رياك مشار مقاتل يبحث عن كرسي الرئاسة في جنوب السودان

السبت 2016/07/16
رياك مشار رفيق نضال سماه سلفاكير "رسول الخراب"

بروكسل- على إيقاع الرصاص المُنطلق من جبهات متعددة في جنوب السودان، خرَج نائب رئيس البلاد رياك مشار إلى أطراف العاصمة جوبا مع الكتائب العسكرية المؤيدة له، جاء هذا الخروج عقب أسبوع من الأيام الدامية التي اجتاحت مدن الدولة الوليدة التي كانت تتهيَّأ للاحتفال بذكرى انفصالها عن السودان الأم في التاسع من يوليو.

القصة ليست ملحمة سينمائية، إنها واقع يعيشه الجنوب الغنيّ بالموارد الطبيعية، الفقير بالإرادة السياسية للبناء والتعمير، فاليد التي تضغط على زناد السلاح هناك، أسرع من إنتاج فكرة عقلية تؤدي إلى السلام، وبين هاتين الثنائيّتين تنقسم البلاد بين الرئيس سلفاكير ونائبه المُقال منذ عامين والعائد إلى كنف السلطة منذ أيام.

منذ إعلان الانفصال تحت عنوان “حق تقرير المصير” كعادة الكانتونات التي تُبنى على انتماءات عرقية أو طائفية، كان لزاماً على الجنوب أن يدخل في دهاليز رغبات السياسيين وطموحات السلطة التي لا تنتهي، هكذا بدا المشهد واضحاً بعد الأشهر الأولى من الاعتراف بجوبا كعاصمة للدولة الجديدة.

هكذا ودون أسباب مُعلنة واضحة، سوى ما قيل عن إحباط محاولة انقلابية على سلفاكير، احتدم الصراع في الجيش المبني أساساً على عقليات تُفكِّر بمنطق الميليشيا، فالتبعية عندها للقائد قبل الوطن، القتال الذي انطلق في العام 2013 واستمر حتى الـ17 من أغسطس من العام 2015، أوقع الآلاف من القتلى والجرحى بين عناصر الجيش الشعبي المنقسم، فضلاً عن الملايين من المدنيين الذين فروا من منازلهم إلى دول الجوار.

مشار في السلطة

اتفاقية أديس أبابا التي نصت على تقاسم السلطة وإنهاء القتال، وفرضت على كل الأطراف الالتزام بالاتجاه نحو المرحلة الانتقالية، توقيعها دفع إلى دائرة السلطة من جديد “رياك مشار” الذي تمت إقالته في وقت سابق من منصبه كنائب للرئيس سلفاكير.

لكن هذه الاتفاقية وُلدَت مُشوَّهةً على وقع تحفظ الحكومة والمعارضة على بنودها. فالأطراف التي تؤكد دوماً أنها تبحث عن السلام اتجهت إلى الصدام العسكري، والعاصمة التي نص الاتفاق على كونها منزوعة السلاح خاضعة لسلطة الجيش الموحَّد، صارت ساحة للمواجهات منذ الأيام الأولى للشهر الجاري، فالجيش الشعبي المبني أساساً على عقلية الميليشيا ما يزال القادة فيه يتصرفون بمنطق أمراء الحرب بعيداً عن هرم الحياة العسكرية المعروف، وهذا ما أدّى إلى عدم الانضباط بين الجنود وعدم انصياعهم لأوامر الرئيس ونائبه في التوقف نهائياً عن المواجهة العسكرية.

الصراع على السلطة في جنوب السودان يفرض تنفيذا حذِرا لاتفاق أديس أبابا بعد جولات من المواجهات الدامية. وكانت تلك الاتفاقية قد نصت على تقاسم السلطة وإنهاء القتال، وفرضت على كل الأطراف الالتزام بالاتجاه نحو المرحلة الانتقالية

الإخوة الأعداء

التاريخ يعيد نفسه في جنوب السودان، فالصراع الذي احتدم سنوات طويلة بين جون قرنق وسلفاكير عاد بصورة جديدة تقارب الأولى بين سلفاكير ومُشار، لكنه هذه المرة جاء بصورة أكثر دموية مستنداً إلى الأرضية العشائرية ليتطور كحرب وجود بين قبيلة الدينكا التي ينتمي لها الرئيس الحالي سلفاكير وبين قبيلة النوير التي ينحدر منها مشار.

