ريشة تسرد الإنسان الفلسطيني تاريخيا وجغرافيا

برتقال سليمان منصور يحفر عميقا في جدران العزل.
الجمعة 2021/04/09
أبواب العودة إلى أرض خصبة

ماذا يُمكن أن يُقال عن فنان بأهمية الفنان الفلسطيني سليمان منصور؟ سرد جديد لمساره الفني طويل؟ أو معاودة الإضاءة على مدى تأثيره على الساحة الفنية؟ لا يهمنا ذلك هنا بقدر ما تهمنا رؤية الفنان وأعماله من خلال لوحة ذاتية رسمها في زمن الحجر، ونشرها على صفحته الفيسبوكية.

منذ سنتين حضر إلى بيروت الفنان الفلسطيني سليمان منصور مع فنانين فلسطينيين رائدين آخرين هم فيرا تماري ونبيل عناني وتيسير بركات للمشاركة في ندوة حول معرضهم الجماعي الأوّل في بيروت ضمن التعاون بين “دار النمر للثقافة والفن” و”مؤسسة الدراسات الفلسطينية”، احتضن معرض “هموم الهويّة” مجموعة من أعمال الفنانين استعادت فترة أساسية من مسار التشكيل الفلسطيني، وتزامنت مع الانتفاضة الأولى بين 1987 و1991.

حضرت ليلتها إلى هذه الندوة وجلت طويلا في المعرض لاهتمامي الكبير بهؤلاء الفنانين، لاسيما الفنان سليمان منصور والفنان نبيل عناني، لما يمثلون بالنسبة إليّ وإلى الكثير من أبناء جيلي ومن الجيل الذي تلاه من أهمية ومعنى.

وخلال التجوّل في أرجاء المعرض اقتربت من منصور وحاولت أن أقتنص بضع لحظات بعيدا عن الحشد. عرّفت بنفسي ثم تفوّهت بكلمات تقليدية ومجوّفة، قائلة “أنا معجبة كثيرا بعملك الفني، أكثر ممّا تتصوّر”، وكانت إجابته لا تقل تقليديةً وتهذيبًا، إذ قال “شكرا لك.. يسعدني ذلك”.

نعم. وماذا بعد؟ ثمة الكثير لأقوله وأسأله، لكنني لم أتمكن من ذلك. لم أكتف ليلتها بملاحظتي التقليدية فأضفت إليها سؤالا سخيفا “هل كانت رحلتك إلى بيروت سهلة؟”، أجابني “لا. ولكنني تمكنت من ذلك”. ثم عقّبت بسؤال أكثر سخفا “هل أنت سعيد بحضورك إلى بيروت؟”، أجابني “نعم. وسعيد بالمعرض”.

وكانت عيناه اللتان أرسلتا نظرات، وكأن من مسافة بعيدة، إلى أرجاء المعرض تمرّران شحنات من الأفكار لا تمت كلها إلى الحاضر القريب بصلة، ولم تكنا تخلوان من امتعاض مجبول بقليل من السخرية والملل وتعكّر في المزاج.

تصدّع حداثي

لوحة تبث هامة سليمان منصور الجالسة على كرسي بلامبالاة واضحة بالآخرين، ليس استخفافا بهم بل انغماسا في ذاته
لوحة تبث هامة سليمان منصور الجالسة على كرسي بلامبالاة واضحة بالآخرين، ليس استخفافا بهم بل انغماسا في ذاته

هوى صمت دام لعدة لحظات لم يبتعد فيها الفنان عني، على الأرجح لأنه شعر بأن لديّ ما أريد أن أقوله له، ولا أنا ابتعدت وللسبب نفسه. كنت أودّ أن أتحدّث معه، ولكن الأفكار، وليس الكلمات، خانتني. ثم تلقفه صحافي نشيط انهال عليه بأسئلة هي على الأقل أكثر تشويقا من أسئلتي. ثم لحق نظري الفنان وهو يبتعد ببطء ليقف متأملا في إحدى لوحاته ومنهمكا من دون شك بالإنصات إلى ما تسرده إليه تلك اللوحة من ذكريات مرتبطة بظروف ولادتها وصولا إلى أدق التفاصيل، كرائحة المرسم آنذاك، مثلا.

اليوم أعود إلى تلك الليلة بعدما رأيت لوحته الذاتية التي رسمها أثناء الحجر الصحي ونشر صورتها على صفحته الفيسبوكية، وذلك لعدة أسباب.

