ريدلي سكوت من "مملكة السماء" إلى "الخروج" نحو التيه

السبت 2014/12/06
ريدلي سكوت صانع الأفلام الضخمة

برلين- ريدلي سكوت المخرج البريطاني المولع بالعوالم البعيدة، المريخ والفضاء، الزمن القديم، والحروب الصليبية، القدس، صراع الآلهة القديمة على صنعتها البديعة (الإنسان)، وصل أخيرا إلى أرض مصر، ولكن في زمن قديم أيضاً يبحث فيه سكوت عن تفاصيل ولادة موسى وشبابه، ثم خروج اليهود من مصر الفرعونية.


العالم ينتظر سكوت


كثيرا ما انتظر العالم، المشاهدون والنقاد، وأكاديميات السينما، وماكينة السوق، ما الذي سيقدّمه سكوت في مفاجأته القادمة، وكيف سيكون شكل تلك المفاجأة السينمائية، جديد هو التحدي الذي يأتي به سكوت كل مرة، في الفكرة والشكل، “روبن هود” و”مملكة السماء” وأعمال كثيرة كان قد مرّرها إلى صالات العرض، ليس فقط بحثاً عن العمل والإنتاج الكبير، ولكن أيضاً بحثاً عن أفكار جديدة تتصيدها شباكه عبر الزمن، “هانيبال” الدكتور ليختر، آكل لحوم البشر، الذي قدّمه السير أنتوني هوبكنز، في أجزاء انتشرت سريعا في العالم، ودخلت في أيقونات الحياة اليومية لسكان الأرض، قبل أن يتجه إلى اكتشاف المريخ، والبحث في أصل الإنسان وصانعه، مبتدئا من بروميثيوس، الإله الذي كلّفه زيوس بصنع البشر، فأراد أن يكون للإنسان ما للآلهة، فعاقبته الأخيرة بالنفي وبأكثر من النفي، بعد أن سرق النار ومنحها للبشر، وهي مصدر الطاقة والنور والمعرفة، فتم ربط بروميثيوس بسلسلة في جبال القفقاس لتأكل كبده النسور نهارا وفي الليل تنمو كبده من جديد، لتأتي النسور وتنهش كبده صباحا، فيلم ريدلي سكوت عن بروميثيوس، لم يكن سوى نعي طويل لذلك الإله المحب للإنسان، ولكنه فيلم بلا حكاية تنتهي، تبدأ لتبدأ، وتعود لتبدأ من جديد في رحلة البحث عن الخلق والجذور السحيقة للبشر.


سكوت المجالد


الجلد الذي يظهره سكوت في عمله، يشبه إلى حد بعيد، بطل فيلمه “المجالد” (غلادياتور) الذي قدمه في العام 2000، متحملاً كل مشقة العمل من أجل الانتصار، ولكن سكوت لا يعرف ما الذي يجب أن ينتصر عليه، وهو يتقدم في عالم السينما، دون أن يضع لنفسه مؤشرا يلحقه، أو مثالا ينوي التغلب عليه، فلا أحد يشبه ريدلي سكوت في عالم السينما، ولذلك فإن سكوت لا يريد تجاوز أحد، إنه هو، من يريد الانتصار على نفسه كل مرة.

مغامرة ريدلي سكوت في السينما لم تعد تنحصر في البحث عن الشكل الباذخ، بل إن سكوت تجاوز هذا في إبحاره خلف الفكرة

ابتكر سكوت شخصيات استعملتها السينما، كائنات فضائية، غرباء قادمين من العوالم الغامضة، عدوانيين، متوحشين، متطورين جينيا، متأخرين أخلاقيا عن حضارة الإنسان، يصنع أعماله بمشهدية قصدية لا تخطئها عين المشاهد، فهي حوله في كل مكان في الفيلم، تخرج من كل زاوية، وتختبئ في كل مشهد.


