رياض معسعس: مهما ابتعد الكاتب سيظل يحن إلى بيته الأول

بين ناظم حكمت الذي يقول "أنا لا أملك ما أعطيه لشعبي المسكين سوى تفاحة هي قلبي" ونزار قباني الذي يصرخ "شعري أنا قلبي ويظلمني /من لا يرى قلبي/على الورق" تلوح الكتابة عملية قلب مفتوح على الوطن والصدق والمثل والحرية والجرح والظلم والمجهول.. ومن هذا المدخل نستطيع أن نلج إلى عالم الكاتب السوري رياض معسعس الذي التقته “العرب” في هذا الحوار.
الأربعاء 2017/11/29
الروائي هو مزيج من الذاتي والواقعي

في كل كاتب ينام طفل بريء يستمد منه المبدع قوته في لحظات اليأس، ويدفعه دائما إلى الحلم، لكن رياض معسعس يرى أن هذه الصفات لا تتوافق مع واقعه، يقول "أنا كأي إنسان أحمل أضدادي من البراءة وضدها، والصدق وضده.. والحياة هي عبارة عن تجربة شخصية تختلف من شخص إلى آخر، عندما هاجرت من سوريا لم أكن أعلم أني سأكون ذاك الرجل الذي يحمل عصا الترحال ويجوب في مشارق الأرض ومغاربها، إلى أن وصلت إلى حالة "الإرهاق السفري" ربما للتقدم في السن أيضا، كل أحلامي اليوم هي أن تنقلب الأمور في البلاد العربية بشكل عام وسوريا بشكل خاص".

الكتابة والمكان

يقول خورخي لويس بورخيس “نحن لا نسكن إلا الأماكن التي نغادرها”، تحضر هذه القولة بعمق في رواية معسعس “حمام زنوبيا” بجزأيها من خلال الاشتغال على مسبار الذاكرة واستحضار الأحداث البعيدة في المدن والقرى السورية واللبنانية والعربية، عن علاقته الخاصة بالمكان فنيا وإبداعيا يقول ضيفنا “لقد عشت بطبيعة عملي في لبنان، مصر، والمغرب، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، والسودان، وبريطانيا، وإيران، وبالطبع في سوريا وتونس لأسباب عائلية، وزرت عددا كبيرا من الدول حول العالم، واليوم بعد نصف قرن تقريبا من هجرتي الأولى من قريتي ما زلت أحن إليها. لا يمكن لأي إنسان أن ينسى بيته الأول الذي كون شخصيته وأحاسيسه ومشاعره وربما حبه الأول كما يقول شاعرنا الكبير أبوتمام ‘كم منزل يألفه في الأرض الفتى وحنينه أبدا لأول منزل‘”.

يقول معسعس “السفر هو التعرف على الآخر وعلى الفكر المختلف وعلى ثقافات الشعوب، التي تشكل إثراء لا نظير له بحد ذاتها، فالاطلاع على أدب الآخرين وقراءة أعمال أدبائهم لا يمكن تعويضه بأي شيء آخر ولا يوجد أديب واحد لم يتأثر بأدباء آخرين منذ القراءات الأولى، وشخصيا تأثرت كثيرا بأدباء فرنسيين رغم ثقافتي الإنكليزية، كسارتر، وكامو في بداية حياتي، ثم اكتشفت آخرين كفاليري وإلوار وبودلير وبلزاك وهوغو ورامبو وآخرين وبالطبع عندما تدخل عالم الأدب كأنك تدخل إلى معبد كما يقول فلوبير”.

ويتابع “في هذا المعبد ليس أمامك سوى التبحر في هذا العالم الكبير والمتشعب الذي اسمه الأدب. فإذا قرأت تولستوي ودوستويفسكي وغوغول وغوركي وتشيخوف ينقصك أن تقرأ مورافيا وإيكو أو تشارلز ديكنز وشكسبير وإليوت وإذا قرأت سيرفانتس ينقصك أن تقرأ لوركا وساراماغو ويوسا، وماركيز وآخرين من أدباء العالم، في اليابان والصين وأفريقيا وبالطبع أيضا الأدباء العرب من محفوظ والسباعي وإدريس إلى مينه والعجيلي وقباني والسمان ودرويش والقاسم والمسعدي والطيب صالح وإميل حبيبي وحقي وياسين وخضرا والعشرات من الأدباء والشعراء المبدعين في هذه الأمة التي أنجبت أكبر عدد من الشعراء في العالم”.

السفر بالنسبة إلى الكاتب تعرف على الآخر وعلى الفكر المختلف وعلى ثقافات الشعوب، التي تشكل إثراء لا نظير له

ويرى الكاتب أنه رغم تأخر فن الرواية عربيا، والتي بدأت في أواخر العشرينات من القرن الماضي، فإن فن الرواية اليوم قد تطور كثيرا وإنتاجه بات غزيرا جدا وبرز كتاب جدد يستحقون القراءة خاصة هؤلاء المتلصقين بهموم شعوبهم.

