رياض محرز هاتريكانو العرب في البريميرليغ

الأحد 2016/01/24
رياض محرز موهبة جزائرية تخطف أبصار عشاق الكرة الإنكليزية

ميونيخ - ليس ما يميز نجمنا الذي ستفرد له "العرب" سطورها اليوم، تألقه وتميزه في الدوري الإنكليزي الأقوى في العالم "البريميرليغ"، الذي يخشى في خوض تجربته كبار نجوم كرة القدم وحسب، رغم أن ذلك بحد ذاته يدعو إلى أن يحظى بأهمية كبيرة تتجاوز السطور المحددة لنا في هذه الصفحة، بل لأنه كان عصامياً تغلب على أقصى الظروف وخرج من أحياء فرنسا الفقيرة ليفرض نفسه نجماً في سماء دوري الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. نقصد هنا بالطبع “رياض محرز” الدولي الجزائري المحترف في ليستر سيتي وأفضل لاعب مغاربي لعام 2015.

في حي سارسال الفرنسي شمال العاصمة باريس ولد النجم الجزائري رياض محرز في الحادي عشر من شهر فبراير عام 1991. ليكرّس الفكرة التي تقول إن المواهب الكروية التي تصنع في الأحياء الشعبية الفقيرة والشوارع الضيقة، لن تكون أقل شأناً من تلك التي تصنع في أكاديميات كرة القدم ذات الأبنية الفارهة والملاعب العشبية عالية الجودة.

معاناة محرز في الحي الذي يعتبر من أخطر الأحياء وأكثرها جرائم، جعلته يصمم على استغلال موهبته الكروية ليخرج عائلته من ذلك الحي الفقير، وكان والده أحمد محرز يطمح بأن يكمل ولده الثاني “رياض” حلمه الذي لم يستطع تحقيقه يوماً بأن يصبح لاعباً مشهوراً بعد أن بقي يراوح في مكانه بين أندية الهواة.

تبنى الوالد موهبة ابنه وألحقه بأحد أندية الهواة الفرنسية في الحي، حيث كان على رياض أن يقنع الجميع بأنه ليس هاوياً وأنه يملك من الإمكانيات ما يجعله محترفاً، فقط كان عليه الصعود بالقطار المتوجه إلى المحترفين والانتقال من المحطة التي أجبره واقع عائلته الفقيرة على الوقوف فيها بين الهواة.

عام 2006 توفي أحمد محرز بعد معاناة مع أمراض قلبية، وكانت الصدمة الكبيرة لرياض برحيل من كان يتبنى أحلامه الكبيرة. تحدث عن تلك الصدمة قائلاً “كان والدي دائما ورائي وقال إنه يريد مني أن أكون لاعب كرة قدم جيدا.

لقد كان دائماً معي يغمرني بنصائحه وهو الذي لعب من قبل لفرق صغيرة في الجزائر وفرنسا لذا فهو يعرف ما كان يقوله، وكنت أنا أستمع إليه وأثق بكلامه”. كانت إذن صدمة الإنعاش وهكذا يمكن وصفها، الصدمة التي جعلت من رياض يفكر بأن يحمل أحلامه وحيداً في بيئة فقيرة لا تصلح لأن يخرج فيها نجم كروي، كالرهان على زرع الياسمين في أرض صحراوية.
معاناة محرز في حي سارسال الفرنسي الذي يعتبر من أخطر الأحياء وأكثرها جرائم، تجعله يصمم على استغلال موهبته ليخرج عائلته من ذلك الحي الفقير، مكرسا الفكرة التي تقول إن المواهب التي تصنع في الأحياء الشعبية ليست أقل شأناً من تلك التي تصنع في أكاديميات الكرة

جسد نحيل

جسده النحيل لم يحمل دليلاً على أن محرز يمكن أن يحمل تلك الأحلام الكبيرة لكن الإصرار يجعل من المستحيل ممكناً، يتذكر محرز جيداً طفولته الصعبة “لم نكن أغنياء لكننا لم نكن فقراء، لقد كانت والدتي المغربية الأصل تحرص على تحضير الطعام لنا بعد عودتها من العمل، كانوا يقولون لي دوماً إنني نحيل جداً وسأصبح فريسة سهلة أمام لاعبي الخصم إلا أنني كنت أجيد اللعب فنياً لأتفوق على ضعفي البدني، ولم أكن سريعاً إلا أنني كنت أعمل وأتمرن بجهد كبير لأمتلك تلك المهارات الإضافية “، هذا ما أكده أيضاً محمد كوليبالي مدربه في سارسال “لقد كان نحيلاً جداً إلا أنه امتلك شخصية مميزة في أرض الملعب، عمل بجد ليجمع ما بين المهارة والشجاعة وقوة الشخصية”.

