"ريما" و"فيرس".. تعدّدت التجارب والفشل واحد

سينما الرعب في مصر تواصل الدوران في خانة التقليد.
الجمعة 2021/02/05
الأداء أحد أسرار النجاح النسبي لفيلم "الفيل الأزرق"

تحاول السينما المصرية طرق أبواب عالم الرعب باستمرار لمواكبة تغير ذائقة الجمهور، رغم ميراث ثقيل من الفشل لازم تلك النوعية من الأعمال طوال تاريخها، مع استثناءات قليلة، حاولت أن تحافظ على جودة المنتج ومنطقيته وقيمته الفنية.

القاهرة – عرضت دور السينما المصرية أخيرا فيلمي “ريما” و”فيرس”، آخر حبات الأعمال التي تدرج وفقا لمفهوم أصحابها ضمن عقد أفلام الرعب، غير أن الأول لم يحقّق إلا ألفي دولار يوميا منذ طرحه في ليلة رأس السنة، أما الثاني فكان أتعس حظا، حيث لم يتمكّن في أحد أيام عرضه من بيع ولو تذكرة واحدة.

وتستعد آلات التصوير حاليا لالتقاط مشاهد عملين كلاهما يخلط الرعب بالإثارة، أولهما بعنوان “ليلة في الجحيم” للفنان محمد نجاتي، والثاني “ليلة الهالوين” الذي لم يتم اختيار فريقه التمثيلي بعدُ، لكن القائمين عليه يحاولون توظيف السياقات المرعبة التقليدية فيه لجذب الجمهور إلى المشاهدة.

لماذا لا تتعدّى أعمال الرعب المصرية حاجز التجريب؟ أصبح ذلك السؤال ملحا حين نتعقّب المسار التاريخي لتلك النوعية من الأعمال التي بدأت منذ الأربعينات بفيلم “سفير جهنم” للفنان يوسف وهبي، ولم يكتب له النجاح، وقد صادفت غالبية هذه الأعمال المشكلة ذاتها، حيث أخفقت في كسر حاجز الفشل السابق.

وتعاني الأعمال المصرية من داء مزمن يتعلق بالإسراف في التقليد الغربي، رغم ارتباط الخوف بالبيئة التي ينشأ فيها، فالحديث عن “صاحب القدم المسلوخة” المستمد من أسطورة فرعونية قديمة يفزع أطفال مصر منذ زمن طويل، لكنه ربما يثير ضحك نظرائهم في السن بأماكن أخرى من العالم.

أنياب غائبة

فيلم «ريما» لم يتمكن من جذب الجمهور إلى شباك التذاكر
فيلم «ريما» لم يتمكن من جذب الجمهور إلى شباك التذاكر

رغم الجهد المبذول في الأعمال الفنية العديدة، غير أن محاولة “المصرنة” تنجب جنينا فنيا مشوّها، لا يجاري العمل الأصلي في حبكته أو تقنية إنتاجه، ولا يوظف السياقات المحلية الملتصقة بحياة الجماهير، ففي فيلم “الدساس” حاول طاقمه استحداث آكلي لحوم بشر محليين “زومبي”، وفي “كامب” لا يتعدّى الأمر تحريفا غير مستساغ من سلسلة “الصرخة” وكلاهما لا يتماشى مع السياقات المحلية للفزع.

ولا يمل القائمون على السينما المصرية من خلق زواج بين الإثارة والرعب، والمساواة بينهما كأنهما فن واحد، واخترقوا الخط الرفيع الذي يحكم كيفية وضع شيفرات العمل الأساسية وطريقة توليد الأحداث، فالجمهور ينتظر من الأعمال المثيرة مفاجآت غير متوقعة لا تخطر بالعقل، ويبحث في سينما الفزع عن جرعات من الأدرينالين تصيب أوصاله بالقشعريرة حتى لو تماشت الأحداث مع توقعاته.

ويقول البعض من النقاد، إن إشكالية أفلام الرعب المصرية في استقطابها المخرجين والممثلين الشباب صغار السن من دون نجوم الشباك، وهو ما يفقدها أنياب المنافسة في صالات العرض، ويحول دون إعادة تقديمها مجدّدا بالقنوات الفضائية التي لن تغامر بوقتها لأعمال أبطالها من المغمورين.

