ريبيري ليس زيدان يا بلاتيني

الأحد 2014/09/14

حسم الفرنسي فرانك ريبيري نجم نادي بايرن ميونيخ الألماني مصير علاقته مع المنتخب الفرنسي، فبعد غيابه لأسباب صحية عن المشاركة في المونديال البرازيلي، لم يتأخر كثيرا للإعلان عن كونه طوى نهائيا صفحة اللعب دوليا.

بعد شهر فقط من انتهاء منافسات كأس العالم أكد ريبيري للجميع أنه لن يلعب مجددا بألوان “الزرق”، مبينا أنه يريد حاليا التركيز على تجربته مع ناديه الحالي، خاصة وأنه تقدم في السن وبات يعاني من عدة مشاكل تتعلق بتعرضه كثيرا للإصابة.

لكن هذا القرار أثار الكثير من الجدل في فرنسا، خاصة وأن الجميع كان ينتظر أن يعود اللاعب المتألق إلى سالف إشعاعه وتأثيره الإيجابي على أداء المنتخب الفرنسي الذي يستعد لتنظيم يورو 2016، ناهيك وأن غيابه عن المشاركة في المونديال اعتبرها البعض خسارة كبيرة للمنتخب الفرنسي الذي افتقد للقائد ريبيري وخبرته الكبيرة في التعامل مع مباريات قوية.

وبين مؤيد لقرار ريبيري الذي عانى طويلا من ويلات الإصابات والانتكاسات الصحية خلال المواسم الماضية، وآخر رافض لهذا القرار الأحادي، بما أن الأولوية تبقى دوما للمنتخبات الوطنية مهما كانت الظروف،برز ميشال بلاتيني أحد أبرز نجوم الكرة الفرنسية في ثمانينات القرن الماضي، ليس بوصفه أحد رموز الكرة الفرنسية فحسب، بل بصفته الحالية كرئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، من خلال تصريح مثير وحاد اللهجة تجاه ريبيري، حيث حذره من مغبة اتخاذ هكذا قرار، معتبرا أنه لا يحق لأي لاعب أن يرفض تمثيل منتخب بلاده، وأن القرار الأول والأخير يعود لمدرب المنتخب الفرنسي.

ووصل الأمر إلى حد تهديد ريبيري بعقوبة تتمثل في حرمانه من اللعب لمدة من الزمن مع فريقه وتعليق عقده مع بايرن، غير أن ريبيري لم يأبه بهذه التهديدات معتبرا أن القرار شخصي، وتم بعد استشارة مدرب المنتخب الفرنسي ديديي ديشامب الذي منحه الضوء الأخضر لإعلان الاعتزال الدولي.

بلغت حدة هذه التصريحات المتبادلة إلى معقل الفريق البافاري بعد أن ساند كارل هانز رومينيغه رئيس البايرن لاعب الفريق، ودافع عنه بضراوة وعن حقه في الاعتزال دوليا. نفس الأمر قام به مدرب البايرن بيب غوارديولا الذي أشار إلى أن كل لاعب حر في اتخاذ القرار الذي يراه مناسبا له، وهو ما ينطبق على ريبيري الذي لم يعد قادرا على التوفيق بين تجربته مع بايرن واللعب لفائدة المنتخب الفرنسي.

الحديث عن هذا الحدث يجرنا حتما للحديث عن التجارب السابقة مع عدة لاعبين كانوا نجوما مع منتخبات بلادهم، قبل أن يتخذوا قرارا بعدم اللعب الدولي مجددا، والسبب دوما هو التقدم في السن، وعدم القدرة مجددا على تقديم الإضافة المرجوة منهم، لكن لا أحد اعترض على قراراتهم، ولم يحدث أبدا مثل هذا الجدل واللغط الذي أثاره بلاتيني بعد قرار ريبيري، فهل تصرّف بدافع “الغيرة” على منتخب بلاده؟ أم من موقعه كرئيس أحد أهم الهياكل الرياضية في العالم؟

للإجابة عن هذا السؤال لا يحتاج البحث وقتا طويلا، فبلاتيني معروف بقراراته الغريبة منذ توليه مهمة الإشراف على الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، على غرار قراره بتنظيم بطولة أمم أوروبا في 13 مدينة أوروبية في وقت واحد.

كما أنه لم يتورع أحيانا في التهجم على رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جوزيف بلاتر، وبالتالي فإن تهديد ريبيري بالعقوبة ما لم يعدل عن قراره “أحادي الجانب”، ليس أمرا غريبا عن الرجل الأول في مقر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، خاصة وأنه تحدث سابقا عن وجود ما يشبه التراخي لدى بعض اللاعبين الذين يفضلون في غالب الأحيان مصلحتهم الشخصية ومصلحة نواديهم على حساب مصلحة منتخب بلادهم.

لذلك لم يتورع عن “مهاجمة” ريبيري وتهديده بالعقوبة حتى يكون عبرة لبقية اللاعبين مثلما أكد ذلك بلاتيني، ولا نستغرب أن يسنّ قريبا.. قرارا يمنع أي لاعب من الاعتزال دوليا مهما كانت الظروف.

لكن بعيدا عن تصرف ميشال بلاتيني وتهديداته المستمرة لريبيري، حتى يثنيه عن قرار الاعتزال، ألم يخطئ فرانك ريبيري باتخاذ هذا القرار؟ ألم يكن بمقدوره الانتظار قليلا علّه يخرج من الباب الكبير، ويدوّن اسمه ضمن أساطير الكرة الفرنسية؟

ربما أراد بلاتيني أن يكون ريبيري هكذا، لكن اللاعب اختار الطريق الأسهل، هو طريق المال والاستمرار في اللعب مع ناديه فقط دون تعب أو جهد إضافي.. ربما اختار ريبيري أن يستمر أكثر ما يمكن في الملاعب، لكن نسي أن الإبداع يولد من رحم الألم والتاريخ، لا يخلد سوى أسماء المبدعين والمتفانين في خدمة أوطانهم مهما كانت الظروف.

الثابت أيضا أن ريبيري نسي ما فعله الأسطورة زين الدين زيدان الذي آثر اعتزال اللعب نهائيا في مباراة دولية مع منتخب فرنسا، ورغم خروجه “مطرودا” في نهائي مونديال 2006 الذي كان ريبيري شاهدا عليه، إلاّ أنه مازال إلى اليوم وسيبقى دوما أحد أفضل ما أنجبت الكرة الفرنسية، وسيظل “معبود” الجماهير الفرنسية.

فزيدان أهدى منتخب بلاده شرف الحصول على أول كأس عالمية سنة 1998، وزيدان لم يرفض أبدا اللعب مع المنتخب الفرنسي رغم كثرة ارتباطاته في آخر مسيرته مع ريال مدريد، وزيدان لعب عدة مقابلات مصيرية وحاسمة وهو مصاب.. لذلك استحق دوما الإشادة، وكان مثالا لأحد أفضل اللاعبين في التاريخ.

أما ريبيري الذي فضل المصلحة الشخصية وخشي قبول التحدي، فإنه لن يكون بأي حال من الأحوال مثل زيدان، ولن تشفع له إنجازاته مع بايرن ميونيخ كي ينتمي إلى “نادي عظماء الكرة الفرنسية”.

23