بذخ الإنتاج


بعد أن قام بإنتاج أعمال بنفسه، تكلفتها حوالي عشرة مليون دولار، تجاوز سكوت اليوم منافسه سبيلبيرغ، في ترف الإنتاج، وأخذ يغدق على الأعمال السينمائية، متأكدا من نجاحها، حتى صار البذخ فلسفة عمل، أكثر من حاجة تقنية، كما في حالة استخدامه لإحدى عشرة كاميرا وأحياناً خمس عشرة كاميرا لتصوير مشهد واحد في بعض أفلامه، وهو عدد كبير جدا قياسا بطرائق المخرجين، يستخدم سكوت الطائرات المروحية، والكاميرات الثابتة، وتقنيات الإعلان، فقد صنع أكثر من مئتي إعلان تلفزيوني قبل أن يدخل عالم الإخراج السينمائي، لكن هذا لم يعد مهما في عالم ريدلي سكوت، بعد أن اكتشف أن ضالته هي الفكرة، في فيلم “كيان من الأكاذيب” الذي تسبب في غضب العرب والمسلمين، بسبب قضيته ومعالجته لفكرة الإرهاب، وما اعتبر إساءة لبعض البلدان العربية، حاول سكوت أن يعوّض ما خسره في “مملكة السماء” حين مجدّ صلاح الدين الأيوبي وأظهره كما وصفه التاريخ، متسامحا أقام العدل وحرّر مدينة القدس، وفتحها لجميع الأديان بعد أن كانت تحت الاحتلال الصليبي، مغامرة سكوت في الفيلمين كانت اكتشاف العرب والمسلمين، لا أكثر، ببساطة كان يريد أن يعرف، ولكن من خلال عمله وزجّ نفسه في الأتون، وقد فعل.

سكوت ولد في ساوث شيلدز في إنكلترا، ودرس في الكلية الملكية للفنون في لندن، أسرته بغالبيتها أسرة سينمائية، والده المخرج جاك سكوت، وشقيقه المخرج طوني سكوت، لم يطل به الوقت بعد تجريب العمل في الإنتاج الإعلاني، لينتقل هو الآخر إلى عوالم السينما، ولكن ريدلي لم يتوقف لحظة بعد ذلك، فحصل على ثلاث جوائز أوسكار، عن فيلمه “ثيلما ولويس” وعن فيلمه “المصارع ـ المجالد” وأيضا عن فيلمه “بلاك هاوك داون”، كما نال جائزتي غولدن غلوب، ولكن سكوت ما يزال يطلب المزيد.

تشكل سلسلة أفلام سكوت، نقاط تساؤلات إنسانية كبرى، تبدأ بالخلق والغرائز والخيال والمستقبل والصراعات الدينية والعرقية ودوامة الحاكم والمحكوم


الخروج


آلهة وملوك، أو “الخروج”، عنوانان اختارهما سكوت، لفيلمه الذي سيعرض خلال أيام في أنحاء العالم، من بطولة كريستيان بيل الذي سيقدّم شخصية النبي موسى، وجويل ايجرتون الذي سيظهر بدور الفرعون “رمسيس”، وآرون بول بدور “يوشع بن نون”، سيجورني ويفر وبين كنجسلي والإيرانية الفرنسية غولشفيته فرحاني في دور “نفرتاري”، وآخرين، سيراهم المشاهد في مصر القديمة الفرعونية، وسط الأعمدة الذهبية والأهرامات، والنقوش الهيروغليفية، حيث سيولد موسى ابن الفقراء، ويلقى في النهر، ثم يصبح قائدا في قصر الفرعون، قصة موسى المعروفة، ولكن بعين مشهدية كبيرة، تظهر البطولة من زوايا مختلفة، كما يراها سكوت تحديدا، لتتجمع في موسى كل شخصيات سكوت، من روبن هود إلى بروميثيوس وصلاح الدين، وليتجمع في رمسيس كل أشرار سكوت، من الكائنات الفضائية إلى الدكتور ليختر في هانيبال.

