ريتشارد إرنست عالم سويسري نذر حياته للبحث في أعماق الإنسان

شغف إرنست بالمعرفة لا حدود له، فقد انكبّ في أعوامه الأخيرة على البحث في توظيف "مطياف رامان" للمحافظة على فنون آسيا الوسطى وتراثها الحضاري.
السبت 2021/06/12
الرنين المُنقِذ الباقي رغم رحيل صاحبه

زيوريخ – عام 1973 رأى العالم لأول مرّة صورة دقيقة عن الجسد البشري من الداخل عبر جهاز “إن إم آر”، كانت لحظة فارقة ستغيّر وجه الطبّ وإمكاناته. لم يكن ذلك بالطبع نتاج جهد شخص واحد، بل تراكماً كبيراً لأبحاث العديد من العلماء، أبرزهم كان السويسري ريتشارد إرنست المولع بالكيمياء والفيزياء وفضاءاتهما المتداخلة والذي رحل هذا الأسبوع عن عالمنا مخلّفاً تركة ندر ما استغنت أسرة من بين المليارات من البشر عن الحاجة إليها.

ولد إرنست  ومات في فينترتور بكانتون زيوريخ، في الـ14 من أغسطس 1933، بعد أن أمضى أيامه الأخيرة في دار للعجزة. ولكن أيضاً بعد أن منح للبشرية دفعة قوية لفكرة التصوير بالرنين المغناطيسي النووي. وبفضلها منحته الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم جائزة نوبل للكيمياء عام 1991، مبينة أنه استحق الجائزة بسبب تحقيقه تطويراً مهماً في منهجية التحليل الطيفي بالرنين المغناطيسي النووي. حينها قال إرنست إن “استخدام هذه التقنية يتيح التحقيق في كل شيء تقريباً، إذ يمكن بواسطتها فحص جسم الإنسان، والعمليات الفيزيولوجية، ويمكن استخدامها في الكثير من التطبيقات الطبية. ومن ناحية أخرى، يمكن تحليل الجزيئات وشكلها ودينامياتها، وكيفية تحرُّك مختلف الجزيئات وتفاعلها معاً”. وكان أميناً حين أضاف أنه ليس الوحيد الذي أسهم في الوصول إلى تلك التقنية.

درس إرنست حتى العام 1962 في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا، وكانت أطروحة تخرّجه حول الرنين المغناطيسي النووي في نظام الكيمياء الفيزيائية. ثم التحق بالعمل في شركة فاريان أسوسيتس كمتخصص في الرنين المغناطيسي النووي باستخدام تقنية تحويل فورييه، وفصل الضوضاء، وتقنيات أخرى عديدة. ولم يلبث أن عاد إلى المعهد الذي تخرّج منه ولكن هذه المرة كمحاضر وأستاذ مساعد وبروفيسور إلى أن تقاعد.

في ذلك المعهد ومن خلال إشرافه على مختبر الكيمياء الفيزيائية، قاد إرنست فريقاً من الباحثين في العام 1976 مهمته دراسة التحليل الطيفي بالرنين المغناطيسي.

كيف يعمل الرنين المغناطيسي؟

التصوير بتقنية “إم آر آي” فحص آمن، لا يستغرق أكثر من 20 إلى 30 دقيقة. بعد أن يتم إدخال المريض في مغناطيس كبير وقوي يمكن أن تصل قوته أعلى بـ30 ألف مرة من قوة حقل الكرة الأرضية المغناطيسي
التصوير بتقنية “إم آر آي” فحص آمن، لا يستغرق أكثر من 20 إلى 30 دقيقة. بعد أن يتم إدخال المريض في مغناطيس كبير وقوي يمكن أن تصل قوته أعلى بـ30 ألف مرة من قوة حقل الكرة الأرضية المغناطيسي

تقنية الرنين المغناطيسي النووي آلية طيفية تُطبّق على نوى ذرية معينة كنوى الهيدروجين والبروتون الموجودة بأعداد كبيرة في الكائنات الحية، والتي تتميز بخاصية التصرف كمغناطيسات الصغيرة. وحين تتواجد تلك الجسيمات في مجال مغناطيسي ذي تردد محدد، يطلق عليه “تردد الرنين”، يمكننا لحظها بفعل قياس تأثيراتها الكهرومغناطيسية.

