ريتو بولفير رسام الليونة والحركة الموسيقية

الاثنين 2014/03/17
القماشة عند بولفير نسيج لغوي ولعب بالمفردات

برلين - بمزاج أنثوي مترف يلصق الفنان السويسري ريتو بولفير (مولود عام 1981 ويقيم في برلين) قطع أقمشته، الواحدة بالأخرى ليصنع منها مساحاته، بعد أن يكون قد رسم عليها باليد وليعلقها في ما بعد على السقف، أو في الممرات التي تفصل بين مكانين أو على جدران القاعة، التي غلفها ذات مرة بقطع قماش صُنع من القطن غير المقصور، في محاولة منه للتأثير على بصر المشاهد، الذي ستبهر عينيه حركةُ الألوان التي تقع بسبب هفهفة القماش المستمرة على السقف أو في الممرات. هناك شيء من التأثير يُولد بسبب تلك الحركة المستمرة، وهو ما دعا بولفير إلى أن يستند في الكثير من تفسيراته لأعماله إلى العلاقة ما بين السكون والحركة، الركود والتحوّل.

يستعيد بولفير البلاغة القديمة، ليوظفها كما لو أنه يبتكرها من أجل أن تشكل بوصلته وهو يرتاد عالما مؤقتا، سيكون دائم التحوّل من خلال تأثيراته المربكة. فبسبب الحركة المنسابة لسطح العمل الفني، وهي حركة قد لا تكون متكرّرة بالطريقة نفسها، فإن ما يحدث لعين المشاهد يكون شبيها بتلك الإستراتيجيا اليونانية القديمة التي تعتمد على فن الاستذكار.

الفنان يترجم هنا أنماط التفكير في شكل ثلاثي الأبعاد: يستخدم الأوراق الشفافة الملونة، ورذاذ الأصباغ و”راكو” السيراميك وسواها من المواد التي تشحن المفردات بخفة مضافة. “أنا بستاني، لي حديقة خيالية. إنها لا تختلف كثيرا عن الأماكن الحقيقية. في تلك الحديقة، كل مسمار وقلم رصاص وقطعة من الخشب لديه حساسيته الخاصة” يقول بولفير.

ينظر بولفير إلى العديد من أعماله كما لو أنها أجزاء من لعبة، يمكن إعادة تثبيتها، في كل عرض بطريقة تختلف عما كانت عليه في العرض السابق. هو ما اكتسبه كما يقول من قواعد اللغات الاشتقاقية. الحروف نفسها، لكن مع إعادة تركيبها ولصقها من جديد تولد كلمات جديدة، قد لا تمت بصلة إلى الجذر اللغوي. ومثلما تُطلق على الفن الذي يمارسه بولفير تسمية”النسيج” فإن الفنان يتوقف كثيرا عند مفهوم النسيج اللغوي، وهو هنا يعيدنا إلى غواية اللعب بالمفردات، من جهة قدرتها على أن تنطوي على الكثير من المعاني غير المتوقعة.

وما ساعده في الوصول إلى مفهومه التأثيري هذا، أن مادة أعماله تتميز بليونتها وشفافيتها وقدرتها غير المحدودة على الحركة. تلقائيا، يبدو بولفير متأثرا بالموسيقى. إنه يعنى بالصوت التي يطلقه النسيج، كما لو أن الهواء الذي يتخلل ذلك النسيج هو مصدره. شيء من الخيال التجريدي يحتاجه المرء لكي ينفصل عمّا يراه بشكل مباشر، ليسافر خفيفا بين أصوات، تصدر من أعماق النسيج.

وهي الأصوات التي غالبا ما تأخذ هيأة ملوّنة لتغزو العين برذاذها. وهي لعبة تكاد لا تنتهي، ينفتح الفصل منها على الفصل الذي يليه، شبيهة بالحكايات التي يسلم بعضها قارئه إلى البعض الذي يليه، وهكذا يستمرّ العرض، كما لو أن المشاهد يتنقل بين مجموعة متلاحقة من الأحلام.

16