رياض محرز قصة محارب هاو جاء من بعيد فنال شرف العالمية

نحت اللاعب الجزائري رياض محرز قصة خيالية برفقة فريقه ليستر سيتي الإنكليزي ستبقى راسخة في العقول والأذهان، توّجها بإعلانه ملكا على عرش الدوري الإنكليزي بعد حصوله على لقب أفضل لاعب للعام 2016 لأول مرة في تاريخ اللاعبين العرب والأفارقة عموما.
الأحد 2016/05/01
ملك على عرش الدوري الإنكليزي

كثيرا ما تسقط الأقنعة وتنكشف طلاسم الأشياء بعد عملية بسيطة سهلة وليست معقدة كما يعتقد الكثيرون، شرطها الأساسي العمل والمثابرة ومضاعفة الجهد. ربّما يخيل للبعض أن الحديث هنا ذو نزعة سياسة أو شيء من هذا القبيل ولكن هو حكي بلغة كرة القدم، نعم كرة القدم، اللعبة التي طالما أنصفت أجيالا لا بل عمالقة ووضعتهم على درب العالمية ونقلتهم من حالة البزوغ إلى مناشدة النجومية وهم كثيرون.

علمتنا هذه الرياضة الجميلة طوال سنين مضت أن نتابع النجوم، نرسمهم في مخيلاتنا، نستمتع بعروضهم ونغوص في دروبهم، سواء من أوروبا وأفريقيا أو من المغاربة والعرب عموما، على غرار رابح ماجر وطارق ذياب وبادو الزاكي وكثيرين غيرهم.

وكرة القدم هي أيضا تتويج وحصد للألقاب ومعانقة للعالمية، وهذا ما نال شرفه الجزائري رياض محرز الذي أعلنت الرابطة الإنكليزية عن فوزه بجائزة أفضل لاعب في الدوري الإنكليزي للمرة الأولى في تاريخ اللاعبين العرب والأفارقة على حدّ السواء. فهذا المحارب الجزائري تحدّى كل الظروف والعقبات واشتغل مع فريقه ليستر في صمت، لتكون النهاية مشرفة له وللجزائريين وللعرب عموما.

مسيرة هاو

انطلقت مسيرة محرز في صفوف الفئات العمرية لنادي سارسيل الفرنسي قبل أن ينضم إلى نادي كويمبر الهاوي عام 2009. وانتقل في العام التالي إلى لوهافر ولعب في البداية مع الفريق الرديف ضمن الدرجة الثانية قبل أن تتم ترقيته إلى الفريق الأول وبعدها التوجه إلى ليستر سيتي في فترة الانتقالات الشتوية وتحديدا في يناير 2014.

تعرض محرز لصدمة قوية وهو في الـ15 من عمره، حيث توفي والده بسبب مضاعفات صحية بعد عملية جراحية على القلب، وقد صرّح محرز عن هذا الأمر في حديث لصحيفة الغارديان قائلا “لا أعلم ماذا حدث لي فعلا بعد وفاة والدي، ولكنّي شعرت بأن الأمور أصبحت جدية وبأن الحياة قصيرة ويجب أن أتقدم وأعمل بجهد حتى أصل إلى حلمي”.

النجم الجزائري سجل 17 هدفا هذا الموسم وصنع 11 هدفا آخر لينتزع الجائزة من منافسيه جيمي فاردي زميله في ليستر سيتي، وهاري كين هداف الدوري ومهاجم توتنهام هوتسبير

فبعد وفاة والده انتقل رياض إلى نادي كويمبر الذي يقبع في الدرجة الرابعة الفرنسية عام 2009 بتوصية من محمد كوليبالي مدربه في فترة الشباب، والذي قال إن “محرز لديه شخصية اللاعبين الكبار وهذا أهمّ من أيّ مهارة يحتاجها اللاعب”.

تألّق محرز في كويمبر أدى إلى انتقاله لنادي لوهافر العريق ولكنه لم يُشارك مع الفريق الأول وظل مع الفريق الثاني حتى العام 2013 وخلال هذه الفترة سجل 24 هدفا في 60 مباراة وهو ما لفت أنظار ناديي مارسيليا وموناكو اللذين كانا يتابعانه خلال هذه الفترة وحرصا على التعاقد معه، لكنه أصر على اللعب لصالح ناد يستطيع اللعب خلاله أساسيا ولمدة أطول.

وفي بداية موسم 2013-2014 تم تصعيد محرز إلى الفريق الأول بنادي لوهافر وقدم مستوى مميزا مع الفريق الأول بتسجيله 6 أهداف في “الليغ 2”. ومع تألقه اللافت لنظر الأندية الأوروبية رحل عن فرنسا في يناير 2014 لينضم إلى نادي ليستر سيتي الإنكليزي الصاعد حديثا إلى البريميرليغ في خطوة انتقدها البعض بسبب تفضيله الرحيل عن فرنسا في ظل تواجد عروض من أندية فرنسية أكبر من ليستر مثل مارسيليا وموناكو وليل إلى جانب انتقاد بعض الإعلاميين لإعلانه الرغبة في اللعب لصالح الوطن الأم الجزائر حينها.