صحيح أن دراما موسى، قد قدمت من قبل في السينما العالمية، وكان أشهرها فيلم “الوصايا العشر” لسيسيل دي ميل في العام 1956، ولكن سكوت هذه المرة، قرّر الاستعانة بكبار كتاب السيناريو في العالم، كي يخرج الفيلم مختلفا، عن البعد التبشيري القداسي، فأتى بستيف زيلين وآدم كوبر وبيل كولاج، أراد سكوت لهذا الفيلم أن يكون أسطوريا، لا أكثر.

بلغت تكاليف إنتاج فيلم “الخروج” مئة وأربعين مليون دولار، والمفارقة أنه من إنتاج إمبراطور الإعلام روبيرت مردوخ، الذي دافع عن عدم تكليف ممثلين عرب ومصريين بالقول إن شركة فوكس لا تميز بين أحد من الممثلين على أساس العرق، وإن “جميع المصريين الذين أعرفهم بشرتهم بيضاء”، قام سكوت بتصوير الفيلم بمدينة ألميريا في أسبانيا، وبنى فيها ديكورات وهياكل لمصر القديمة، وصوّر بعض مشاهده في أسوان.

يتقاطع هذا الفيلم مع فيلم حمل الاسم ذاته، ولكنه صوّر في العام 1960، فكان “الخروج” فيلما يتحدث عن عرب ينبشون مقابر اليهود لأسباب شهوانية، مما تسبب في تعاطف الرأي العام الأميركي مع الإسرائيليين، كما وصفت صحيفة ها آرتز، وقال عنه بن غوريون وقتها: “إنه أفضل بروباغاندا سبق تصميمها لدعم إسرائيل”، بينما كتب عنه المفكر العربي الأميركي إدوارد سعيد إنه لا يزال محوريا في تشكيل وجهة النظر الأميركية تجاه إسرائيل.

كلّف فيلم "الخروج" لرديلي سكوت مئة وأربعين مليون دولار، وأنتجه إمبراطور الإعلام روبيرت مردوخ، الذي دافع عن عدم الاستعانة بممثلين مصريين نافيا عنصرية شركته فوكس 20


ماذا دار برأس سكوت


لا شك أن سكوت يقضي معظم وقته في التفكير، في كيفية الربط ما بين الراهن ومادة التاريخ والمستقبل في بعض الأحيان، ولا شك أن مصر شغلت بال المخرج الكبير، حكم مصر، الذي شهد العالم تصدّعه والصراع عليه في العام 2011، ثم المسار الذي اتخذ شكلا ديمقراطيا ثم انهار، ثم الرجل القوي الذي خرجت ملايين تطلب وجوده ليحكمها، وقبل هذا ومعه وبعده، كانت الثورة، تلك اللحظة التي لا يريد ريدلي سكوت أن تفلت من بين يديه، ثورات الربيع العربي، التي أراد تجسيدها في “الخروج” بثورة الإسرائيليين، الذين كانوا يعاملون كعبيد في مصر، تحت وطأة الفرعون المستبد، القوة التي لا تقهر، والإله الذي يصرخ في الفيلم في وجه موسى: “أنا الإله”، بينما ستجري أمور كثيرة، بين الحاكم والمحكوم، وتتدخل السماء معاقبة الجيوش بمياه البحر، ولكن هذا يتضمن أيضا، عاملا ينقص المشهد الواقعي، فلا وجود لموسى في زمن الربيع العربي، ولا وجود للمعجزات التي تشق البحر وترسل الجراد على الأعداء، الواقع هو الموجود وتعويضه فقط عند ريدلي سكوت.

سؤال الدين، الذي يحرّك الجموع، في رأس سكوت، فلم يدفع الشعب المضطهد في مصر إلى الخروج مع موسى سوى أنه قال إن الرب تحدّث إليه، وأنه رسول الرب لينقذ الشعب، سؤال الشعب في رأس سكوت، هل المطلوب المزيد من الدين في حياة البشر كي يثوروا على الاضطهاد؟

ولكن سكوت يعرف ما يفعل، فلم يخرج الشعب المضطهد من مصر إلا إلى سيناء، حيث التيه العظيم الذي سيدوم سنوات طويلة، كفيلة بحمل رسالة سكوت في فيلم لا يمكن معرفة رسائله الدقيقة دون التمعن في كل مربع صغير في كادر ريدلي سكوت، لأنه لم يضعه عبثا بالتأكيد.


