ريتشارد فالك: الأميركيون مهووسون بالتدخلات العسكرية

الثلاثاء 2015/08/04
عجلات العنف في منطقة الشرق الأوسط تدور بسرعة متزايدة

لندن - كتب المقرر السابق لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة ريتشارد فالك منتقدا تطورات الوضع في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة: “بعد الربيع العربي كنت متفائلا جدا بشأن عمليات التغيير الثورية، ولكن إذا نظرتم إلى الوضع في المنطقة الآن، هناك جو من استعادة الاستبداد أو الحرب الأهلية. هناك فوضى في حالة ليبيا، وإلى حد ما، في حالة اليمن أو في سوريا والعراق”.

ويبيّن فالك، أستاذ القانون الدولي، المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في كتاب صدر حديثا له بعنوان “الفوضى والثورة المضادة بعد الربيع العربي” أن السبب الرئيسي وراء حالة الفوضى التي استشرت في المنطقة يكمن في ما وصفه بـ“هوس أميركا بالتدخل العسكري”.

ويقتفي الكتاب أثر الكثير من الفوضى الإقليمية الحالية ليخلص فالك قائلا “ببساطة حيث يوجد النفط وحكومة معادية للغرب في السلطة، يتبع ذلك لجوء إلى الخيارات العسكرية أو على الأقل تأكيد على العقوبات التي تهدف إلى أن تكون معيقة للاقتصاد ومغيرة للأنظمة” (ص 204).

ويبرهن على ذلك بالتدخل العسكري في العراق وليبيا الذي يعتبر تبريراته باطلة ولم يكن له أي أساس أو مستند قانوني. ومن ثم يقول فالك إن الحرب الأميركية البريطانية في العراق لم تكن “مجرد كارثة على سلام واستقرار الشرق الأوسط، بل كانت كذلك انتكاسة قوية لسلطة القانون الدولي واستقلالية الأمم المتحدة”.

وفي قراءتها لكتاب ريتشارد فالك، تقول الكاتبة والناشطة الحقوقية هيلاري وايز إن ما يقدمه ريشارد فالك في كتابه الجديد أكثر بكثير مما يوحي به العنوان. ربما يكون تركيزه منصبا على ما بعد الربيع العربي، لكنه يمكن أيضا أن يكون مقدمة للتيارات السياسية المتقاطعة والصراعات المسلحة التي زعزعت المنطقة على مدى الخمسين سنة الماضية.

وترى وايز أن فالك، الذي تشاطره الاهتمام بوضعية حقوق الإنسان في فلسطين، استفاد كثيرا من تجربته كمقرّر خاص للأمم المتحدة حول الشرق الأوسط، بين سنتي 2008 و2014 فلم تمنحه هذه السنوات التي قضاها مع الأمم المتحدة إضافة إلى مرجعيته القانونية وجهة نظر تحليلية فريدة من نوعها فحسب، بل يمتلك فالك مؤهلات جيّدة بصفته ناشطا يعمل من أجل نظام عالمي أكثر عدلا. وهذه المؤهلات تكونت خلال معارضته على مدى عشر سنوات لحرب الفيتنام التي يراها بمثابة زرع بذور لسياسة التدخل العسكري في الشرق الأوسط وغيره.

ويعرف فالك لدى الكثيرين، خاصة لنقده المفصل والصريح لسياسات إسرائيل ودعم الولايات المتحدة لها. وتقول هيلاري وايز في هذا السياق “ومن سخرية المواقف أن قرار إسرائيل القاضي بطرده في سنة 2008 هو ما دفعه إلى دراسة أجزاء أخرى من المنطقة بعمق أكبر، مما أعطى إمكانية لظهور هذا الكتاب. وهذا الكتاب هو فعلا مؤلف مصاحب لكتابه ‘فلسطين، مشروعية الأمل’ الذي ظهر في سنة 2014. التركيز هنا ينصب على البلدان الأخرى في المنطقة مع تخصيص فصل خاص لكل من مصر وليبيا وسوريا وتركيا وإيران والعراق”.

متاهة محيرة لصراعات السلطة

وكان فالك معارضا لدعم بلده لشاه إيران، وتابع عن كثب ظهور الثورة الإيرانية بجذورها وفروعها. ويقارن ذلك بالانتفاضتين الأخيرتين في مصر وتونس “اللتين اكتفتا بتخليص البلاد من الحاكم البغيض، لكن سعتا إلى تحقيق أهدافهما الاقتصادية والمتعلقة بإرساء النظام الديمقراطي عبر النظام الراسخ المرتبط بالنظام القديم” (ص 202). ويقول فالك ضمنيا إن هذا هو أحد أسباب إخفاق “الربيع العربي” في مصر بالرغم من أنه يبقي على بعض الأمل لتونس التي تمتلك موقعا استراتيجيا أقل أهمية و”تنعم سياسيا بغياب البترول” (ص 229)، ومن ثم هي أقل عرضة للتدخل الأجنبي.

ورغم موقفه المعارض للنظام الإيراني، يعلّق فالك على التهديدات الموجّهة إلى إيران قائلا “لا وجود لأي حجة أو سابقة في القانون الدولي لتبرير مهاجمة دولة ذات سيادة لأنها أصبحت نووية. وقبل كل شيء أصبحت إسرائيل دولة تملك أسلحة نووية خفية قبل عقود دون أن تواجه أي معارضة من الغرب، والشيء نفسه ينطبق على الهند وباكستان وحتى شمال كوريا” (ص 224).

وتشير هيلاري وايز إلى أن فالك جمع مختارات كتابه من تدويناته التي بدأ يكتبها منذ سنة 2011 إلى سنة 2015، تاريخ إصدار الكتاب، معلّقة على ذلك قائلة إن “شكل التدوينة يمنح تحليله نضارة وحينية… ويمكّن هذا الأسلوب الذي يعتمده الكاتب القارئ من إيجاد طريقه عبر المتاهة المحيرة لصراعات السلطة والتحول في التحالفات التي تميز الشرق الأوسط”.

وفي كثير من الحالات ثبت أن الهواجس التي نقلتها تدوينات فالك (مثل تحذيراته فيما يتعلق بتدخل الناتو في ليبيا) لها ما يبررها.

لذلك من غير المفاجئ أن نجد ريتشارد فالك غير متفائل بخصوص مستقبل المنطقة، لكنه يقدم حلا جزئيا للصراعات والتوترات إذ يقترح “منطقة خالية من الأسلحة النووية بالتوازي مع اتفاقية إطارية للأمن الإقليمي المشترك تضم إيران وإسرائيل. وإذا تدعمت هذه الخطوات بضغط جيوسياسي فعال لقبول مبادرة السلام العربية التي وضعت في سنة 2002، ستتحسن كثيرا آفاق السلام والأمن الإقليمية” (ص 18).

ويعتقد ريتشارد فالك أن الذي سيسود فعلا هو تواصل هوس الولايات المتحدة بالخيارات العسكرية من ضربات جوية بما في ذلك استعمال الطائرات دون طيار، واستخدام القوات البرية المحلية لتفادي الضحايا بين الجنود الأميركيين مع عدم الاكتراث للآثار المدمرة على السكان المحليين. وكما تشير هلاري وايز فقد طغت على الجمل الأخيرة لتحليل فالك نبرة يأس، إذ يقول “يحدث تكرار محبط بدلا من تجديد يرفع المعنويات وتدور عجلات العنف بسرعة متزايدة”.

7