ريدلي سكوت يعود إلى الشاشة عبر كائناته الغريبة

بدأت سلسلة أفلام “الكائنات الغريبة” للمخرج ريدلي سكوت عام 1979، بطولة سيغورني ويفر، واستمرت بعدها الإصدارات التي تتابع حكاية الكائن الفضائي الذي يستعمر أجساد البشر ليتمكن من الاستمرار، واحتوت السلسلة أربعة أفلام آخرها عام 1997، وفي عام 2012 عاد سكوت لبناء خط حكائي جديد في “برومثيوس” الذي تدور أحداثه قبل الفيلم الأصلي، حيث نرى البشر يبحثون عن كوكب جديد لاستيطانه إلى جانب الإجابة عن سؤال فلسفي وديني مرتبط بأصل البشر واحتمال وجودهم في كواكب أخرى. ويُذكر أن كائنات سكوت المرعبة تحولت إلى جزء من الثقافة الشعبية لنراها تحضر ضمن منتجات فنية أخرى باعتبار أنها صارت أيقونة سينمائية وفنية.
الثلاثاء 2017/07/18
سفر الخروج الجديد

تشهد صالات السينما هذا العام فيلم “الكائن الغريب: التسوية” للمخرج ريدلي سكوت وبطولة مايكل فايسبندر، وتدور أحداث الفيلم بعد عشر سنوات من أحداث فيلم “برومثيوس” من السلسلة الشهيرة ذاتها، وفيه نشهد صراعا بين ثلاثة أشكال للحياة، وهي الكائن الفضائي والسايبري البشري والبشر الطبيعيون، والصراع يحدث ضمن فضاءين، الأول هو المستعمرة التي تحوي حوالي 2000 بشري يبحثون عن موطن لهم، والثاني هو كوكب يشبه الأرض وجده الفريق صدفةً.

ويعتمد الفيلم ذات الصيغة البصرية والتكوينات المرتبطة بالوحوش الفضائية التي عرفناها في الأفلام السابقة لريدلي سكوت، كما يطرح أسئلة فلسفية عن أصل البشر والطبيعة البشرية والصراعات الحيوية بينهم وبين الكائنات الأخرى.

ويبدأ فيلم “الكائن الغريب: التسوية” بلقاء بين دايفيد البشري السايبري الذي نال اسمه نسبة إلى تمثال مايكل أنجلو وصانعه بيتر ويلند، وهناك يدور بينهما حديث عن أصل الحياة، فدايفد الذي يؤديه مايكل فايسبندر يختلف عن البشر كونه لا يمتلك تساؤلات الخلق، فهو لا يمتلك عقدة أوديب، ربما لأنه مزدوج الجنس، كما لا ينتمي للبنى الثقافية والقيمية التي يمتلكها البشر.

وفي الفضاء الذي يجمع بين الاثنين نرى في الخلفية لوحة للفنان الإيطالي بييرو ديلا فرانشيسكا بعنوان “المهد”، والتي تعود إلى بدايات عصر النهضة وتمثل ولادة المسيح، لكن المثير أن رد فعل دايفيد تجاه اللوحة كان آليا، إذ يقول “هذا فن”، فهو يختزن المعارف الإنسانية دون الصراعات التي تحويها، وكأنه وراءها متجاوزا إياها، الفن بالنسبة له ليس عارضا مرضيا أو نتاج كبت أو محاولة لإصلاح العالم، وحياديته تجاه المنتج البشري تتطور لاحقا في الفيلم، إذ يفقد ثقته بالبشر بوصفهم لا يستحقون الحياة.