أولا، هذه اللوحة تشبه الفنان بقوة. تشبهه ليس لناحية مظهره الخارجي بقدر ما هي تشبه شخصيته. تلك الشخصية المركبة والمتواضعة في آن واحد. الشخصية السريعة الملل والمنهمكة بفلكها الخاص الذي لا يعنيه إرضاء أحد إلاّ بما يرضي قناعته وصدقه مع ذاته ومع الآخرين.

ثانيا، هذه اللوحة تبث هامته الجالسة على كرسي بلامبالاة واضحة بالآخرين، ليس استخفافا بهم البتة بل انغماسا في ذاته وفي مفهوم اللاجدوى، وسط عالم تنهشه العدوانية وانعدام القيم الاجتماعية والسياسية، وتجتاحه التقنيات الرقمية وصولا إلى الممارسات الفنية التي لا يستسيغها الفنان كثيرا. هكذا رأيت الفنان تماما في معرضه وخلال الندوة التي أضفت جوا من الحميمية على الجمهور والتي نشرها الفنانون، ومن ضمنهم منصور الذي جلس مُهتما وغائبا في آن واحد.

ثالثا، الزاوية التي أخذت منها اللوحة وأظهرت فيها المشهد المرسوم، وكأنها صورة فوتوغرافية التقطها “الآخر” الموجود حصريا بنظرته إلى الفنان الجالس، هي زاوية شديدة الأهمية؛ لأنها تُحدث تصدّعا يمكن أن نصفه “بالحداثي” في مفهوم الأنا وماهية البيئة المحيطة.

فهذه “الأنا” المصوّرة والمُشكّلة للمشهد المرسوم، بكل فرديتها وخصوصيتها، تقف بعيدا (أي أنا الفنان) وتتأمل “مشهدها” في آن واحد: الفنان منهمك بجهازه التلفوني وهو جالس وسط الفراغ بثياب “المنزل”.

رابعا، تومض في تلك اللوحة أزهار بيضاء وعروقها المقطوفة من حقل قريب وإن كان بعيدا. أزهار لا بد أن تكون عطرة، يفوح عطرها في فراغ الغرفة التي يجلس فيها الفنان. حضور طبيعي وعطر يذكّرنا بأن الفنان لم يزل سليمان منصور، عراب البرتقال والزيتون وحقول فلسطين وأهلها وتطريز ثيابهم الفلسطينية التقليدية.

أما خامسا وأخيرا، فهذه لوحة نتعرّف من خلالها على التطوّر والبحث الفني الذي لا يزال يرتسم في ملامح لوحاته، في وقت آثر فنانون آخرون ومعروفون تكرار تجاربهم الفنية لوحة بعد لوحة.

واقعية معاصرة

Thumbnail

اللوحة واقعية ذات نكهة عصرية لا لُبس فيها. وتحيلنا إلى سلسلة من اللوحات التي خفتت فيها وتيرة الألوان وبهتت دون أن تفقد شيئا من تعبيرها.

في هذه اللوحات عرّى الفنان خلفية لوحاته من التفاصيل حتى تلك التفاصيل التي يمكن اعتبارها مهمة. ونذكر على سبيل المثال لوحة له رسم فيها فلاحين على سلالم يطالون أشجارا غير موجودة “ماديا” ويقطفون منها زيتونا موجودا بقوة، ولكنه غير مرئي. كذلك الأمر بالنسبة إلى النسوة اللاتي يقطفن كل ما ينهمر، ولا يُرى، على أرض هي أرض “سمائية”.

وبما أن لوحات كهذه تسمح بالكثير من التأويل ربما يعجبنا أن نتخيل أن الفنان له قوة سحرية استطاع بها أن يحجب الرؤية عن “الأشرار” من المارين في هذه الحقول، فلا يرونها، فيقطعونها أو يحرقونها كما جرت العادة.

وتأخذنا هذه اللوحة إلى ما يشبهها من ناحية الأجواء المفتوحة على التأويل إلى اللوحات التي انكب فيها الفنان على رسم جدران العزل الإسرائيلية، حيث بهتت الألوان وغابت التفاصيل وحضر التعبير بقوة.

ولعل أجمل اللوحات تلك التي شيّد فيها أشجار برتقاله النضر شامخة في “حقول” جدران العزل والإسمنت المُسلّح. أخذت أشجاره هي أيضا هيئة جدران هي “ند” لها، وتفوقها قوة، لأنها جمعت فكرة الجدار الحازم بنضارة الحقول الفلسطينية فاستقام الحق وانتشر العدل.

لوحات بهتت فيها وتيرة الألوان دون أن تفقد عمق معانيها
لوحات بهتت فيها وتيرة الألوان دون أن تفقد عمق معانيها

 

Thumbnail
17