"ريزن" فيلم يثير سؤال الزمن ولا يغوص ليكتشف الجواب

ظلّ عنصر الزمن عاملا فاعلا في المغامرة المستقبلية التي غالبا ما تشكل محورا أساسيّا في سينما الخيال العلمي، بل إنها حقا سينما مستقبلية تعنى بكل ما هو متخيَّل وما هو آت، ولوج مجرات وكواكب نائية يتم اكتشافها بفاصلة هائلة من السنوات الضوئية، أحوال الكوكب الأرضي في ما بعد الحروب والأوبئة في الزمن المستقبلي، مستحدثات العلم والتكنولوجيا من روبوت وكائنات مستنسخة كلها تشكّل علامة فارقة في سينما الخيال العلمي.
الاثنين 2017/09/25
الماضي مصدرا لمغامرة خيالية

يسير فيلم “ريزن” للمخرج مات ميشيل (إنتاج 2017) في الاتجاه المعاكس لدورة الزمن، فتوغل المخرج البريطاني في الماضي ليطلق العنان للخيال العلمي أن يفعل فعله في الأزمنة المجهولة.

في ما بعد الحرب العالمية الثانية واندحار النازية، سنكتشف دورا ما للناتو بعد سنوات من الصراع، الطرفان واقعيّا كانا يسعيان للتفوّق في كل الميادين لدحر الطرف الآخر، بما في ذلك الأبحاث الجينية والأبحاث المتعلقة بقدرات البشر.

وفي هذه الأجواء تجد فرانسيس (الممثلة لورا سويفت) نفسها في مكان تجهله تماما، امرأة بذاكرة مشوّشة وشبه ممحوّة، استذكاراتها ليست إلاّ خليطا من الصور المشوّشة المضطربة، لكنّ فيها الكثير من التعنيف والصعق بالكهرباء والتعذيب النفسي، حتى تبدأ تدريجيا باستعادة تلك الذاكرة المشوشة لتنظم إلى البروفيسور بوجهام (الممثل كريستوفر تاجا) الذي يعاني من الاضطراب نفسه، لكنّهما وهما يحاولان الخروج من المتاهة المغلقة التي هما فيها يتعرضان إلى هجمات متواصلة من كائنات زومبي متوحّشة تم إخضاعها لتجارب في تلك الأقبية المجهولة، وتتواصل أحداث الفيلم في خوض ذلك الصراع المضني مع أولئك الخصوم الشرسين، لينضم إلى الصراع جندي سابق ما زالت يداه مكبّلتين بالأغلال، وهو واحد من ضحايا الحرب (الممثل توني موردان).

تسعى فرانسيس مغالبة فترات الوهن التي تنتابها للخروج بحصيلة ما تتصدى من خلالها ليس للزومبي فحسب، بل لمن يصنعونهم ويوجهونهم، وهكذا تدخل في متاهات جديدة في تلك الأقبية المجهولة، وهو ما أراد المخرج من خلاله إنقاذ الدراما الفيلمية من الترهل ورتابة الإيقاع، لكن في واقع الأمر كان المكان هو المتحكّم غالبا في أغلب مشاهد الفيلم، ولم يكن الخروج من أسر المكان إلاّ من خلال زج مشاهد من الاستذكارات المشوّشة التي كانت تعتري الشخصيات وتخرجها من تلك الدائرة.

الفيلم يسير في الاتجاه المعاكس لدورة الزمن، حيث التوغل في الماضي لإطلاق العنان للخيال أن يقتحم الأزمنة المجهولة

يثير الفيلم أيضا أسئلة تتعلق بالسرد الفيلمي والأسلوب الذي لجأ إليه كاتب السيناريو والمخرج لإيجاد خطوط سردية موازية تتعلق بالشخصيات الأخرى، ومن ذلك مثلا العودة بالبروفيسور إلى وضعه العائلي وأسرته وذكريات بقيت حاضرة في الذهن تتعلق بهما، لكنه لم يبيّن على ما مرّ من شريط ذكريات ما هو أعمق مما يمكن البناء عليه سرديّا ودراميّا، وكذلك الحال بالنسبة للجندي الذي اقتصر دوره على نصرة فرنسيس والبروفيسور لا أكثر، ولم نستطع أن نكتشف الكثير في ما يتعلق بشخصيته، لا سيما أنه ذلك المحارب الذي خرج من حرب عالمية طاحنة، وإلاّ لماذا هو بزيّه العسكري، ولماذا هو هناك؟

في المقابل سعى المخرج إلى إيجاد وشيجة تربط ما بين الجندي وفرانسيس، وأحسبه نوعا من كسر الرتابة بإيجاد خط عاطفي يربط بينهما، لكنه خط لم يجر تعميقه أيضا، وتم الاكتفاء بنظرات إعجاب متبادلة لم تعمر طويلا أمام طوفان الصراع مع الزومبي.

وإذا عدنا إلى شخصية فرانسيس فماذا أراد المخرج لها أن تقوم من مهمة؟ واقعيا تم زجّها في صراعات لا تنتهي استعرضت من خلالها مهاراتها الفردية وقدراتها على القتال وإسقاط الخصوم، ولكن أولئك الزومبي الذين قاتلتهم هل أن ميزتهم الوحيدة أنهم ملثّمون وبلا صفات استثنائية تجعلهم متغلّبين على البشر؟

وذلك محور بقي غامضا إلى حدّ كبير على فرض أننا ما زلنا في دائرة البحوث البيولوجية والجينية التي كانت تجرى قبيل الحرب العالمية الثانية، والتي لم تتجسم أمامنا إلاّ من خلال استعراض جزء في ذاكرة مشوّشة وعمليات تعذيب تشبه تلك التي يتعرض لها السجناء في سجون الأنظمة الفاشية من قبيل الصعقات الكهربائية والاستدراج النفسي وما إلى ذلك.

على صعيد المكان لم يكن القبو المعتم بصفته المكان الرئيسي الذي شهد أغلب أحداث الفيلم ذا قيمة إضافية في ما بعد منتصف الزمن الفيلمي، إذ ضعفت الحبكات الثانوية إلى حد كبير والغموض الذي كان يسيطر على الأحداث زاده المكان المغلق والقبو المعتم غموضا إضافيا، وذلك جزء من الجدل الذي أثاره الفيلم في هذا المجال مع سعي المخرج لإيجاد مقتربات جديدة تتعلق بشخصية فرانسيس، إلاّ أن ذلك لم يكن كافيا.

ما بين الزمن المستقبلي الذي تشتغل عليه أفلام الخيال العلمي وبين العودة إلى الماضي واستثماره لبناء قصة خيالية، تكمن ثيمة هذا الفيلم في محاولة تجسير المسافة بين تلك الأزمنة، إلاّ أنه أثار سؤال الزمن من دون إن يتعمق في الإجابة عنه.

16