عام 2009 انتقل محرز لنادي كيمبر أحد أندية الدرجة الرابعة في فرنسا. وأخذ بنصيحة أحد مدربيه التي تقول “عندما تكون نحيلاً وضعيفاً لن تقوى على الالتحامات مع لاعبي الخصم، كل ما عليك فعله أن تكون ذكياً في تحركاتك داخل أرض الملعب”.

بعد أشهر قليلة من التحاقه بنادي لوهافر قادماً من كيمبر لفت أنظار كشافة أندية باريس سان جيرمان ومارسيليا. إلا أنه فضل الانتقال إلى لوهافر في الدرجة الثانية والصعود درجة درجة نحو القمة. كما أن لوهافر كان جيداً في تأهيل اللاعبين، لقد سجل 24 هدفاً في 60 مباراةً خاضها مع الفريق الثاني، وفعلاً تمكن محرز من الصعود إلى الفريق الأول في فترة وجيزة، وسجل ستة أهداف معه في دوري الدرجة الثانية.

انتقل محرز في يناير 2014، إلى نادي ليستر سيتي الإنكليزي بصفقة يمكن وصفها بالرمزية بلغت حوالي 450 ألف جنيه إسترليني، ربما كانت من أضعف الصفقات، ولم تكن قيمة الصفقة فقط الشيء الوحيد المثير للاستغراب بل انتقاله إلى الدوري الإنكليزي المعروف بالمجهود البدني العالي للاعبيه وأنديته كان الأكثر غرابةً، رغم تحذيرات المقربين من عواقب الانتقال وتلقيه عدة عروض من أبرز الأندية الفرنسية إلا أنه قرر خوض التجربة مع متصدر الدرجة الثانية في الدوري الإنكليزي، وأكمل رياض نصف الموسم الأول له مع ليستر سيتي بنجاح مسجلاً أربعة أهداف وصنع العديد من الفرص، ليتأقلم مع أبناء المدرب نايغل بيرسون الذي يعتبره محرز كوالده الذي رعى موهبته يوماً.

محرز المولود في فرنسا لأب جزائري وأم مغربية الأصل كان أمام عدة خيارات. بيد أنه فضّل الانضمام إلى محاربي الصحراء لأن قلبه عشق الجزائر منذ طفولته حين كان يقضي عطلته الصيفية فيها برفقة والده. ذكرياته الجميلة جعلت قلبه يميل للأخضر، هكذا علل انضمامه لمحاربي الصحراء قبيل نهائيات كأس العالم 2014 والتي قدم فيها المنتخب الجزائري مستويات مميزة وخرج أمام حامل اللقب المنتخب الألماني في الدور الثاني.

موسم 2016-2015 يعد البداية الحقيقة لمحرز الذي بات اسمه لا يفارق عناوين الصحف ولا يكف المعلقون عن ذكر اسمه وحتى هذه اللحظة يسجل في رصيد محرز 13 هدفا ليفصله عن متصدر قائمة الهدافين جيمي فاردي هدفان فقط

كان على محرز الانضمام إلى المنتخب الأولمبي الجزائري قبل ذلك، إلا أن إدارة لوهافر أخفت الدعوة الموجهة من قبل الاتحاد الجزائري لكرة القدم.

الهاتريك الأول

موسم 2015-2016 كانت البداية الحقيقة لمحرز الذي بات اسمه لا يفارق عناوين الصحف ولا يكف المعلقون عن ذكر اسمه “محرز يسجل”، “محرز يراوغ”، “محرز يصنع الفارق”، “محرز يقود ليستر إلى صدارة البريميرليغ”. وحتى كتابة هذه السطور يسجل في رصيد محرز 13 هدفاً ويفصله عن متصدر قائمة الهدافين، زميله في الفريق جيمي فاردي، هدفان فقط.

لن ينسى فاردي فضل محرز بتمريراته الحاسمة التي صنعت له العديد من الأهداف. لكن الأهم أن ليستر يقاسم المدفعجية “أرسنال” صدارة البريميرليغ بـ44 نقطة. سجل محرز اسمه بهاتريك في مرمى سوانزي سيتي ضمن مباريات الجولة 15 كأول لاعب عربي جزائري يسجل هاتريك في البريميرليغ وثاني لاعب في تاريخ ناديه ليستر سيتي خلف ستان كوليمور عام 2000.

وصف محرز لحظات سعادته بتلك الثلاثية التاريخية “إنه يوم مثالي، لقد فزنا وتصدرنا وسجلت ثلاثية، إنها الثلاثية الأولى لي في مسيرتي أيضاً وبالتالي أنا سعيد جدا لفريقي”.

