بعدها على ديوان جديد، ديوان أخير، كتراث وداعي، ولعلّه كان يعلم أنها النهاية، لذلك اختار عنوانه بعناية “وعل في الغابة”، كأنه قصد نفسه في هذا العنوان، فهو الوعل المنطلق في فسحة أحلامه، وفي غابات خيالاته، غابات الحياة، هكذا كان يرى العالم حوله، غابة بكل معناها وهو الوعل الوحيد المتسامح الأعزل، هو الذي باغتته غابته بوحوش المرض، ووحش الألم ووحش العزلة، التي حاربها بكلماته وإبداعه وأصدقائه.


استقراء للمستقبل


ما يلفت اليوم في شعر رياض الصالح الحسين هو استقراؤه لمستقبل تعيشه بلاده سوريا الآن،عاصر بشعره نهاية السبعينات وبداية ثمانينات القرن الماضي، في فترة لم تشهد فيها سوريا حراكاً سياسياً حقيقيا، إلا أن حالة الحريات المكتومة الممسوكة في بلاد أغلقت على نفسها كأي ديكتاتورية وليدة، جعلت روحه تتوق لحرية مشتهاة لشاعر شاب يستشعر القادم شعرا، ويخطه بقصائده غير موارب:


“الحرية… الحرية… الحرية

هي ما أطلب”

وفي قصيدة أخرى:

“نحن الذين نذهب إلى الحروب والمصانع والمراعي

ونبتكر ما له علاقة بنا

الرصاص والخبز

السجون والحرية

الألعاب والقيود والمبيدات الحشرية”.


هكذا كعادته بمزج المتناقضات بالتعبير عن نفسه، بالتعبير عن محيطه كان فكرا حرا، واعياً رغم صغر سنّه وقصر تجربته، جديرا بأن يكون من رواد الشعر ومن أهم شعرائه حتى اليوم، وموضوع الحرية والحب والمفاهيم الإنسانية الكبيرة التي كتب عنها رياض الصالح الحسين لم تكن مقحمة في نصّه، بل كانت أصيلة أصالة حاجته الشخصية لها.

في العام 1980 صدرت مجموعة رياض الصالح الحسين الشعرية "أساطير يومية"، أتبعها بكتابه "بسيط كالماء، واضح كطلقة مسدس"


الموت الحاضر


تميز شعر الحسين منذ بداياته بالسوداوية، بالحزن المرافق لكل كلمة خطها، كان الموت في قصائده، موجودا شاعريا، محبا، لم يتطرق للموت على أنه الفجيعة الكبرى، أو المصيبة المحققة، تعامل مع نصوص الموت كحالة حياتية اعتيادية، كأنها روتين يومي يعنيه شخصيا، فحمّل قصائده معاني الموت، والوداع والرثاء، كأنه استشعار لموت قريب وحياة لن تطول، فحضر الموت في أكثر من قصيدة واضحا جليا مثل “العاشق يحفر قبره بأظافره” و”الولد في فناء قبره يدور بدراجة من عظام” وكذلك “الكاتب يكتب منذ أن مات” و”الفتاة الميتة تحلم في القبر بثوب أزرق وبزيارة خالتها” و”الفنان في القبر يجمع السلاميات ليصنع منها خواتم وأقراطا” و”الرجل الميت يتنزه في القمر المنتحر بخنجر الذكرى”.

في ديوانه الأخير وعل في الغابة والذي نشر بعد وفاته كان يخاطب الموتى ويصفهم بالجمال في تنبؤ واضح، أو استعداد فطري لموته الشخصي:


“الموتى الذين ماتوا في الحروب والأوبئة

في السجون والطرقات

الموتى الذين ماتوا

بالخنجر والرصاص والديناميت

الموتى الجميلون

ذوو الأسنان البالية

والوجوه الناتئة

تذكروا وهم في قبورهم

ضوء القمر وخضرة المراعي

تذكروا

كم قبلة أضاعوا

كم ضوءاً أغمضوا عيونهم كيلا يروه

الموتى عرفوا

ربما للمرة الأخيرة

كم هي لذيذة حياة الأحياء”.


رياض الصالح الحسين كان مدركا لجمال الحياة رغم حزنه، حاول أن يعيش حياة مختلفة، حياة جميلة، يرويها للأحفاد وللأصدقاء على مقاهي الغرباء، في عمر يروي فيه الشاعر عن حياته وخيباته وانتصاراته.

لكن كليته، تلك الكلية الخائنة ذاتها، لم تعطه مهلة أخرى، في مرض أخير، دخول أخير لمشفى شهد أول خطأ أودى بسمعه، هـذه الـمرة أودى بحـياته.

مات وحيدا في غرفة باردة، ترك جسده ورحل عصر يوم العشرين من نوفمبر من العام 1982 وكان قد أكمل الثامنة والعشرين وبضعة أشهر، وكأنّ الأعداد استكثرت أن تعطيه أكثر.

دفن رياض الصالح الحسين في قريته، مسقط رأسه مارع في حلب صبيحة الحادي والعشرين من نوفمبر 1982 تاركا خلفه ثلاثة دواوين للشعر مطبوعة، وكتاباً كان قد أنجزه قبل أيام من دخوله المشفى، “وعل في الغابة” هو آخر ما كتبه، وطبع في العام التالي لوفاته، ليرحل الشاعر الشاب جسدا وليبقى حتى اليوم من أهم شعراء سوريا والمنطقة الحداثيين وليكون حاضرا أبدا بكلمته، فالجيل الذي عاش معه وبعده تأثر به وبمناخاته دون أن يجادل أحدٌ في هذا، منذر مصري، نزيه أبو عفش، بندر عبدالحميد، عادل محمود، وفيق خنسة، إبراهيم الجرادي، مرام مصري، دعد حداد وآخرون ترك رياض بصماته على أوراقهم.

اليوم وفي ظل ما حدث في سوريا يتردّد كلام القصيدة الأخيرة من ديوانه الأخير وكأنه كان ينتظر الثورة كل صباح صامت عاشه:


“أعددتُ لكِ فنجان القهوة

فنجان قهوة ساخنة

القهوة بردتْ

وما جئتِ

وضعت وردة في كأس ماء

وردة حمراء حمراء

الوردة ذبلت

ما أتيتِ

كل يوم أفتح النافذة

فأرى الأوراق تتساقط

والمطر ينهمر

والطيور تئن

ولا أراك

لقد اعتدت

أن أعد القهوة كل صباح لاثنين

أن أضع وردة حمراء في كأس ماء

أن أفتح النوافذ للريح والمطر والشمس

لقد اعتدت

أن أنتظرك أيتها الثورة”.

14