قصة الرنين المغناطيسي لم تبدأ مع إرنست، إلا أنها بدأت مع أحد مواطنيه السويسريين، في العام 1945 حين قدّم فيليكس بلوخ بالشراكة مع إدوارد ميلز بورسيل مشروع الرنين المغناطيسي لأول مرة في الولايات المتحدة الأميركية، وحصلاً أيضاً بفضلها على جائزة نوبل للفيزياء بعد أعوام قليلة. إلا أن ذلك الجيل من الرنين المغناطيسي كان ضعيف الحساسية ونتائجه لا تقدّم المعطيات الدقيقة بالدرجة المطلوبة.

ما فعله إرنست بعد 11 عاماً من ذلك التاريخ، هو إضافة لمسته الخاصة على نسخة بورسيل وبلوخ، بتعزيز حساسية الرنين المغناطيسي عبر تعريض العينة لنبضات قصيرة ومكثفة من الترددات الراديوية. وكنا قد اقتربنا من مطلع السبعينات حين تم اعتماد الرنين المغناطيسي كأداة أساسية للدراسة التفصيلية للهياكل الجزيئية في مجالات الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، وكان ذلك قد تعزّز أيضاً بزيادة قدرة المغناطيسات على إنتاج مجالات فائقة.

الجسم البشري يطلق الطاقة التي دخلت إليه، عبر الحقل المغناطيسي بعد توقفها على شكل بث عائد، وبواسطة كاشفات أمواج الراديو المتطورة يمكن بناء الصورة التي تظهر تشريح الجسم وتكشف ما يجري داخله

أما كيف يعمل الرنين المغناطيسي على الأجساد الحية، فذلك يتم بواسطة مسح الجسم بواسطة الحقول المغناطيسية، دون آثار جانبية، كتلك التي تتركها أجهزة التصوير الشعاعي، ما يمكّن الأطباء من اكتشاف الأورام والإصابات في العمود الفقري والمفاصل وغيرها.

وقد اتسعت مجالات الاستفادة من الرنين المغناطيسي لتصل إلى مسح الدماغ والسعي إلى فهم الأسباب العضوية للأمراض النفسية، فالرنين المغناطيسي يمكنه أن يقدّم صوراً تفصيلية للجهاز العصبي المركزي والدماغ والحبل الشوكي، والأنسجة الرخوة ونخاع العظام، ومظاهر التصلب والفتق وانقراص الفقرات، بعد أن تتكون بفضل هذه التقنية صور تصنعها الحقول المغناطيسية المتغيرة.

التصوير بتقنية “إم آر آي” فحص آمن، لا يستغرق أكثر من 20 إلى 30 دقيقة. بعد أن يتم ادخال المريض في مغناطيس كبير وقوي يمكن أن تصل قوته أعلى بـ30 ألف مرة من قوة حقل الكرة الأرضية المغناطيسي. وبواسطة أجهزة بث الراديو التي توضع في غرفة التصوير بالرنين المغناطيسي يمكن في نقطة معينة تغيير اتجاه المجال المغناطيسي.

بعد ذلك يقوم الخبراء بإيقاف البث، وعندها يطلق الجسم الطاقة التي دخلت إليه على شكل بث عائد، وبواسطة كاشفات أمواج الراديو المتطورة يمكن بناء الصورة التي تظهر تشريح الجسم وتكشف ما يجري داخله.

القلق الوهمي من الرنين

جهاز “إم آر آي” يقوم بمسح الجسم بواسطة الحقول المغناطيسية دون آثار جانبية كتلك التي تتركها أجهزة التصوير الشعاعي، ما يمكّن الأطباء من اكتشاف الأورام والإصابات بوضوح.
جهاز “إم آر آي” يقوم بمسح الجسم بواسطة الحقول المغناطيسية دون آثار جانبية كتلك التي تتركها أجهزة التصوير الشعاعي، ما يمكّن الأطباء من اكتشاف الأورام والإصابات بوضوح.

