ريتشارد شتراوس ومعضلة الفن والأخلاق

ما زال الجميع يتعجب من قدرة الموسيقى على تجسيد الجمال والحقيقة الإنسانية، حتى وإن حفّت منتجيها الكثير من التهم والممارسات السلبية، وما زال هناك من يقول إن منتج الفن الخالص كان في أرقى تجلياته الإنسانية لحظة إبداعه.
الأحد 2018/08/05
مقطوعات الملحن ريتشارد شتراوس تُعزف بواسطة أرقى الفرق الموسيقية

 “لريتشارد شتراوس، الملحن والموسيقار العظيم، أرفع قبّعتي”، يقول الموسيقار الإيطالي أرتورو توسكانيني، ولعل عبارة توسكانيني الشهيرة هذه التي تميّز بين الفرد وعمله، تعيد إلى الأذهان معضلة قديمة حول الفن والأخلاق، وتستدعي النقاش بشأنها.

يعتقد الكثيرون بضرورة عدم السماح لتفاصيل سيرة أي فنان بأن تؤثر على الطريقة التي ننظر بها إلى أعماله، وحسب هؤلاء، يمكننا أن نعجب بأعمال إريك جيل النحتية وننسى أنّه منحرف وذو ميول جنسية شاذة، ويمكننا فصل شعر فيليب لاركن عن ميوله العنصرية ضد المرأة، أو موسيقى فاغنر عن معاداته للسامية. كان ماذا بشأن ريتشارد شتراوس؟

في الحادي عشر من يونيو عام 1964، جرى التكتم على احتفالات واسعة جرت في ألمانيا بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد شتراوس، على الرغم من تبرئته من قبل مجلس المساءلة الألماني عام 1948. آنذاك كانت موسيقاه لا تزال تحمل وصمة عار ما، تماما مثل فاغنر، الذي جرى حظره في إسرائيل ورفضت أعماله في كل مكان، وكما عدّ فاغنر مشتبها بلعبه لدور بارز في ألمانيا النازية، أدين ريتشارد شتراوس بأنه “ملحن الهتلرية”.

وفي العام 2014، وعلى النقيض من ذلك، فإن المنظمات الموسيقية بمناسبة ما كان يمكن أن يكون عيد ميلاده الـ150 أحيت ذكراه علانية وبجعجعة كبيرة في جميع أنحاء العالم، وتحت يافطة “شتراوس 150”  جرى عرض العديد من المسلسلات التي تتناول سيرته وتقرأ قصائده الرائعة وتبث سمفونياته الكبيرة عبر راديو البي.بي.سي3 المتخصص بالموسيقى العالمية، وتعزف مقطوعاته بواسطة أرقى الفرق الموسيقية، وتتاح أعماله في شبكة الإنترنت، وتوزع الأقراص المدمجة التي تستكشف جوانب مختلفة من حياته وموسيقاه.

لقد نتجت عن تداخل هذه المواقف تركة معقدة نوعا ما، إذ كان شتراوس رئيسا لما يسمى “مجلس موسيقى الرايخ الثالث”، الذي أراد هتلر من خلاله إبراز عظمة ألمانيا وتفوقها على الشعوب الأخرى، وعلى الرغم من أن المجلس لم تكن له أي علاقة مباشرة بالحرب، إلا أن مجرد القبول بتلك الوظيفة قد يثير الشكوك، لكن وقع أمر ما لاحقا أحدث تغيرا ملحوظا في سجل الموسيقار العظيم، لقد صدم شتراوس وأسرته كلها في الحقيقة عندما اضطهدت حبيبة ابنه اليهودية وتعرضت أسرتها للتنكيل والاضطهاد، الأمر الذي انعكس على حماسته “الوطنية” آنذاك وأطفأ جذوة اندفاعه، متحاشيا غضب الرايخشتاغ بعبقريته الموسيقية والدرامية الساحقة.

وإذا كان الجدل بشأن فاغنر ومعاداته للسامية لا يزال قائما حتى يومنا هذا، فإن التاريخ الشخصي لشتراوس قد برأه إلى حد كبير بسبب شعبيته وما سمي لاحقا بمسؤولية الخيال التاريخي.

يعتقد الناقد الموسيقي مايكل كينيدي، الذي كتب سيرة ريتشارد شتراوس، بأن الرجل موسيقار بارع شكلت حياته لغزا كبيرا. فبعد وصول هتلر إلى السلطة في يناير من العام 1933، واجه شتراوس مأزقا أخلاقيا ومهنيا، كما حدث مع جميع الموسيقيين المحترفين في ألمانيا آنذاك، لكنّه كان طموحا ومتفهما أو براغماتيا إلى حد ما، وقبل كل شيء كان رجلا عمليا، إنّه يبرر براغماتيته تلك بقوله “أعظم الأعمال الموسيقية ألفت في ظل حكم القيصر.. ما المشين في ذلك؟”، أو “على الأقل سأتمكن من البقاء على قيد الحياة وتجاوز هذه المحنة مع أسرتي”، وكان يضع نفسه كموسيقي فوق السياسة وكان يقول “مجرد الجلوس هنا في جارمش (قرية صغيرة في أطراف مدينة ميونيخ حيث يقع منزله) واستمراري في التأليف.. وإن كل شيء آخر لا يهم بالنسبة لي”.