أفضل لاعب مغاربي

يمتلك محرز من المهارة والسرعة ما يكفي ليتجاوز أكثر المدافعين صلابةً. يمرر الكرة بدقة وغالباً ما تكون تمريراته حاسمة تنتهي بتسجيل هدف. يمكن الاعتماد عليه في الهجمات المرتدة. يجيد اللعب كجناح بامتياز، فكثيراً ما تشاهده يخترق الخاصرة اليمنى، ثم يرسل كرة عرضية أو يسدد في أقصى الزاوية البعيدة للمرمى.

يدين محرز بالعرفان للمدرب الإيطالي كلاوديو رانيري الذي أعطاه الفرصة الكاملة ومنحه الثقة ليتألق، بالمقابل يدين رانيري لمحرز بانضباطه وأخلاقه العالية خارج المستطيل الأخضر وهو ما جعله بعلاقة جيدة مع الجماهير وكذلك مع زملائه في الفريق وانعكس على أرض الميدان بالانسجام مع الهداف الأول زميله فاردي متصدر قائمة الهدافين .

حصد هذا الموسم ثلاثة جوائز من قبل شركة الألعاب الإلكترونية إيا سبورتس “اللاعب الأكثر فاعلية، واللاعب المفضل للجماهير وأكثر من ارتفعت قيمته”، التي يتنافس عليها أكثر من 3 ملايين مستخدم في العالم. وتصدر استطلاع موقع الإذاعة الجزائرية لقائمة الشخصيات الجزائرية الأكثر إعجاباً و تأثيراً على الجزائريين لعام 2015.

نادي ليستر سيتي الإنكليزي يضم محرز إلى لاعبيه بصفقة يمكن وصفها بالرمزية بلغت حوالي 450 ألف جنيه إسترليني، ربما كانت من أضعف الصفقات، ولم تكن قيمتها فقط هي الأمر غير المألوف. بل انتقال اللاعب النحيل إلى الدوري الإنكليزي المعروف بالمجهود البدني العالي للاعبيه كان الأكثر غرابة

كل ما سبق كان ممهداً لينال جائزة مجلة فرانس فوتبول الفرنسية كأفضل لاعب مغاربي لعام 2015 بعد أن حصد نسبة 67 بالمئة من الأصوات متقدماً على المغربي مهدي بن عطية نجم البافاري، ومواطنه الجزائري ياسين إبراهيمي.

صرّح محرز للمجلة الفرنسية عقب نيله الجائزة “بالطبع شعور رائع، أنا فخور بهذه الجائزة لقد تفوقت على نجوم كبار مثل ياسين إبراهيمي ومهدي بن عطية”.

وضعت تلك الجائزة محرز أمام مسؤوليات جديدة للحفاظ على القمة وهو ما أدركه ووعد به الجماهير بأن يتابع مسيرته في تطوير مستواه، ويرى محرز أن استقراره العائلي وقدوم مولودته الجديدة قدما له حافزاً كبيراً في أرض الميدان ومنحاه روحاً معنوية كانت سبباً في تألقه، ويعد جماهير ليستر بالبقاء معهم حتى نهاية الموسم رغم تلقيه العديد من العروض الكبيرة في موسم الانتقالات الشتوية. إلا أن رانيري يعلم جيداً أن الاحتفاظ بمحرز الموسم المقبل ضرب من الخيال، أمام أموال الملياردير الروسي إبراموفيتش والذي وضعه على قائمة أولويات تشيلسي الموسم المقبل. وربما يحلق بعيداً عن البريميرليغ نحو ملوك العاصمة مدريد المهتمة هي الأخرى بالتعاقد معه.

ميسي وأوزيل ومحرز

يشعر محرز بالسعادة كلما تابع صحيفة أو موقعاً إلكترونياً يقارن بينه وبين ميسي الذي يتابعه باستمرار ويتعلم منه الكثير. صحيفة ليكيب الفرنسية أجرت مقارنة رقمية تفوّق فيها النجم الجزائري على نجم أرسنال الألماني مسعود أوزيل، الذي سجل، حتى اللحظة، ثلاثة أهداف، وصنع 16 هدفاً، وساهم بتألقه في قيادة الأرسنال إلى الصدارة بفارق الأهداف عن ليستر الوصيف، وشارك معه في 1549 دقيقة. بالمقابل شارك محرز مع ناديه في 1464 دقيقة وسجل 13 هدفاوصنع سبعة أهداف أي أنه ساهم بتسجيل 20 هدفاً.

يميل محرز إلى الالتزام بالتقاليد العربية الجزائرية، فإقامة الشعائر الدينية الإسلامية تعتبر من ضمن أولوياته، يحب برشلونة ويحلم باللعب معه يوماً، يرى في ميسي اللاعب الأفضل في تاريخ كرة القدم.

10