ريا وسكينة.. القصة التي هزت الشارع وخشبات المسارح

إعادة فتح ملف القضية في سؤالها المعرفي قبل بعدها الجنائي.
السبت 2021/05/15
قالب حكائي جاهز للنسج عليه

في قصة ريا وسكينة لم يحسم الجدل بين ما هو محض خيال وبين ما هو واقعي. وبعد مرور 100 عام على تنفيذ حكم الإعدام تصرّ هاتان الشخصيتان اللتان أثارتا الكثير من الخوف، على البروز من حين لآخر لتظهرا على خشبات المسارح وصفحات الجرائد. ومهما كانت الحقيقة التي يختلف الناس حولها، تبقى قصتهما ويبقى الغموض المحيط بها مادة دسمة للإنتاج السينمائي والمسرحي.

منذ مئة عام بالتمام والكمال، وفي مثل هذه الأيام، صدر حكم الإعدام في مصر ضد الشقيقتين ريا وسكينة همام بتهمة تكوين عصابة لاستدراج النساء وقتلهن من أجل السرقة في الفترة ما بين ديسمبر 1919 ونوفمبر 1920، مما سبب حالة من الذعر الشديد في مدينة الإسكندرية، وحين كانت مصر تحت الانتداب البريطاني آنذاك.

جريمة صنعت ضحكة

ترى من تكون هاتان الشقيقتان اللتان لازم اسم كل واحدة منهما الثانية ودخلتا المخيال الشعبي إلى أن لامستا الأسطورة، فأصبح الواحد لا يكاد يميّز بين الحقيقي والمفبرك، وبين الكوميدي والتراجيدي في الحكاية. مهلا، هل يوجد شق كوميدي في أبشع جرائم القتل التي شهدها التاريخ البشري أم أنها الطريقة المصرية في أسلوب التناول وإضفاء روح السخرية والدعابة حتى على أشد صور القتل قتامة ودموية؟

الأجيال العربية التي عايشت وتابعت برامج القنوات الأرضية أيام الأعياد، تذكر، وبنوع من الحنين، مسرحيات كوميدية قليلة ومتكررة كانت تُبث في مثل هذه الأيام من كل عام. وكان من بين تلك الأعمال التي تصنع الضحكة وتبعث على الانشراح لدى كل أفراد العائلة، مسرحية “ريّا وسكينة” التي قام بدور البطولة فيها آنذاك، كل من شادية، في آخر أعمالها الفنية، سهير البابلي، عبدالمنعم مدبولي وأحمد بدير، وذلك في كتابة لبهجت قمر وإخراج لحسين كمال عام 1980.

يُحسب لصناع هذا العمل أنهم حوّلوا أحداث جريمة هزت الكيان الشعبي في مصر العشرينات، إلى عمل كوميدي لا يزال الناس يحفظون ويرددون بعض قفشاته ومواقفه إلى الآن، كما أنهم يكادون يحتكرون السردية المتعلقة بحكاية ريا وسكينة، وذلك لفرط اقترابها من فئات واسعة من الناس.

قد لا يدور في خلد البسطاء من العامة أن ريا وسكينة ليس مجرد ثنائي هزلي بل عنوان لأخطر الملفات في تاريخ القضاء المصري، وأشدها رعبا وغموضا والتباسا.

وقد يغيب عن أذهان بعض الذين انبهروا وأخذوا بالعمل الذي قامت ببطولته شادية وسهير البابلي، أن أعمالا فنية مصرية، وحتى عالمية قد تلقّفت قضية ريا وسكينة وتناولتها على مختلف الأمزجة، فور تنفيذ الحكم بالإعدام على المتهمتين مثل مسرحية نجيب الريحاني التي كتبها بديع خيري ومثلت فيها بديعة مصابني.

كما تناول القضية في بداية الخمسينات فيلم من بطولة نجمة إبراهيم وزوزو حمدي الحكيم وفريد شوقي وأنور وجدي وشكري سرحان. هذا بالإضافة إلى أعمال كثيرة أخرى تراوحت بين الدراما والكوميديا، وحتى ضمن أفلام أخذت طابعا توثيقيا لتلك المرحلة.

وعلى صعيد الدراما التلفزيونية، عرض مسلسل “ريا وسكينة” عام 2005 في شهر رمضان، وكان من تمثيل عبلة كامل وسمية الخشاب، أما الإخراج فلجمال عبدالحميد، عن قصة للكاتب الراحل صلاح عيسى.