ومن جهة أخرى يشدد معسعس على أن النص المبدع يتطلب اجتماع عدة عوامل: اللغة المتينة، الأسلوب الخاص بالكاتب، الموضوع الصادق، الاطلاع الواسع على آداب الآخرين، وهذا لا يمكن أن يتحقق، في رأيه، دون الخوض في الأمكنة، والغوص في التاريخ، والتدقيق في التفاصيل، ومعرفة الأمكنة ليكون الوصف صادقا.

يستشهد هنا برواية “الخبز الحافي” للكاتب المغربي محمد شكري، التي عندما قرأها في باريس تعرف على مدينة طنجة التي جرت فيها أحداث الرواية، وعندما سكن في طنجة بدوره راح معسعس يبحث عن الأماكن التي وصفها في المرفأ القديم وفي مقهى الحافة والشوارع القديمة، فعاش الرواية مرة أخرى ووجد في نصها الأمانة الأدبية وليس تخيلات وهلوسات كما يفغل البعض.

تغريبة الإنسان العربي

حمام زنوبيا

تطرق الكاتب السوري للحديث حول روايته “حمام زنوبيا” بجزأيها إذ يقول “في الجزء الأول من الرواية سردت قصة ذاك الشاب المتعلم الذي عانى كما يعاني معظم المتعلمين في العالم العربي من البطالة ما اضطره إلى الذهاب للصحراء يعمل هناك في مد خط كهربائي كعامل بسيط والذي شاء القدر أن يدخل في قصة حب مع شامة البدوية التي بقي يبحث عنها حتى نهاية عمره ثم شاءت الأقدار أن تجمعه بشابة فرنسية باحثة أثرية وينتهي به الأمر في السجون وخاصة سجن تدمر الذي يهرب منه بفضل صديقه منقذ. الجزء الثاني أردت أن أعالج فيه التشرد العربي عبر البطل نفسه في بحثه عن شامة هذا البطل مالك يعبر الحدود المصطنعة بين العراق وسوريا ثم لبنان ويصل حتى إلى تونس ويعبر إلى الجزائر والمغرب ثم يدخل خلسة إلى أوروبا ككل الهاربين الذين يقطعون البحار للوصول إلى أوروبا هربا من الظلم أو الفقر أو طلبا للعمل والعلم.

يرى رياض معسعس أن “العمل الروائي هو مزيج من الذات والواقع الذي تتحدث عنه. يدخل في العمل الروائي عواطف الكاتب وذكرياته وآماله ومعاناة من يكتب عنهم كل ذلك في قالب سردي، لا يتبع بالضرورة البناء القصصي في الحبكة التي باتت كالتفعيلة الشعرية غير متبعة من كل الكتاب، وعليه فإن الكاتب اليوم يدع الحرية لقلمه ضمن هيكل القصة التي يعرف من أين تبدأ وأين وكيف تنتهي. ففي الجزء الأول من روايتي شعرت بأنها لم تكتمل لأن هناك الكثير من الأشياء التي كنت أود أن أقولها وأبحث فيها، فكتبت الجزء الثاني الذي تمم الرواية بشكل يجعل منها رواية كاملة متكاملة”.

يضيف “لقد وظفت كل ما أستطيع ليس من آلامي فقط في هذه الرواية بل آلام شعب بأكمله وآلام شعوب أخرى عانت وتعاني ما عانى ويعاني السوريون عبر شخصيات أخرى في الرواية كالمنصف التونسي، أو سليمان الجزائري، مفتاح الليبي،.. وسواهم فآلامي لا تختلف عن آلام العرب الآخرين الذين يعيشون الظروف ذاتها ويقاسون الأمرين من أنظمتهم، ويحاولون الوقوف في وجه الظلم والحرمان والتهميش”.

حاولت رواية حمام زنوبيا بجزأيها الأول والثاني التأريخ لقصة البطل الإشكالي المأساوي مالك حصيرة ورفاقه، وكأننا أمام محاولة إبداعية لاختصار تغريبة الإنسان العربي والتأريخ لملحمته بمختلف أبعادها، ويؤكد معسعس أن روايته بجزأيها تحكي مأساة السوري تحت نظام جائر والعربي في كل بلد من البلدان العربية ذات أنظمة القمع والدكتاتورية، فالسجون في بغداد تشبه السجون في دمشق، والقاهرة وتونس وبنغازي… فسجن أبوغريب كسجن تدمر أو صيدنايا، وسجن الرومي في تونس أو سجن تزمامارت في المغرب كلها سجون لمعتقلي الرأي والسياسيين المعارضين، هذه الرواية اختتمتها بالجزء الثاني، والآن أعمل على رواية تاريخية تخص سوريا الكبرى بشكل عام ومصر.

15