وما يزال الكثيرون يترددون في إجراء فحص الرنين المغناطيسي،لأنهم يشبهون تصميمه بالقبر، وهنا تبرز مشكلة الخوف من الأماكن المغلقة التي ترافق البعض، والتي يتغلب عليها الخبراء، بتدريب المريض على المكان قبل إجراء التصوير، أو بحقنه بالمهدئ. والبعض تتطلب حالته التخدير الكامل تجنباً لنوبات الفزع.

يزيد من تلك المخاوف حول الرنين الضجيج الهائل الذي يصدره جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي، الذي يشبهه الأطباء بـ“ الطرق المتكرر على المعادن”. وسبب ذلك الضجيج التغيرات في الحقول المغناطيسية من وضع البث إلى وضع الاستماع. ومن أجل ذلك يسعى المشغلون إلى تثبيت سماعات على أذني المريض تبث الموسيقى لتخفف من إزعاج الجهاز.

كما يعتقد بعض المرضى أنه سوف يطلب منه الامتناع عن الحركة أثناء التصوير، وهذا أيضاً من الأوهام المرتبطة بالرنين المغناطيسي، فالحركة الطبيعية مثل التنفس والنبض لا تؤثر على الصور، غير أن السعال المفاجئ أو كثرة تحريك الأطراف والجذع قد تشوّش قليلاً لكن ذلك تتم معالجته بمدّ وقت التصوير أو إعادة الصورة.

 نظرياً يعتبر جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي متاحاً لجميع البشر، إلا أن هناك حالات خاصة لا يجب تعريضها لهذا النوع من التصوير، مثل مرضى القلب الذين يعتمدون على أجهزة ضبط نبضات القلب، فهؤلاء قد تتأثر الأجهزة المثبتة في أجسادهم بالحقل المغناطيسي الذي يخلقه جهاز الرنين.

شغف لا ينتهي
شغف لا ينتهي

المرضى الذين ما زالوا يحتفظون بشظايا معدنية في أجسادهم أيضاً لا يفضّل أن يتعرضوا للتصوير بـ“إم آر آي” لأن تلك الشظايا قد تتفاعل مع المجال المغناطيسي وتتحرك باتجاهه ما يسبب المزيد من الإصابات داخل الجسد ويفاقم الأوضاع المستقرة لتلك الشظايا. أما بقية المرضى فلا يوجد ما يمنع من تعريضهم للفحص بالرنين المغناطيسي.

ولع لا ينتهي

 إضافة إلى جائزة نوبل، حصل إرنست بفضل أبحاثه الخلاقة على جائزة وولف للكيمياء، وجائزة هورويتز وجائزة مارسيل بينويست. وعلى العديد من شهادات الدكتوراه الفخرية من جامعات العالم المرموقة. وكان عضواً في كل من الأكاديمية الوطنية الأميركية للعلوم، والأكاديمية الملكية البريطانية للعلوم، والأكاديمية الألمانية لباحثي الطبيعية، والأكاديمية الروسية للعلوم، والأكاديمية الكورية للعلوم والتكنولوجيا.

أما أعوامه الأخيرة فقد قضاها في مجال آخر لا يقلّ أهمية عن البحث في أعماق الجسد البشري، بدراسة إمكانية استخدام مطياف “رامان” على حقل علمي ثقافي واسع آخر اقتحمه إرنست بعقل العالم الشغوف بالمنجز البشري، ومطياف رامان هو أحد أنواع أجهزة قياس الطيف المغناطيسي التي تختص بدراسة أنماط الاهتزاز الجزيئي قليلة التردد في نظام معيّن.

بالاعتماد على ظاهرة التبعثر غير المرن للضوء على الجزيئات، وتلك الظاهرة تسمى “تبعثر رامان”، حيث يؤدي التأثر المتبادل بين المادة والضوء إلى حدوث انتقال للطاقة من الضوء إلى المادة، كما يجري انتقال للطاقة من المادة إلى الضوء. وقد انكب إرنست على البحث في توظيف هذه التقنية للمحافظة على فنون آسيا الوسطى وتراثها الحضاري، والتعرف على الأصباغ والمواد الملونة في اللوحات القديمة واللقى الأثرية.

12