لكن البعض يعتقد بأن تلك الرؤية مخادعة نوعا ما، خصوصا بعد قبوله دعوة غوبلز، وزير إعلام هتلر وعرّاب ماكنته الدعائية، لتولي منصب رئيس مجلس موسيقى الرايخ في الخامس عشر من نوفمبر من العام 1933 ، وكان شتراوس يبرر موقفه هذا برغبته في استخدام منصبه المؤثر من أجل الصالح العام، “كنت آمل أن أكون قادرا على القيام ببعض الأعمال الجيدّة والحيلولة دون حدوث مصائب أسوأ”، كما قال في وقت لاحق، لقد بدا هدفه الرئيس تحسين الوضع الاقتصادي للموسيقيين وزيادة الأمن الوظيفي لهم وضمان المزيد من الدعم الحكومي، وعلى وجه الخصوص حماية حقوق المؤلفين، (ضغط في وقت لاحق باتجاه إقناع الحكومة الألمانية بتوقيع اتفاقية برن الخاصّة بقانون حق المؤلف)، كما رفض أيضا القائمة السوداء التي وضع فيها الملحنين اليهود وحافظ على ولائه لأصدقائه وزملائه اليهود الذين تعرضوا لاضطهاد السلطات النازية، ومن أبرزهم الكاتب النمساوي اليهودي ستيفان تسفايغ، الذي ألف أوبرا “المرأة الصامتة” في العام 1934، وهي المواقف التي أدت إلى استقالة شتراوس القسرية من رئاسة مجلس موسيقى الرايخ فيما بعد.

لقد كشفت رسالة خطية وجهها إلى تسفايغ يجيز فيها نص الأوبرا آنفة الذكر واعترضها الجستابو، مواقفه المتداخلة، وكادت تقنع الجميع بأنّه كان يوظف منصبه فعلا لصالح الفن، خصوصا بعد أن عرضت الأوبرا في ألمانيا مرّة واحدة حين أجازها شتراوس لتمنع بعد ذلك إلى الأبد.

لكن في واحدة من الحلقات الأكثر إثارة للعار، تراجع شتراوس عن مواقفه تلك ودفاعه عن ولائه لألمانيا بشراسة، بعد أن كتب رسالة لهتلر يؤكد فيها على أن رسالته لتسفايغ لا تمثل وجهة نظره من العالم ولا قناعته الحقيقية، تلك الرسالة التي لم يرد عليها هتلر أبدا.

وشأنه شأن الكثير من المثقفين الألمان كان شتراوس يشعر بالانزعاج من سلوكيات غوبلز وخططه غير الإنسانية لاضطهاد اليهود، وكان غوبلز من جانبه قد دعا شتراوس من وراء الكواليس للتخلي عمّا اسماه ردة فعله العصابية المنحلة، ولم تقلل الحظوة التي كان يتمتع بها شتراوس من شعوره الدائم بخطر التطرف النازي، حتى مسّه ذلك الشر شخصيا عندما اعتقلت زوجة أبنه اليهودية أليس مع أسرتها وأحفاده في نهاية الحرب العالمية وجرى ترحيلهم بشكل فوري إلى منطقة “لبترزين” الواقعة في ما يعرف الآن بجمهورية التشيك، وعندما باءت جميع جهود شتراوس لإطلاق سراحهم بالفشل، ذهب شخصيا إلى معسكر الاعتقال في محاولة لاستخدام نفوذه والحصول على إذن بإطلاق سراحهم، لكن من دون جدوى، وماتوا جميعهم إذ لم ينج أحد من معسكرات الاعتقال النازية تلك.

في الواقع لا توجد إجابات سهلة عندما يتعلق الأمر بمسألة الفن والسيرة الشخصية والأخلاق، وظل الخط الفاصل بين المقاومة السلبية والتعاون في ألمانيا النازية مثار جدل وخلط مطلق وأبشع من كل شيء.

لكن ما زال الجميع يتعجب من قدرة الموسيقى على تجسيد الجمال والحقيقة الإنسانية، حتى وإن حفّت منتجيها الكثير من التهم والممارسات السلبية، وما زال هناك من يقول إن منتج الفن الخالص كان في أرقى تجلياته الإنسانية لحظة إبداعه، أما خارج نطاق ذلك فخارج نطاق الفن وفي عهدة التاريخ.

10