رياض نعمة رسام ينعم على الواقع بخياله

نعمة رسام ينتمي إلى عصر كان فيه الرسامون الحقيقيون يصنعون قدر الرسم كونه خلاصة لطرق الرؤية، فهو لا يمارس لعبته خارج الأصول التي تفرضها الحرفة.
الأحد 2018/03/18
الباحث عن خسائره من خلال الرسم

في مرسمه بدمشق التقيته أول مرة. حدث ذلك عام 2011. لم تكن لوحاته تمت إلى المكان الذي يحيط بنا بصلة، بالرغم من أنها تعالج فكرة المكان أو بالأحرى صلة الإنسان بالمكان. لقد اخترع رياض نعمة المكان الذي يمكنه من أن يضفي عليه طابعا رمزيا، وهو ما يناسب أسلوبه الذي يعتبره واقعيا.

واقعيته تلك فارقت الواقع المباشر منذ زمن بعيد. فهو لا يرسم الأشياء كما يراها وإن كان يحب أن يوهمنا بذلك. شيء من خياله يهبنا حرية اختراق المكان بأجنحة الزمن. وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تشظي المكان الذي لا يعده الرسام بالإبقاء على صلابته الحسية.

لأول وهلة يبهر المرء وهو يرى رسومه بمهاراته الفنية الفذة. هذا رسام ينتمي إلى عصر كان فيه الرسامون الحقيقيون يصنعون قدر الرسم، كونه خلاصة لطرق الرؤية. فهو لا يمارس لعبته خارج الأصول التي تفرضها الحرفة والتقنيات والمواد. إنه ابن المهنة التي اختارها وسيلة للكشف عن اختلافه الذي هو سر وجوده.

مفهومه الكوني عن المكان يسر عليه سبل غربته وهو الهائم بين الملاذات التي صارت تلهمه أحلامه وهي وطنه. يغرقنا الرسام بمياه أحلامه التي تبدو كما لو أنها تصدر عن نبع نعرفه.

 نعمة مسافر على المستويين الشخصي والفني. فهو لا ينتمي إلى مكان بعينه. أما أسلوبه الفني فإنه لا يفصح عن هويته وبالأخص ما يتعلق بصلته  بتجربة الرسم الحديث في العراق، فهو ليس ابن تلك التجربة إلا إذا اعتبرنا محاولته الفنية حدثا مختلفا يُضاف إلى ما سبقه.

ما لا يتوافق مع شخصيته المتمردة والمحتجة أن يتم إلصاقه عنوة بعائلة لم يكن راغبا في الانتماء إليها. يفكر المرء حين يرى لوحاته في شوارع العالم كلها من غير أن يكون مضطرا إلى حصر اهتمامه بشوارع مدينة منكوبة، لم يتخلص الرسام من كوابيسها. لقد سكنته بغداد.

في ذلك المجال فعل نعمة ما لم يفعله رسام عراقي من أبناء عصره. لقد أضفى على العذاب العراقي طابعا كونيا. رسومه كانت التعبير الأكثر تأثيرا على المستوى الجمالي عن المأساة العراقية.

خسائر وأرباح بصرية

Thumbnail

واقعيته النقدية كانت مزيجا من السياسة والفن. معادلة لم يعتن كثيرا بعناصرها ذلك لأن كثيرا من الجمال يمكن أن يركن قليلا من السياسة جانبا. كان الإنسان هو محور اهتمامه. لذلك كانت رسومه إنسانية بعمق وهو ما أضفى عليها جمالا مضافا.

ولد رياض نعمة عام 1968. درس الفن في بغداد التي غادرها إلى دمشق عام 1997. هناك أقام معرضه الشخصي الأول عام 2000. أربع مدن شكلت زوايا المربع الذي صارت حياته تنسج تفاصيلها داخله. بغداد، عمان، دمشق، بيروت. لكل واحدة من المدن الأربع حصتها من ذاكرته التي هي خزانة إلهامه. وإذا ما كان نعمة قد أقام معارض في ثلاث منها فإنه حُرم من إقامة معرض في بغداد، المدينة التي يحملها معه أينما مضى. هي جرحه ووصيته والبرج المهدوم الذي يتطلع من خلال ثقوب أبوابه إلى عالم لم يعشه.

لم تكن معالم المدن التي رسمها لتكتمل من غير ظهور ذلك الطفل الذي اتخذ طابعا رمزيا بالرغم من أن الرسام كان يود الإشهار عن وجوده، باعتباره بطلا للحكاية. وهي حكاية ظلت ناقصة. ذلك لأن فصولا منها لم تقع إلا بطريقة خيالية. لقد اشتبك الواقع والوهم في مخيلة رجل، صارت طفولته تبتعد عنه من غير أن يتمكن من احتواء أسرار تعاستها وسعادتها مجتمعتين.