فيلم جديد يستكشف الطبيعة البشرية طارحا احتمالات الصراع بين البشر والكائنات الأخرى الموجودة خارج مجرتنا

ويجد فريق الاستطلاع بقايا وجود بشري حين تصل سفينة أعضاء الفريق إلى الكوكب الجديد، فهم وإلى جانبهم والتر النسخة المطوّرة من دايفيد يحملون “فانتازما” مثاليا عن الحياة الطبيعية التي يريدون التأسيس لها، لكنهم مُستَعمِرون وغزاة يبحثون عن احتمالات للحياة، وبعد تعرضهم للهجوم من الكائنات الفضائية، يكتشف الفريق أن دايفد الذي نجا من حطام بعثة استكشافية سابقة هو من يحكم الكوكب، وهو أشبه بشيطان مطرود من نعيم “الخالق”، وفي منفاه هذا يتحدى الشكل البشري “المرضيّ عنه”، فكما الخالق جعل البشر على شكله، دايفيد يريد شكلا جديدا، اللحم البشري ليس الجوهر، والتراب ليس الأصل، هو يجهّز لشكل جديد أكثر تفوّقا.

ووجد دايفيد الخارج عن طاعة “خالقه” نفسه متفوقا عليه، هو ليس عبدا للبشر الذين حرموه من أن يُبدع، كما أن صراعه مع والتر قائم على سوء فهم لغوي، هو الحب أو الواجب ما يدفع كل منهما إلى التصرف، وما يكتشفه والتر الذي يُهزم في النهاية، أن دايفيد يقوم بتجارب حيوية لتطوير سلالة حية جدية، فهو يستخدم البشر كمضيفين للكائنات الفضائية في سبيل أن تنمو كونها كائنات ساميّة تختزن أشكال الحياة الأخرى، وأجساد البشر هنا تحوي احتمالين للحياة، إما البشرية وإما الفضائية، ودايفيد ينتصر للفضائي كون البشر استنفدوا فرصتهم، إذ لا بد من شكل جديد “أرقى” يرى في دايفيد خالقا.

ويجعل الفيلم من البشري مهزوما دوما، مُشردا بين المجرات ومهددا بالضياع، فما هو “طبيعي” المتمثل في سيادة البشر وشكلهم الجسدي تعرض للانهيار، هم الآن مجرد فايروسات، كالكائنات الفضائية يبحثون عن “مضيف” لهم لتحقيق مبتغاهم المتمثل في أرضهم الموعودة.

ويحوي الفيلم العديد من المرجعيات الفنية سواء الموسيقية أو الأعمال التشكيلية أو حتى التجارب العلمية، وكلها تحمل صيغة مختلفة عن الصيغة التقليدية، إذ يحتفي الفيلم ببعضها بوصفها نزعات نحو تجاوز الصيغة البشرية، هي تعبير عن التوق إلى حياة ما بعد الإنسان، في محاولة للتشبه بالألوهة في عظمتها، وكأن دايفيد يسعى لجنة أخرى، وهذا ما نراه حين يعبر دايفيد في نهاية الفيلم حاضنات البشر في السفينة على أنغام موسيقية “دخول الآلهة” لفاغنر، ليبدأ بعدها بولادة بيوض الكائنات الفضائية واستخراجها من أحشائه لـ”زرعها” وحفظها، وكأنه يمهد لِخَلق جديد.

والجدير بالذكر أن فيلم “الكائن الغريب: التسوية” يحتمل الكثير من القراءات الثقافية، سواء على صعيد مرجعيات الأعمال الفنية فيه أو سردية ما بعد الإنسانوية التي يتبناها، إلى جانب التساؤلات المرتبطة بتطور السايبورغ المتمثل في الصراع بين دايفيد ووالتر، فسكوت يقدم صورة متخيلة عن مستقبل يَفقد فيه كوكب الأرض مركزيته، ويتحول الجسد البشري إلى غريب في الفضاء، لتغدو الكائنات الحية أشبه بسرطانات تتحارب من أجل البحث عن أرض صالحة للاستمرار في امتداد للنقلة الأنطولوجية المرتبطة بمسألة الهيمنة البشرية والتشكيك فيها وفي مدى جدواها في المستقبل.

16