ريتشارد فلاناغان يفوز بجائزة البوكر عن روايته "الطريق الضيق إلى أقصى الشمال"

الخميس 2014/10/16
ريتشارد فلاناغان الأسترالي الثالث الحائز على هذه الجائزة العالمية المرموقة

لندن - قد يتساءل القارئ عما جرى لفن التجريب في الرواية حين تفوز بالبوكر رواية عائلية شخصية مغرقة في العاطفية، لا يختلف أسلوبها في الواقع عن روايات مؤلفها السابقة. الأرجح أن لجنة البوكر استنفدت مخزونها من الجرأة حين منحت رواية “الأجرام المنيرة” لمواطنة نيوزيلاندية “إليانور كاتون” الجائزة في العام الماضي، أو لعل اللجنة لا تعبأ كثيرا بفكرة الابتكار، فاختيار هذا العام آمن ثابت الأقدام بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ومَن منا لا يحب فيلم الخمسينات البريطاني “جسر على نهر كواي”؟

قضى الأسترالي ريتشارد فلاناغان (52 عاما) اثنتي عشرة سنة حتى خلّد ذكرى أبيه في رواية “الطريق الضيق إلى أقصى الشمال” الفائزة بــ50000 جنيه إسترليني متفوقا على البريطاني هاوارد جاكبسون والاسكتلندية ألي سميث والبريطاني الهندي المولد نيل موكيرجي والكاتبين الأميركيين كارين جوي فاولار وجوشوا فيريس، والأخيران بالإضافة إلى موكيرجي يمثّلون عامل التجريب الأدبي في هذه القائمة.


أعظم اختراعاتنا


كان كل المرشحين قد التقوا مؤخرا في مهرجان شلتنهام البريطاني ليتحدثوا دون كلفة عما سيفعلونه عند الخسارة وكيف سيجابه الفائز “كابوس الإعلام”.

وقد لاح ريتشارد فلاناغان بالفعل مأخوذا تماما بالإعلان عن فوزه حتى إنه عانق بتلقائية دوقة كورنوول أثناء تسلمه الجائزة.

بتواضع محبّب قل وجوده صارح الحضور قائلا، “لم آت من خلفية أدبية، فقد نشأت في بلدة تعدين صغيرة تقع في غابة استوائية بجزيرة عند نهاية العالم. كان جدايّ أمّيين. ولم أتوقع أبدا أن أقف هنا أمامكم كاتبا ينال كل هذا التكريم في هذه الصالة الفخمة بلندن”.

شدّد أيضا على قيمة الرواية نافيا اعتقاد البعض المتشائم بأنها في طور الشيخوخة، “إنها واحدة من أعظم اختراعاتنا الروحية والجمالية والفكرية”. لا يعتقد فلاناغان أن الرواية مرآة للحياة أو تفسير للحياة أو دليل إليها، “إن الرواية هي الحياة”.

سأله أحد الصحفيين عما سيفعله بأموال الجائزة، فأجاب بأنه سينفقها على “الحياة”. يأخذ فلاناغان بأسباب حياة فقيرة حتى إنه فكر قبل عام في الحصول على وظيفة في مناجم شمال أستراليا كي يغطي نفقات أسرته.

رجل مصاب بالجدري يبكي في ركن المطبخ

لِمَ يقبع الضوء دوما في مستهل كل الأشياء؟ كانت أولى ذكريات دوريجو إيفانز هي الشمس الغامرة لقاعة كنيسة، جلس فيها برفقة أمه وجدته. قاعة كنيسة خشبية. أعمى الضوء الأبصار وهو يدرج ذاهبا آتيا، داخلا وخارجا من ترحابها المتسامي، نحو أيادي النساء. نساء أضمرن له حبا. فكان الأمر أشبه بالخوض في بحر ثم العودة إلى الشاطئ، مرارا وتكرارا.

يباركك الرب، تقول أمه وهي تحمله ثم تتركه. يباركك الرب، يا بني. لا بدّ أنه عام 1915 أو 1916. لا بدّ أنه بلغ عامه الأول أو الثاني. أقبلت الظلال فيما بعد في صورة ساعد يرتفع، تثب حدوده السوداء في ضوء مشحّم نابع من مصباح مضاء بالكيروسين. كان جاكي ماجواير جالسا في مطبخ أسرة إيفانز، مطبخ مظلم صغير الأركان، يبكي. لم يكن أحد يبكي وقتذاك، عدا الرضع.