في التسلسل الدرامي للأحداث الأخيرة، هناك مشاهد تبدأ من مركز السلطة الذي يمثله سلفاكير حيث حاول نزع مراكز القوة والسلطة من عناصر ينتمون إلى قبيلة النوير. جاء ذلك قبل الإعلان عن إفشال محاولة انقلابية يقودها نائب الرئيس حينئذ رياك مشار الذي نفى مراراً ذلك، ذلك النفي جاء مصحوباً بتعزيزات عسكرية قادت البلاد إلى حرب أهلية استمرت لعامين، وتم إيقافها بوساطات دولية ليعود رياك مشار بعد توقيع اتفاقية السلام إلى منصبه كنائب للرئيس في أبريل الماضي.

ثلاثة أشهر فقط قضاها مشار في منصبه بعد العودة الحذرة، لتنطلق المواجهات من جديد في ظل تبادل الاتهامات بين كل الأطراف ببدء القتال. تفاقم الوضع دفع بكثير من الأطراف للتدخل سياسياً، حيث تم فرض حظر على توريد السلاح إلى جنوب السودان فضلاً عن التلويح بعقوبات اقتصادية، هذه الحزمة من الإجراءات إضافة إلى تدهور الوضع الأمني وشعور الرئيس ونائبه بفقدان السيطرة على البلاد وعلى القوى العسكرية، دفعهما إلى تبادل التصريحات البعيدة عن التشنُّج، القريبة من الدعوة إلى الهدوء وضبط النفس وإيقاف القتال.

إعلان الانفصال تحت عنوان “حق تقرير المصير” أدخل الجنوب في دهاليز رغبات السياسيين وتناقض النفوذ، ليبدو المشهد واضحا منذ الأشهر الأولى

في هذه الصورة القاتمة للمستقبل أخذ رياك مشار قراره بالخروج إلى تخوم العاصمة بحسب المتحدث الرسمي باسمه. حيث دعا إلى إعادة تشكيل الجيش الشعبي في جنوب السودان تحت قيادة مشتركة من الحكومة والمعارضة، وإطلاق عملية سياسية تضمن تنفيذ بنود اتفاق أديس أبابا وبنود اتفاق وقف إطلاق النار الحالي، تلك النقاط التي تتضمن تشكيل حكومة جديدة وانتخابات برلمانية جديدة وقيادة مشتركة في القرار السياسي والعسكري للبلاد، وفي سبيل ضمان عدم وجود نقاط اشتباك بين طرفي الصراع دعا مشار إلى نشر قوة دولية تكون بمثابة قوات عازلة بين المتقاتلين.

على النقيض تماماً من الرئيس الحالي لجنوب السودان سلفاكير ميارديت الذي حاول تكريس صورته بقبعة الكاوبوي الأميركية، أتقن رياك مشار عبر تاريخه القدرة على المناورة السياسية والانتقال من ضفة إلى أخرى مع الحفاظ على موقعه ومكانته بوصفه أحد الأعمدة التي تقوم عليها الدولة الوليدة في الجنوب، والصراع هذه المرة يختلف عن الصراع الذي خاضه الرجل مع حكومة الخرطوم في تسعينات القرن الماضي.

القتال هنا يستند إلى انتماءات ضيِّقة تتمثّل بالقبيلة التي تنطلق منها أعراق الجنوب كافة، فمُشار المولود في ولاية الوحدة المتاخمة لحدود الجنوب مع السودان عام 1953، نشأ متنقلاً بين المقاطعات التسع التي تتألف منها الولاية الغنية بالنفط قبل أن يتجه نحو الخرطوم حيث أنهى في جامعتها بكالوريوس الهندسة. ليلتحق بعدها بإحدى الجامعات البريطانية في المملكة المتحدة مُنهياً دراسة الهندسة الصناعية، عائداً بعد ذلك إلى السودان في عام 1983 حيث وجد له مكاناً في الجناح العسكري لما كان يُعرف حينها “الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان” بقيادة جون قرنق الذي قضى في حادث تحطم مروحية عام 2005.

تحت قيادة قرنق انطلق رياك مشار مقاتلاً ثم قائداً ميدانياً لما يقارب العقد من السنوات قبل أن يدب الخلاف بين الرجُلين، ليعلن رياك مشار الانشقاق عن الحركة عام 1991، و ليجمع من حوله المنشقين عن قيادة قرنق مؤسساً في جبال النوبة ما كان يعرف بمجموعة ناصر، تلك المجموعة التي أتبعها تأسيس الحركة الموحدة، ومن ثم حركة استقلال السودان.