جولة من التشكيك

قبل قدوم محرز إلى إنكلترا تعرض للتشكيك حتى من أفراد عائلته وأصدقائه حول مدى قدرته على التأقلم مع القوة البدنية في إنكلترا. لكن نجاح محرز في الردّ على المشككين لم يكن الأول في مسيرته التي انطلقت مشاقها منذ الصغر.

فمحرز ولد في فرنسا لأب جزائري وأمّ من أصول جزائرية ومغربية وكان شابا موهوبا في كرة القدم، لكن تجاهله كثيرون من كشافي الأندية الأوروبية الكبرى بسبب نحافته.
وانضم محرز كما سبق ذكره إلى لوهافر في شبابه باعتباره من الاختيارات الجيدة لإظهار المواهب كما حدث مع بول بوغبا لاعب وسط يوفنتوس وديميتري باييه لاعب وست هام يونايتد، الذي قال محرز مؤخرا لصحيفة ديلي إكسبريس، ردا على سؤال حول التقليل من قدرته على التألق في أيامه الأولى “لم أستمع إليهم أبدا”.
أول لاعب أفريقي يتوج بجائزة أفضل لاعب

وأضاف “كنت أملك ثقة في إمكانياتي ولذلك كنت دائما أشعر بالإيجابية. دائما ما كنت أملك هذه الموهبة، فهي موجودة لديّ منذ مولدي، ولذلك عملت فقط على تطويرها وسارت الأمور بشكل رائع”. وتابع “ربما كانت لديّ بعض الشكوك لكنها لم تستغرق أكثر من ثانية واحدة. لكن هذا ساعدني في بعض الأحيان وفي بداية الموسم عندما كان الكثيرون يقولون إن ليستر سيهبط وأنه كان محظوظا في العام الماضي بالبقاء في المسابقة”.

وواصل محرز قائلا “وما منحني المزيد من القوة والدوافع أيضا، هو قولهم إنه بطيء جدا، صغير جدا ونحيف جدا لكي يصبح لاعب كرة قدم محترفا”، فهذا كان رأي المشككين والنقاد في محرز، لكن كل ذلك لم يمنع المحارب الجزائري من أن يتوّج أفضل لاعب في الدوري الإنكليزي الممتاز في الحفل السنوي الذي أقامته رابطة اللاعبين المحترفين في إنكلترا، الاثنين الماضي. وبات محرز صانع ألعاب ليستر سيتي أول لاعب عربي وأفريقي ينال هذا الشرف وثاني لاعب غير أوروبي بعد الأوروغوياني لويس سواريز يتوج بهذه الجائزة.

ويعتبر محرز (24 عاما) أحد اللاعبين البارزين الذين ساهموا في جعل ليستر سيتي متصدرا للترتيب ومفاجأة الموسم. ونشأ محرز في ضواحي باريس الشمالية ويكشف أن المقربين منه نصحوه بعدم التوجه إلى الدوري الإنكليزي بل الانتقال إلى الدوري الأسباني، ويقول “الجميع كان يقول لي إن الدوري الإنكليزي لا يناسبك، فهو يعتمد على اللعب البدني كثيرا، الأفضل لك الانتقال إلى الدوري الأسباني”.

ولكن محرز لم يستمع إلى نصائح هؤلاء ورفض عروضا من باريس سان جرمان ومرسيليا لينتقل إلى ليستر سيتي المتواضع والذي كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط إلى الدرجة الأولى في نهاية الموسم الماضي.

وكان النقاد يعتبرون أنه نحيف الجسم ولا يستطيع الصمود في مواجهة المدافعين الإنكليز من ذوي البنية الجسدية الهائلة، لكن محرز لم يتأثر بهذا الأمر مطلقا لأنه لم يدع الفرصة أمام المدافعين للاقتراب منه نظرا لبراعته في المراوغة.

وسجل محرز 17 هدفا هذا الموسم آخرها هدف الافتتاح لفريقه في مرمى سوانسي سيتي الأحد 24- أبريل 2016 وانتهت المباراة لصلح ليستر سيتي (4-0). كما كان صاحب 11 تمريرة حاسمة، وبات أيضا أول لاعب في صفوف ليستر سيتي يسجل ثلاثية (فعلها ضد سوانسي سيتي في مطلع ديسمبر الماضي) منذ أن فعل ذلك ستان كوليمور عام 2000. كما أصبح أول لاعب جزائري يسجل ثلاثية في الدوري الإنكليزي الممتاز.
نجوم تحدثوا عن رياض محرز
*تيري هنري لاعب أرسنال السابق: "هناك أسماء أخرى في خط الهجوم ستكون مفيدة مستقبلا مثل رياض محرز".