كان جاكي ماجواير رجلا كبيرا، لعله في الأربعين، لعله أكبر، حاول أن يكفكف الدموع عن وجهه المصاب بآثار الجدري بظاهر يده، ولربما بأصابعه؟

لكن بكاءه طغى في ذاكرة دوريجو إيفانز. ذكّره إيقاعه البطيء بأرنب يخبط الأرض بقدميه الخلفيتين والشرك يخنقه، الصوت الوحيد الشبيه به الذي سمعه على الإطلاق. كان في التاسعة، دلف إلى الداخل كي يحمل أمه على النظر إلى بثرة دموية على إبهامه، وما كان لديه شيء آخر ليقارنه به.

كان قد أبصر رجلا ناضجا يبكي مرة واحدة من قبل، في مشهد مفعم بالدهشة، حين آب أخوه توم من الحرب العظمى في فرنسا وترجل من القطار. طوّح حقيبة الجندي على غبار ساخن، اعتـلى الخط الجـــانبي لينفجر فجأة في البكاء.

عندما شاهد دوريجو إيفانز أخاه، تساءل عن سبب بكاء رجل ناضج. وبعدها، بات البكاء ببساطة تأكيدا للشعور، والشعور هو البوصلة الوحيدة في الحياة. صار الشعور دارجا، وصارت العاطفة مسرحا لم يعد ممثلوه يعرفون هويتهم بعيدا عن خشبة المسرح. سوف يحيا دوريجو إيفانز فترة طويلة تكفي ليشهد جميع هذه التغييرات. وسيستحضر عهدا خجل الناس فيه من البكاء. خشوا ضعفا دلّ عليه، عناء أفضى إليه. سوف يحيا ليرى أناسا يتلقون الثناء على أفعال لا تستحق الثناء، فقط لأن هناك مَن اعتقد أن الحقيقة تؤذي مشاعرهم.

حين عاد توم في تلك الليلة، أحرقوا القيصر على نار أوقدوها في الهواء الطلق. لم ينطق توم بكلمة عن الحرب، عن الألمان، عن الغاز والدبابات والخنادق التي تناهت إلى أسماعهم. لم ينبس بكلمة مطلقا. مشاعر إنسان واحد لا تساوي، دائما، كينونة الحياة بأسرها. أحيانا ما لا تساوي أي شيء البتة. ما ندّ عنه إلا التحديق في ألسنة النار.

* (مقتطف من الفصل الأول للرواية الفائزة)، ترجمة هالة صلاح الدين


ملحمة متكررة


لن ننكر أن رواية “الطريق الضيق إلى أقصى الشمال” قصة حب جيدة، وصفها الحكام بأنها “تركلك بقوة هائلة في معدتك” إلا أنها لم تركل كل أعضاء اللجنة، إذ صرح إيه سي جريلينج رئيس الحكام أن الخيار لم يكن بالإجماع، ولعلنا نحن القراء نطمح إلى ما يزيد على الجودة والركل من لجنة البوكر.

تتحلى الرواية بملامح الأعمال التقليدية الكبرى: 200000 سجين أو عامل سخرة يقضون نحبهم، رقم يقول المؤلف بنبرة منكسرة إنه “يمثّل جثثا تفوق عدد كلمات روايتي”، تنفض وقائعها على مدار نصف قرن وكأنها فيلم سينمائي، وشأن ملاحم الهزيمة والنجاة لا تنحصر في بقعة واحدة، وإنما تطير بين جزيرة تسمانيا، مسقط رأس المؤلف، واليابان وسكة حديد بورما-تايلاند.

استوحاها المؤلف من حدث عالمي وشخصي في الوقت نفسه: سجناء أستراليون في معسكر أرغمهم اليابانيون على تشييد “سكة حديد الموت” في بورما إبان الحرب العالمية الثانية، وقد أشاد رئيس اللجنة “بإنسانيتها الذكية، ليست عن الحرب العالمية الثانية وحدها، إنها عن أي حرب.”


الحب والحرب


وما من حرب تشتعل دون قصة حب يائسة ترافقها، فذكرى حب الجراح دوريجو لزوجة عمه الشابة تطارده بلا هوادة، بينما يكافح مثلما هو خليق بالأبطال العظماء حتى يقي رجاله من الموت جوعا أو بالكوليرا والتعذيب.

