رياض نعسان آغا: هل نحمل المفكرين والمثقفين مسؤولية الاستبداد

الأربعاء 2013/12/18
نعسان آغا: الفكر متوفر ولكنه لا يملك سلطة القرار

لم تفضح ثورات الربيع العربي ولم تعرّ فساد النظم العربية وتخلفها فقط، وإنما فضحت وعرّت أيضا سطوة خطابات وموروثات متشدّدة ومتطرفة، أدّت إلى عزلة الرؤى والأفكار وحجمت تطورها وتجديدها، فكان أن أصيبت البنية الفكرية والثقافية والمعرفية لمختلف النخب بالضمور، والنتيجة تدهور حاد في الفكر العربي المنوط به تجديد الخطابات وفرز الموروثات وتشكيل الحاضر والمستقبل.. حول أزمة جمود الفكر العربي في ظل الراهن الحالي وعلاقاته بما جرى ويجري في المشهد العربي، كان هذا الحوار ضمن سلسلة من الحوارات أجريناها مع مفكرين ومبدعين ذوي اتجاهات ثقافية مختلفة.

نفى المفكر السوري رياض نعسان آغا أن يكون الفكر العربي في حالة جمود أو تغيب مؤكدا أنه ربما تعرض للاعتقال والاضطهاد، وللإبعاد بفعل أنظمة لا تقرأ ولا تعرف قيمة ودور المفكر والمثقف، ورأى أن تحميل المفكرين والمثقفين مسؤولية الاستبداد أمر صعب، مشيرا إلى أن القمع كان وحشيا، وأن يكون المرء مثقفا أو مفكرا لايعني أنه قادر على مواجهة قوى الأمن أو مستعد لقضاء عمره في زنزانة، ولفت إلى أن الفكر العربي الآن بالغ الحيوية وعلى الصعيد الفلسفي هو أرقى مما يكتب كثير من فلاسفة الغرب الذين غرقوا في أفكار صراع الحضارات والثقافات، وأوضح في حواره معنا الكثير من الرؤى والمواقف التي تطارد المفكر والفكر العربيين.

إهمال المثقف


قال رياض نعسان آغا "لا أرى جمودا تاما في الفكر، وإنما أرى الجمود في حركة العلم والبحث العلمي، أما الفكر فهو متوفر ولكنه خارج الإطار لأنه لا يملك سلطة القرار، ومن سوء حظ الأمة أن عددا كبيرا من حكامها لا يحملون فكرا ولا يقدرون المفكرين، وإنما تسيطر عليهم أفكار مضطربة تتمحور حول السلطة وليس حول مستقبل الأمة، لقد قابلت بعضهم شخصيا وفجعت بهشاشتهم الفكرية وبضعف ثقافتهم، وهم لا يقدرون رجال الثقافة والفكر أكثر من التقدير الشكلي الإعلامي، قلة منهم يقرؤون، وبعضهم مصابون بجنون العظمة، ويكرهون المفكرين ويسخرون مما يكتبون، ويصدقون أنفسهم بأنهم صناع تاريخ وهم في الحقيقة صناع تخلف وتأخر، وأما رجال الفكر فلم يتوقفوا عن الكتابة وعن تحذير الأمة من نتائج الاستبداد ومن تأخر العلم، وببساطة أقول إن الخطر الفكري جاء من إهمال السلطات لرجال الفكر، ذاك أن السلطات كانت تستشير رجال الأمن في الشؤون العامة، ورجال الأمن هم الذين يشرفون على مراكز الأبحاث الفكرية والثقافية فيقربون من يواليهم ويبعدون من يمتلك الجرأة على التغريد خارج السرب. وعلى الصعيد النظري لم تغب حركة الفكر، ولكنه تعرض للاعتقال والاضطهاد، وللإبعاد".

وتساءل آغا عن توصيف كلمة "فكر" ورأى أنها بحاجة إلى التوضيح "الفكر اليساري نشط كثيرا في بعض البلدان لكنه لم يجد سوقا اجتماعية ترحب به إلا قليلا، والفكر الليبرالي لم يحسن تقديم نفسه خارج إطار التغريب، والفكر القومي انتكس بتجارب البعث الفاشلة وبتجربة الناصرية التي انتهت بنكسة يونيو 1967، والفكر الديني سيطرت عليه اتجاهات حزبية أو مذهبية، وهذا لايمنع وجود إضاءات كثيرة وسط هذه التجارب كلها، وأعتقد أن أهم حركة فكرية نجحت نظريا هي حركة تجديد العقل العربي في المشرق والمغرب معا، وقد فرضت المتغيرات الكبرى في أواسط الثمانينات على المفكرين العرب أسئلة كثيرة كان من أهمها موضوع الحداثة والديمقراطية وإشكاليات علاقة الدين بالسلطة والمجتمع، وأعتقد أن الاستجابة الفكرية كانت رفيعة المستوى، والأمثلة كثيرة".