أما أحدث وأضخم الأعمال التي تتناول قضية ريا وسكينة فهو ما كشفته المؤلفة وكاتبة السيناريو المصرية مريم نعوم، فيما يخص تعاونا مرتقبا مع كاتب السيناريو والمخرج الأيرلندي الحائز على جائزة الأوسكار تيري جورج، لإنتاج مسلسل جريمة يدور حول قصة الشقيقتين الشهيرتين، وباللغتين العربية والإنجليزية.

وبحسب بيان صادر عن شركة توزيع الأفلام المستقلة “فرونت رو فيلم إنترتينمنت” في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن العمل سيكون الجزء الأول من سلسلة مختارات الجريمة الحقيقية في المنطقة، التي تدور أحداثها في فترات ومواقع مختلفة داخل العالم العربي.

تُعدّ قضية ريا وسكينة المعروفة بـ”سفاحتي الإسكندرية”، الأشهر من بين قضايا الإجرام في القرن الماضي بل ولا تزال تثير البحث والاهتمام، وقُدمت فيها دراسات وقراءات وتأويلات عديدة، مما جعلها مادة قصصية شديدة الرعب والغرابة، ما تنفكّ تفتح شهية كتاب الدراما المسرحية والسينمائية والتلفزيونية على مختلف مشاربها.

فلاش باك

وإذا توخّينا طريقة “الفلاش باك” في الحديث عن النهايات قبل الاسترسال والعودة للأحداث، فإن ملف ريا وسكينة قد أغلق نهائيا في أدراج المحاكم منذ 16 مايو 1921 حين أصدر أحمد بك الصلح موسى حكما بالإعدام ضد ريا وسكينة وزوجيهما واثنين من “البلطجية” الذين شاركوا في عمليات القتل للنساء.

أما عن ظروف وملابسات تنفيذ حكم الإعدام، فقد كانت بدورها، محيّرة وشديدة الإثارة مما يمكننا في ما بعد من تفسير بعض الوقائع والأحداث التي مازالت تبدو غريبة في سلوك الشقيقتين، ولعلّ ذلك ما جعل بعضهم يشكك في التهم المنسوبة إليهما أو حتى يجد لها تبريرات نفسية على ضوء الأبحاث المتقدمة في علم الجريمة.

التنفيذ كان في سجن الحضرة بمدينة الإسكندرية، وهيئة الإشراف كانت استثنائية على غير العادة، فقد ضمّت محافظ الإسكندرية ومدير الأمن. وكتب مندوب صحيفة الأهرام أنه حين أحضرت المتهمتين تتابعا، بدت عليهما علامات القوة ورباطة الجأش، بالإضافة إلى تحسن وزنيهما مقارنة بأول يوم دخلتا فيه السجن.

قصة تحركها المصادفات

Thumbnail

أما عن شريكهما حسب الله سعيد، فقد كان هو الآخر، موفور الصحة، رابط الجأش، وعلق على منطوق حكم الإعدام بألفاظ بذيئة.

لا بد إذن، لهذه النهاية من بداية ـ أو بدايات ـ كي تضفي عليها منطقا في سير الأحداث، وإن هي ناقضت ذلك فالعهدة على المحللين والمتخصصين في علم الجريمة، خاصة إذا كانت هذه الجريمة ـ أو الجرائم ـ قد نفذت بأيادٍ ناعمة، وعن سابق إصرار وترصد، من شخصيتين نسائيتين من أصول ريفية، واستوطنتا في بيئة مدنية مثل الإسكندرية، إبان الاحتلال الإنجليزي الذي بدأت تقوم ضده حركات مقاومة، عشية تشكّل وعي وطني بدأ يطبع فئات عريضة من المجتمع المصري، ويلهيه أحيانا عن نشاطات إجرامية موازية تدور في الهامش، وقد تجد صيدها في الظلام.

نزحت الشقيقتان في بداية حياتهما برفقة والدتهما وشقيقهما الأكبر أبوالعلا من صعيد مصر إلى مركز كفر الزيات، ثم إلى مدينة الإسكندرية حيث استقروا جميعا بها وبدأوا العمل في أنشطة غير قانونية ومرفوضة اجتماعيا على وجه العموم، مثل تسهيل تعاطي المخدرات والخمور وكذلك الدعارة.