خبر أبو المؤلف هذه المحنة ونجا منها عائدا إلى وطنه بطلا رغم أنفه. يزعم فلاناغان أن القصة ليست قصة والده وإن طرح عليه الأسئلة عن طبيعة الوحل، ورائحة عظمة القَصبة المتعفنة عند إصابتها بقرحة، وطعم الأرز الحامض على الإفطار.

كان الأسترالي فلاناغان قد سافر إلى اليابان قبل كتابة الرواية حتى يتعقب أثر حراس معسكر أبيه. استوقف المؤلف أن أشدهم وحشية، في رأي أبيه، كان “عجوزا دمث الخلق”! لا ريب أن اللجنة تقف على قصة الأب المبكية وتعلم أن الأب وافته المنية فور انتهاء الابن من مخطوطة روايته.

ولكن حتى قصص الحرب الملحمية، إن كتبت في القرن الواحد والعشرين، ينبغي أن تَنعم بأسلوب ينتمي إلى القرن الواحد والعشرين، وأخال أن الحسنة النادرة في هذه الرواية -ولعلها عتيقة بقدر كل سماتها الأخرى- هو إدماج المؤلف لقصائد غامضة الوقع تستعصي على السبر في الرواية، أسبغت بعدا رمزيا على الحدث، وبسطت قماشة شفافة من التخمين لإشعال خيال القارئ، إنها إيماءة المؤلف الوحيدة لفن التكنيك.

قد يحسب المرء أن قصائد الشاعر الياباني باشو لا محل لها في رواية عن الوحشية، ولكن “إيجاز باشو المتبلور لا يمنح فلاناغان عنوان روايته فقط، وإنما أيضا رقيا وغورا يتعذر استقصاؤه” وفقا لكلمات الناقدة كاثرين تيلور في جريدة “ذا تيليغراف”.


البريطانيون مطمئنون


وهكذا خبت مخاوف النقاد البريطانيين من هيمنة الأميركيين على الجائزة المرموقة، في هذا العام على أية حال. ما عادت جائزة المان بوكر توحي إلينا بثقــــافات بريطانية أو كومنولثية خالصة، لقد تم غزوها بعد خمسة وأربعين عاما من قِبل كل من يكتب باللغة الأنكليزية، وأبرزهم الغول الأميركي، لتخضع مثلها مثل الكثير من الفعاليات الثقافية لفن التسويق العالمي وآلياته.

ولكن هل يحتاج الأميركيون حقا إلى فرصة كسب مادي ومعنوي أخرى؟ إن دولتهم الفسيحة تقدّم جوائز بوليتسر، وبن/هيمنغواي، وفلانيري أوكونر، وجائزة المجلة القومية، وجائزة حلقة النقاد لأفضل كتاب على المستوى القومي، علاوة على أن كل مطبوعة قومية، كمجلة “ذانيويوركر” وجريدة “لوس أنجلوس تايمز”، لها جائزتها، والقائمة تطول، وكلها جوائز ليس من المحتمل أن تنفتح أبوابها في الغد القــريب للبريطانيين والأستراليين.

كان الروائي الأسترالي بيتر كاري الفائز بجائزة المان البوكر قد شن هجوما حادا على متخذي قرار الانفتاح العشوائي قائلا إن “النكهة الثقافية المتفردة للجائزة سوف تضيع” بينما فسر جوناثان تيلور رئيس مجلس إدارة مؤسسة جائزة البوكر قرار التوسع برغبتهم في الاعتقاد بحرية اللغة الأنكليزية “بكل تعددها، بكل قوتها، بكل حيويتها ومجدها أيا كان مكانها. إننا ننبذ قيود الحدود الجغرافية والقومية”.

الواقع أن القائمة القصيرة تعبّر بالفعل عن مستقبل آداب اللغة الأنكليزية، إذ تحوي الرواية الكلاسيكية المعهودة وتلك المعاصرة الممعنة في التجريب، ثمة كتاب يسردون حدوثة يجدها النقاد قيّمة فقط لما فيها من مغزى أخلاقي وإنساني، مثل فائز هذا العام، وكتاب يتحدّون الصوت الأدبي السائد، مثل البريطاني الهندي المولد نيل موكيرجي، بل إن التلهف الأميركي المعاصر يتجلى هو الآخر في صورة رواية جوشوا فيريس الإنترنتية، وكما ودّ أصحاب القرار بالتوسع تترامى القائمة جغرافيا ما بين الهند واليابان واسكتلندا وأميركا وبريطانيا وتسمانيا.

14