الحكومات والفكر


نفى نعسان آغا جمود الفكر العربي الذي امتد إلى العقل العربي، حيث أكد أن العقل العربي "حيوي ونشيط، وهناك تراكم فكري ممتاز من ساطع الحصري إلى زكي الأرسوزي إلى المودودي إلى ابن نبي إلى عبد الوهاب المسيري مرورا بالجابري والعروي والطرابيشي وأبي زيد ومرقص والتيزيني وسواهم كثير لا يحصى عددهم من المفكرين الكبار الذين اشتغلوا على العقل العربي، وأطلقوا الأسئلة الكبرى وأجابوا عنها كل بطريقته وحسب مذهبه واتجاهاته، أما عن وجود حركة نقل فهذا أمر مرتبط بتوجهات سياسية وإعلامية لنشر مذاهب، وترى أن الحركات المذهبية تتحرك بدوافع سياسية محضة، لكن ذلك لم يمنع فكر الوسطية والاعتدال من الحضور بقوة، لأنه فكر سمح، ولكن التوجهات السياسية الراهنة تؤثر على الأحكام والتوجهات".

الفكر اليساري لم يجد سوقا اجتماعية ترحب به إلا قليلا، والفكر الليبرالي لم يحسن تقديم نفسه، والفكر القومي انتكس منذ 1967، والفكر الديني سيطرت عليه اتجاهات حزبية أو مذهبية

وعن سؤالنا لماذا الفكر العربي هش؟ وهل هشاشته ترجع إلى كونه لم يقدم رؤية مستقبلية تسهم في تحرره ومن ثم تحرير العقل المجتمعي أم هي بسبب ضربات الأنظمة وحلفائها من جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي أم إنها هشاشة داخلية نتيجة انقسامه بين الاتجاه للغرب والاتجاه للتراث؟ اعترض رياض نعسان آغا على القول بهشاشة الفكر العربي مؤكدا أن هذا غير صحيح بالمرة، ورأى أن الفكر العربي بالغ الحيوية وقال: "على الصعيد الفلسفي هو أرقى مما يكتب كثير من فلاسفة الغرب الذين غرقوا في أفكار صراع الحضارات والثقافات، وظنوا أن التاريخ انتهى ثم اكتشفوا أنهم خاطئون وتوجههم دوائر الاستخبارات، هذا ما حدث لفوكو ياما ـ تراجع عن خواء نظريته في كتابه نهاية التاريخ ـ كما أن نعوم تشومسكي وإدوار سعيد -مثل العديد من أمثالهما العقلاء- كشفا زيف كثير من كتابات مفكري الغرب نفسه وفضحا الخواء الفكري، أما المفكرون العرب فنجد بينهم مستغربين مثل أركون وأدونيس، ونجد مفكرين متنوعي الرؤى مثل حسن حنفي ومحمد عمارة ومحمد سليم العوا وغليون وفهمي هويدي وعزمي بشارة وهاشم صالح وآخرين، وثمة جيل جديد من المفكرين المتنورين مثل عمار علي حسن، والمشكلة مع التوجهات السلطوية التي لا يعنيها الفكر ولا تفكر فيه".

وأضاف "أعتقد أن هذا الفكر قد بات حيا بعد الحراك الشعبي الكبير، وبعضه اختطف لصالح السياسات، لكن العقل العربي قادر على تحديد مصالح الأمة حين ينتهي العبث والجنون الراهن. والقادرون كثر ولكن المرحلة مضطربة وحين يعلو صوت الرصاص والمتفجرات يضيع صوت الحكمة".


بلطجة ثقافة


وحول الدور السلبي الذي لعبه المثقف المؤمن بالتحديث والتطوير، حسب بعض المؤرخين المعاصرين، عندما صمت على الفساد والديكتاتورية وأحيانا تحالف مع السلطة القمعية بذريعة حماية علمانية الدولة، أكد نعسان آغا: من سنن الحياة أن ترى اختلاف الناس في مواقفهم، هناك مثقفون مؤمنون برسالة التحديث وبذلوا الكثير لتطوير أمتهم ودفعوا ثمن مواقفهم، وهناك من يملكون المعرفة ولكنهم لايملكون الجرأة".

وأوضح نعسان آغا أن قضية العلمانية هي من الإشكاليات الكبيرة في ثقافتنا، حيث لا يوجد اتفاق على تفسيرها، ومن ساندوا السلطات لم ينطلقوا من حماية العلمانية بالضرورة بل ربما من حرصهم على حماية أنفسهم، ولم تكن الأنظمة العربية علمانية حقيقة، بمعنى أنها توفر حماية للدين واستقلالية له عن السلطة، بل كانت تستخدمه بما يلبي ستر أو تبرير ما تريد تبريره، وفي النهاية يصعب أن نحمّل المفكرين والمثقفين مسؤولية الاستبداد فقد كان القمع وحشيا، وأن يكون المرء مثقفا أو مفكرا لايعني أنه قادر على مواجهة قوى الأمن أو مستعد لقضاء عمره في زنزانة، ومع ذلك فعل كثيرون ذلك وواجهوا الظلم وتعرضوا لفواجع كثيرة، لكن الحكماء على مرّ الزمان كانوا يفضلون القول بالحسنى، وقد اخترعوا الأقاصيص والحكايات والتورية والاستعارة كي يعبروا عن دواخلهم دون التعرض للأذى.

وقليل من المفكرين هم الذين برروا الظلم ودوافعهم في ذلك مذهبية أو طائفية على الغالب، وحين تنتصر العصبية والهوى على صوت العقل والحكمة يفقد المرء كونه مثقفا أو مفكرا وقد يصير بلطجيَّ ثقافة كما يحدث الآن لدى من يدافعون عن البلطجة بذرائع واهية.

15