مادة قصصية شديدة الرعب ما تنفكّ تفتح شهية كتاب الدراما المسرحية والسينمائية والتلفزيونية على مختلف مشاربها

استند أفراد هده الأسرة على شبكة علاقات معقدة من الضباط والمخبرين والسماسرة من المصريين والإنجليز، كما مارسوا في البداية سرقات صغيرة متفرقة تعتمد على النشل والاحتيال، إلى أن تكثفت نشاطاتهم بتوسع علاقاتهم.

اتخذت الشقيقتان من منطقة اللبان الشعبية في الإسكندرية مكانا للسكن، وبالتحديد في بيت الجمّال الواقع بالقرب من قسم الشرطة. تزوجت ريا من المدعو حسب الله سعيد مرعي، بينما آثرت شقيقتها سكينة العمل في بيت للدعارة حتى سقطت في حب أحد الرجال.

وبحسب ما ورد في التحقيقات، فإن الشقيقتين حين بدأتا في نشاطهما الإجرامي، أقامتا برفقة مجموعة من المعاونين وعلى رأسهم عرابي حسان وعبدالرازق يوسف في عدد من الشقق المستأجرة، حيث كانتا تستقطبان الضحايا من “زنقة الستات” لمسرح الجريمة لقتلها والاستيلاء على المجوهرات، حتى نجحتا في تنفيذ 17 جريمة، وهو رقم كبير في مدينة مثل الإسكندرية آنذاك، يعرف أغلب سكانها بعضهم بعضا.. مما يطرح السؤال عن سبب كل ذلك التأخر في كشف الجرائم، ومدى قدرة الشقيقتين على التخطيط المحكم مع الاستفادة من شبكة علاقاتهما.

ومثل أي قصة بوليسية قد تحرّكها المصادفات أحيانا فإن الخواجة الإيطالي الذي استأجر بيت الجمّال قد طلب تغيير المواسير الصحية قبل السكن بسبب الرائحة الكريهة التي كانت تخرج من البيت في ذلك الوقت.

ولأن المبلغ الذي طلبته البلدية مقابل ذلك كان كبيرا فقد قرر صاحب البيت تركيب مواسير صرف صحي بنفسه واستعان وقتها بابن شقيقته. وأثناء عمليات الحفر في الطابق الأرضي عثروا على جثة مدفونة فقرروا إبلاغ الشرطة التي علمت من صاحب البيت بأن من بين السكان الذين استأجروا البيت كانت سكينة علي همام وشقيقتها ريا اللتين استبعدتهما التحقيقات في البداية، إلى أن توالت برقيات الإبلاغ عن نساء مفقودات بأوقات وظروف متقاربة.

بدأت حالة الهلع تدب في الحيّ الإسكندراني الذي كان بالأمس هادئا وديعا، ومع تقدم مجريات التحقيق، وبعد جمع الأدلّة والقرائن، كُشف أمر الشقيقتين، ولكن، أين الأطراف المتورطة الأخرى من العنصر الذكوري، من كان يتولى عملية التنفيذ، وماذا عن عمليات التستر المختلفة التي أطلّت برأسها أثناء التحقيقات؟ وهل أن ريا وسكينة كانتا تتقاسمان الجريمة بالتساوي التام؟

كانت ريا هي أول من قرر الاعتراف مبكرا، وقالت إنها لم تحضر سوي عمليه قتل واحدة. وانفردت النيابة بشهادة بديعة بنت ريا، والتي طلبت الحصول على الأمان قبل الاعترافات كي لا تنتقم منها خالتها سكينة وزوجها، بينما كانت سكينة تحاول أن تخفف من دور زوجها أثناء عملية التحقيق، وهو أمر توضع أمامه أكثر من إشارة استفهام.

إشاعات.. إشاعات

منزل ريا وسكينة متروك لتسكنه الأشباح
منزل ريا وسكينة متروك لتسكنه الأشباح

تساؤلات كثيرة لافتة في هذه القضية التي لم تشهدها مصر من قبل، علما وأن حكم الإعدام الوحيد الذي صدر في حق امرأة من قبل كان سنة 1883 بداية إنشاء المحاكم الأهلية، وهي أن غالبية الضحايا كن من المشتغلات في الدعارة أو من ذوات السوابق ثم إن الأمر يبدو غريبا عن المجتمع المصري آنذاك.