*محمد روراوة رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم: "الجهود الثابتة للمحاربين تتجسد في واحد من أكبر الدوريات في العالم".

*حارس ليستر سيتي غاسبر شمايكل: "لاعب مثير جدا يجعل الجمهور يقف في كل مرة يقوم فيها بحركة فنية رائعة".

*مدرب الفريق كلاوديو رانييري: "رياض هو الضوء الذي يغير لون ليستر عندما يعمل وهذه هي الحقيقة".

*عدلان قديورة متوسط ميدان واتفورد الإنكليزي: "تستحق هذا التتويج وشرفت الشعب الجزائري".

*مدحي لحسن لاعب خيتافي الأسباني: “هنيئا لك أخي وإن شاء الله التتويج بالبطولة”.

*أحمد حسام "ميدو": "محرز فخر كل العرب".

*أبوتريكة: "مبروك للجزائر ولكل العرب".

فرحة التتويج

أعرب النجم الجزائري رياض محرز جناح فريق ليستر سيتي عن سعادته الكبيرة لحصوله على جائزة أفضل لاعب في الدوري الإنكليزي هذا الموسم. وقال محرز عقب تسلم الجائزة، في فيديو نشره على حسابه الرسمي على تويتر “فخور للغاية بتحقيق هذا الإنجاز، لا أجد ما يمكن أن أصف به سعادتي الكبيرة، ولكن المؤكد أنه لولا زملائي في ليستر سيتي، لما وصلت إلى هذه المكانة”.

وبسؤاله عن شعوره لكونه أول لاعب أفريقي يحرز الجائزة، رد اللاعب الدولي “معقول؟.. لا أعرف هذه المعلومة”، وتساءل “ألم يفز بها دروغبا أو يايا توريه؟”. وختم النجم الجزائري “بالطبع سعيد لكوني أول لاعب أفريقي يتوج بالجائزة، ولكني أول لاعب ولست أفضل من النجوم السابقين الذين ذكرتهم سواء يايا توريه أو دروغبا”.

يذكر أن النجم الجزائري سجّل 17 هدفا هذا الموسم وصنع 11 هدفا آخر لينتزع الجائزة من منافسيه جيمي فاردي زميله في ليستر سيتي، وهاري كين هداف الدوري ومهاجم توتنهام هوتسبير. وبكل تأكيد فإن مشوار هذا اللاعب الجزائري الطموح سيمثل رمزا ومثالا يحتذى بالنسبة إلى الكثيرين وخاصة للاعبين العرب.

ونال محرز الجائزة متفوقا على كل من فاردي الذي سجل 22 هدفا، وكين مهاجم توتنهام هوتسبير وهداف البريميرليغ هذا الموسم برصيد 24 هدفا قبل 3 جولات من نهاية المسابقة.

وأشاد به زميله في ليستر حارس المرمى غاسبر شمايكل بقوله “إنه لاعب مثير جدا يجعل الجمهور يقف في كل مرة يقوم فيها بحركة فنية رائعة. إنه لاعب مهاري يجيد المراوغة وخلق الفرص بالإضافة إلى قدرته على التسجيل. إنه لاعب يحلم كل فريق بالحصول على خدماته”.

وكان لسان حال مدربه الإيطالي المحنك كلاوديو رانييري مماثلا بقوله “هذا الموسم يعتبر محرز بالنسبة إلينا لاعبا ساحرا. لقد أصبح مرجعا للفريق وعندما يتعلق الأمر بخلق الفرص نقوم فقط بتمرير الكرة إليه وهو يقوم بالباقي”.

يذكر أن النجم البلجيكي إيدين هازارد صانع ألعاب تشيلسي كان قد فاز بهذه الجائزة العام الماضي، كما فاز ديلي آلي مهاجم توتنهام هوتسبير بجائزة أفضل لاعب شاب هذا الموسم. وأصبح محرز أول لاعب عربي وأفريقي ينال شرف الحصول على هذه الجائزة، حيث سبقه إليها نجوم كبار هم إيان راش (ليفربول) عام 1984، غاري لينيكر (إيفرتون) 1986، آلان شيرر (نيوكاسل) 1997، تييري هنري (أرسنال) 2003، كريستيانو رونالدو (مانشستر يونايتد) 2007، واين روني (مانشستر يونايتد) 2010، روبن فان بيرسي (أرسنال) عام 2012، غاريث بيل (توتنهام) 2013، ولويس سواريز (ليفربول) عام 2014.

كاتب من تونس

22