شق البحر في "الخروج"


وقد أثار فيلم "الخروج" الجدل بعد أن تعرض للعديد من الانتقادات بسبب ظهور شخصية موسى، ثم بدأت معركة جديدة تظهر في الأفق بسبب أحداث الفيلم نفسه وذلك بعد التصريحات التي أدلى بها بطل الفيلم كريستيان بيل و"تطاول" فيها على موسى، وهو الأمر الذي جعل الناقد الفني بيتر شتاواي يغضب من تلك التصريحات، إلا أنه تفاجأ بتصريحات مخرج الفيلم ريدلي سكوت والذي قال إنه صور معجزة شق البحر في "الخروج" على أنها حدثت نتيجة زلزال، وليست معجزة إلهية وهو ما يخالف التوراة والروايات الدينية، حين قال سكوت: "لا موسى ولا الله هو من سيفلق البحر ولكنه الزلـزال".

النسخة الأولى من فيلم "الخروج" أنتجت في الستينات، وكانت تهاجم العرب، وقال عنها بن غوريون إنها أفضل دعاية لإسرائيل، بينما وصفها إدوارد سعيد بأنها شكّلت وعي الأميركيين تجاه إسرائيل، بينما كانت قصة موسى قد عرضت في العام 1965 في فيلم "الوصايا العشر" لسيسل دي ميل

أما كريستيان بيل الذي يجسّد شخصية موسى لم يغضب النقاد فقط، بل حتى رواد المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، الذين أعلنوا، رداً على كريستيان، أن كلامه جعل العديدين يقررون مقاطعة الفيلم قبل بدء عرضه في الصالات.

وكان كريستيان قد قال عن موسى: "أظن أن الرجل كان على الأغلب مصابا بانفصام في الشخصية، وهو من أكثر الشخصيات الهمجية التي قرأت عنها في حياتي"، وأضاف أنه قام بدراسة عميقة لشخصية موسى، حيث قرأ التوراة والإنجيل والقرآن، و كتاب جوناثان كرش "حياة موسى".


السباق على موسى


كانت إيران قد قدمت قصة موسى في السينما، في فيلم حمل اسم "النبي موسى" من بطولة أحد أبطال ريدلي سكوت في فيلم الخروج ذاته وهو بن كينغسلي، مع آخرين، كما أعلن المخرج الإيراني فرج الله سلحشور مخرج مسلسل "يوسف" أنه بصدد إنتاج فيلم مسلسل عن موسى أيضاً، ومن أجل موسى، سافر ريدلي سكوت إلى أسوان، وأمضى وقتاً يشاهد ويعمل مع فريقه، وواجه بعض المشاكل مع الرقابة المصرية بخصوص محتوى الفـيلم.

ومما لا شك فيه أن هناك الكثير من التحفظات التي ستواجه الفيلم بعد أن يرى النور، لا سيما تفاصيل الفارق بين المقدس والتاريخي، وكذلك مسألة خروج اليهود من مصر، ودورهم في بناء الأهرامات والمجتمع المصري، الذي سبق ورفضته الحكومة المصرية، واعتبرت أنه ملفق ومزوّر، ووصل إلى منصة توقيع اتفاقية كامب ديفيد حين قال رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغين إن أجدادي بنوا الأهرامات، مما أحرج الرئيس السادات.

تم تصوير الفيلم في أستوديوهات باين وود في لندن وألميريا وأسبانيا وفيورتيفتورا في جزر الكناري، حيث تم تصوير شق البحر الأحمر، ولكن سكوت يرى أنه يقدّم ملحمة عن بطل شجاع أراد التغلب على طغيان الفرعون، شخصية زعيم شعبي، جمع أكثر من ستمئة ألف إنسان من "العبيد" ليهرب بهم خارج الاضطهاد، وسيدوم الفيلم ثلاث ساعات وعشرين دقيقة، وهو من أطول الأعمال السينمائية في التاريخ.

15