كل القضايا المسجلة في هذا الشأن كان لها ما يبررها وفق الأعراف والتقاليد كالقتل بسبب الغيرة أو لأجل الثأر والانتقام، إلا أن قضية ريا وسكينة ظلت استثنائية وغير متوقعة في نظر المهتمين والدارسين، وذلك لما اتصفت به من قسوة بلغت حد الفظاعة، فما الذي يبرّر ذلك أم أن المسألة لا تزال في طور الغموض رغم اكتمال التحقيقات؟

وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن المخرج عبدالقادر الأطرش قام منذ سنتين بتصوير فيلم كتب قصته أحمد عاشور، ويكشف فيه دور المخابرات البريطانية في تلفيق تهم لريا وسكينة، بحسب زعمه، إذ أنهما كانتا تستدرجان الجنود الأجانب لقتلهم على عكس المعروف من قتل النساء لسرقة مجوهراتهن، فهل يثبت الفيلم براءة “السفاحتين” بعد 100 عام من إعدامهما أم أن الأمر لا يتعدى بعض الإثارة والدعاية السياسية لتاريخ المقاومة الوطنية

ترى من تكون هاتان الشقيقتان اللتان لازم اسم كل واحدة منهما الثانية ودخلتا المخيال الشعبي إلى أن لامستا الأسطورة؟

ويستمر استدعاء قصة ريا وسكينة لمختلف الأغراض وفي شتى المقاصد حتى باتت حاضرة في الفولكلور الشعبي مثل شفيقة ومتولّي، وغيرها من السير التي قد يركبها طرف ضد آخر بمنتهى اليسر والبساطة، طالما أن القالب الحكائي جاهز للنسج عليه مثل الأغنية التي كتب كلماتها عبدالوهاب محمد للمسرحية “إشاعات.. إشاعات.. بيقولوا فيه عصابات بتخطف في الستات.. إشاعات.. إشاعات”…

وفي هذا المعطى ورد منذ أشهر في مصر أن عصابة خطفت 4 فتيات من الإسكندرية في يوم واحد، بهدف بث الرعب والخوف في قلوب المواطنين، وتداولتها صفحات جماعة الإخوان، بشكل مكثف، في حين فنّدتها مصادر أمنية وقالت إن الأمر لا يعدو أن يكون إشاعة بقصد زرع البلبلة.

لعل الذي جعل من قضية ريا وسكينة في مصر حكاية تبلغ حدّ الخرافة وتستوطن الذاكرة الشعبية هو أن المجتمع المصري يمتلك من قيم التآخي والمؤازرة ما يجعله حساسا إزاء كل ما يعكّر صفو الشارع فيساهم فيه من حيث لا يدري أو يتقصّد بالمزيد من إذكاء روح المبالغة والتهويل.

ومن حين إلى آخر، تطالعنا الصحافة المصرية الشعبية بعناوين جرائم تستلهم حكاية السفاحتين في إصرار دائم على استنهاض القصة المعروفة كهذا العنوان الذي قد تعثر على أمثاله كل يوم وبمحض المصادفة “ريا وسكينة ظهرتا من جديد.. رجل دفن زوجته وضحاياه في قبر منزله”، وهلم جرا من مثل هذه المانشيتات التي لا تبدو غريبة عن الثقافة الشعبية.

ولعل الأطرف من ذلك كله أن الحكاية اُستثمرت في الجانب السياحي، وعاد حي اللبّان بمدينة الإسكندرية إلى الواجهة مرة أخرى وهو الحي الذي اشتهر بريا وسكينة حيث كانتا تسكنان مع زوجيهما وتستدرجان ضحاياهما من النساء من منطقة زنقة الستات للاستيلاء على ذهبهن ومتعلقاتهن، ودفنهن بعد قتلهن، ذات البيت الذي شهد جرائمهن. ووفق تقرير قامت به قناة “العربية” فقد أصبح الحي هذه الأيام “مزارا يقصده الناس، فيما استغل البعض شهرة ريا وسكينة للترويج والدعاية لأماكنهم ومنتجاتهم، فبرزت المطاعم والكافيتريات التي تعلق على جدرانها صور للسفاحتين، وحتى بعض المقتنيات التي تدعي انتسابها لريا وسكينة”.

ولم تتأخر منصات الشعوذة والترويج للاستثمار في المشاعر الدينية عن الإدلاء بدلوها في استغلال الحادثة، لذلك يمكن الجزم بأن “ريا وسكينة” جزء من موروث يمكن الانشغال عليه ضمن حفريات معرفية أكثر جدوى وأهم من مجرد النظر إليه كجريمة بوليسية.

كل العناصر الفنية متوفرة صلب هذه السردية الشعبية التي يمكن محاورتها واستنطاقها من زوايا جديدة.

16