كان ظهور ذلك الطفل الذي هو الرسام نفسه ضروريا من أجل أن تكون اللوحات أشبه بالتدوين البصري. يوميات بصرية يحضر الوصف من خلالها كما لو أنه غاية في حد ذاته، غير أن ذلك ليس صحيحا تماما. فالرسام لن يتمكن أن يكون واقعيا بسبب المساحة التي تحتلها ذاكرته في خياله، وهي ذاكرة مضطربة، لا يمكن فصل ما هو واقعي منها عما هو متخيل.

هل يسعى نعمة إلى اختراع الواقع من خلال الوصف الذي يبدو كما لو أنه عملية انتحال، يحل الرسام من خلالها محل شاهد لم ير الوقائع التي يصفها إلا من خلال الحلم؟

يعيش رياض نعمة، وهو الغريب دائما، حياته بعمق وشغف لكي يصدقها وهو في ذلك إنما يسعى إلى الإبقاء على صلته بالحياة باعتبارها ممرا للرسم. لذلك فإنه اعتاد أن يعوض خسارة مدينة بربح مدينة أخرى. أليس الرسم في النهاية هو مزيج من الخسائر والأرباح البصرية؟

المسافر بدراجة متخيلة

Thumbnail

في معرضه الشخصي “قاعة رفيا عام 2011” كانت الدراجة الهوائية هي الأكثر حضورا ووضوحا من بين المفردات التي استعارها من الواقع. وهي استعارة تجمع بين رغبة الطفل في نزهة بريئة وحيرة المسافر الذي لم ينه استعداداته للقبول بتيهه. تلك الدراجة هي الرمز المنقذ الوحيد الذي حمله رياض نعمة من طفولته وصار يستند إلى خيال راكبها الذي يحرمه شغبه الروحي من النظر إلى حاضره باعتباره قدرا لا مناص من الاعتراف به عنوانا لحياة ممكنة.

ما تقوله رسوم نعمة إن “الحياة التي دمرتها الحروب في مكان ما من هذا العالم لا تزال ممكنة، لا في أماكن أخرى فحسب بل وأيضا في ذلك المكان الذي يمكن استرجاع جمالياته عن طريق التفكير في أحلامه”.

وبهذا ينجح الرسام في مقاومة منفاه عن طريق الرسم. إنه يلجأ إلى الحياة المجاورة لكي يعيد بناء حياة حُرم من أن يعيشها. وهو ما يجعلنا نتفهم ميل الفنان إلى الأسلوب التسجيلي الذي حاول من خلاله أن ينظر إلى الواقع باعتباره قناعا يخفي الكثير من الأسئلة الموجعة.

ليس في إمكان رياض نعمة أن يخفي وجعه بالرغم من قوته التي تعينه على الإخلاص إلى رغبته في أن يكون حرا ومستقلا في انتمائه إلى الفن.

 نعمة فنان معاصر بكل ما تنطوي عليه تلك الصفة من معان. وهو ما يصنع مسافة بينه وبين واقع الفن في العالم العربي. الفنان الذي ينعي ذاكرته في كل لحظة رسم هو ابن زمن فالت لا يثق بمعايير جمالية صارمة وثابتة. في تجربة هذا الفنان هناك دائما ما هو آني، منقلب على ذاته، خصم بنيته ومندفع في دروب لا تزال مجهولة بالنسبة للعديد من الفنانين العرب.

يضعنا نعمة أمام معادلات مفقودة في الرسم المتاح عربيا. ما تصفه رسومه يجرد المكان من زمانه. سواء كان ذلك المكان جحيما أم جنة. إنه المكان الآخر الذي تنمو على حافاته أعشاب الشعر. هذا رسام لا يمل من تدوين يوميات إنسان اختفى في الوقت الذي كان فيه على أهبة الامتزاج بالحياة. يرسم نعمة بيد شبحه. ذلك الكائن الذي لا يلتفت لكي يتذكر. ذكرياته تقيم حيث تكون حياته ممكنة.

لا شيء من الحنين في رسوم نعمة. الماضي بالنسبة لهذا الرسام هو الإرث الذي ينبغي القيام بتفكيكه واستعمال عناصره بطريقة مختلفة. لذلك لا تقف رسومه تلك بين الرثاء والمديح. تسجيل الواقعة بطريقة موضوعية هو جزء مما يحاول الرسام القيام به غير أنه ليس الهدف.

عالم رياض نعمة يفيض بمرئيات عابرة، يمكن اكتشاف أثرها من خلال الرسم.

9