الطريق إلى السلطة

القتال في جنوب السودان انطلق في العام 2013 واستمر حتى الـ17 من أغسطس من العام 2015، أوقع الآلاف من القتلى و الجرحى بين عناصر الجيش الشعبي المنقسم، فضلا عن الملايين من المدنيين الذين فروا من منازلهم إلى دول الجوار

بعد عامين قاد رياك مشار مفاوضات مع حكومة الخرطوم المركزية أوصلت الأطراف حينها إلى إنشاء مجلس تنسيق الولايات الجنوبية في السودان. حيث عُيِّن مشار منسقاً عاما للمجلس ومستشاراً للرئيس السوداني عمر البشير. هذا الفعل وصفه قرنق حينها بالطعنة الكبرى التي تلقّتها الحركة في تاريخها. لكن ذلك الاتفاق لم يدم إلا ثلاث سنوات حيث أعلن مشار من جديد التمرد على حكومة السودان تحت ذريعة قيام الخرطوم بإرسال مقاتلين إلى الجنوب لخوض جولات من المواجهات ضد مقاتلي رياك، فأعلن في الـ28 من مايو من العام 2001 عودته إلى صفوف الحركة الشعبية بعد قطيعة استمرت تسع سنوات.

بعد رحيل قرنق وانتقال السلطة في الحركة الشعبية إلى سلفاكير، تم توقيع اتفاق السلام الشهير بين السودان والجنوب، وبناء على هذا الاتفاق تم تعيين مشار نائباً لرئيس حكومة جنوب السودان، المنصب الذي استمر فيه إلى مرحلة لاحقة من إعلان دولة الجنوب عام 2011. وفي هذا إشارة واضحة إلى نفوذ الرجل و قدرته على البقاء في المناطق التي تضمن له استمرار النفوذ، وأمام هذه القوة الناعمة في السلطة لم يجد سلفاكير إلا إقالة مشار في تعديل وزاري أطاح بالرجل منتصف عام 2013، لتندلع بعدها مواجهات عسكرية بين مقاتلين يدينون بالولاء لرياك وآخرين يدينون لسلفاكير، هذه الجولات استمرت عامين وراح ضحيَّتها الآلاف من البشر.

هذا الخلاف بين رفاق الأمس استمر عامين ونصف تقريباً، تبادل الطرفان، إلى جانب القتال العسكري، خلالها التصريحات النارية، فقد وصف سلفاكير نائبه السابق بأنه “رسول الخراب” الذي يواصل أفعال الماضي، في إشارة واضحة إلى سيرة مشار وتمرده على قرنق.

ثلاثة أشهر فقط هي الفترة التي قضاها مشار في منصبه نائبا لسلفاكير، بعد العودة الحذرة، لتنطلق المواجهات من جديد في ظل تبادل الاتهامات بين كل الأطراف ببدء القتال. فتم فرض حظر على توريد السلاح إلى جنوب السودان فضلا عن التلويح بعقوبات اقتصادية

الرجل المتهم بتنظيم عملية انقلابية على سلفاكير، غاب عامين عن العاصمة جوبا، قبل أن يعود إلى منصبه كنائب للرئيس ضمن ترتيبات اتفاق السلام الذي تمّ توقيعه في أديس أبابا. لكن كما يُقال في الأمثال الشعبية فإن الكلام المعسول لا يطهو الجزر الأبيض، فقد عاد الصِّدام بين الرجلين عبر مواجهات جديدة فقَد كل منهما خلالها زمام السيطرة على عناصره، وكاد الأمر يتفاقم بصورة مخيفة تعيد إلى الأذهان ما حدث في رواندا لولا أن فرضت الإرادة الدولية التهدئة في انتظار المجهول القادم.

بين الجنوب والشرق

مشار المنحدر من قبائل النوير ثاني أكبر المجموعات العرقية المكوِّنة لجنوب السودان، يعتبر أن كرسي الرئاسة بوصلته الحقيقية، وكان قد أعلن في وقت سابق نيّته خوض السباق الرئاسي في انتخاباتٍ كان من المفترض أن تقام لولا الحرب بين أطراف النزاع.

وبنظرة بانورامية على التاريخ الحديث لجنوب السودان، نجد أن المتصدرين الحاليين للمشهد السياسي كانوا ضليعين بحروب عديدة شهدتها الجغرافية المتنوعة هناك، قادةٌ عسكريون أقرب إلى صورة أمراء الحرب من العسكر المشتغلين بالسياسة، أرادوا تقسيم السودان مُستَغِلِّين الظروف الدولية التي ساندت هذا الاتجاه، لكنهم وقعوا في العجز فيما بعد عن إدارة الدولة الوليدة، فماذا لو نقلنا الصورة الحالية في الجنوب السوداني بعيداً عن إرثها التاريخي إلى مناطقَ أخرى في المشرق العربي حيث تسعى جماعات إلى إقامة كيانات عرقية أو طائفية في سوريا والعراق ولبنان، الجغرافية التي لا تتشابه في التركيب تتشابه أحياناً في المصائر، فهل من مُتَّعِظ من مشاريع التقسيم؟

12