وتلعب أسماء فريق العمل دورا مهما في نجاح أعمال الرعب، وكانت هي السر وراء نجاح فيلم “الإنس والجن” الذي يصنّف ضمن الأفضل بضمه عادل إمام ويسرا وعزت العلايلي، ورغم سذاجة نهايته التي تضمنت طرد الشيطان بآية قرآنية واحدة بعد تسعين دقيقة من المشاهدة، ودون الإجابة عن سؤال: لماذا لم تتل البطلة القرآن منذ اللحظة الأولى وتريحُنا طالما أن الأمر سهل؟

"فيرس" أول فيلم مصري يسجل صفر إيرادات في أحد أيام عرضه، في سابقة هي الأولى من نوعها
"فيرس" أول فيلم مصري يسجل صفر إيرادات في أحد أيام عرضه، في سابقة هي الأولى من نوعها

ويؤكّد الناقد الفني طارق الشناوي، لـ”العرب”، أن تجارب السينما المصرية والعربية أيضا في ما يتعلق بالرعب لم تكلّل بالنجاح لاعتبارات كثيرة، أهمها غياب الكفاءات البشرية القادرة على التعامل مع التقنيات اللازمة لإخراج فيلم جيد ومتكامل.

ويعتبر الجزء الثاني من فيلم “الفيل الأزرق” استثناء لأفلام الرعب بعدما توافرت في إنتاجه عناصر لم تتحقّق لسابقيه، بفريق كبير من نجوم الصف الأول مثل كريم عبدالعزيز وهند صبري ونيللي كريم وخالد الصاوي، وإنتاج ضخم صرف بسخاء عليه وعلى عناصر الخدع السينمائية والمؤثرات الصوتية التي تماشت مع الأحداث بذكاء.

ويؤكّد الشناوي أن “122” بطولة طارق لطفي وأحمد الفيشاوي و”الفيل الأزرق” أكثر عملين مصريين اقتربا من الرعب، لكن دون الوصول إلى مستوى متكامل.

ونجح الجزء الثاني من “الفيل الأزرق” في الجمع بين أعمال الرعب والتشويق بذكاء فحافظ على الخط المعتاد لقصص الرعب والمعروف من البداية بانتصار قوى الخير على الشر دون الانغماس في الأسلوب الخطابي، والإثارة بما تضمه أحداث غير متوقعة، والتقلبات المتعمقة داخل النفس البشرية، مع لمسات خفيفة من الكوميديا كسرت بين الحين والآخر تسارع نبضات الجمهور.

ولم ينج “الفيل الأزرق” من اتهامات بالاقتباس من السينما الغربية في توظيف الوشم للتدليل على انتشار العفريت في الجسد بصورة شبيهة بشجرة اللبلاب، واقتربت كثيرا ممّا جاء في الفيلم الأميركي “الوشم” الذي عرض قبل 13 عاما.

تخطى الفيلم المشكلة المعتادة في أعمال الرعب المصرية بالاعتماد على الإعداد الموسيقي دون التأليف الذي يجعلها متشابهة، واستطاع عبر الموسيقار هشام نزيه خلق مزاوجة بين الرؤية البصرية والحالة السمعية التي تواكب معها الإعداد الجيّد للملابس ما جعل العمل لوحة فنية جيدة على مستوى الصوت والصورة.

وما يميّزه أيضا هو القدرات التمثيلية المقنعة لأبطاله التي سمحت للجمهور بالانغماس معه، وهي مشكلة لازمت أفلام الرعب التي اعتمدت على من يقبل المشاركة بصرف النظر عن الموهبة، ويكفي أن محمد شبل، الرائد في كتابة وإخراج أفلام الرعب المصرية بنحو أربعة أعمال، دفع بالمطربين أحمد عدوية وعلي الحجار في فيلمه “أنياب” فجاء أداؤهما بعيدا عن المنطق، خاصة مع عدم اقتناع الجمهور بإمكانية تجسيد المطرب الشعبي الذي دأب على الظهور بالجلباب الشعبي، في محاولة لتقمّص شخصية “الكونت دراكولا”.

وأوضح الشناوي، أن المحاولات المستمرة لإيجاد رعب محلي سببها وجود حجم طلب كبير من الجمهور على هذه البضاعة، ففي أي دار عرض سينمائية محلية لا تخلو قائمة أفلامها من اثنين على الأقل للرعب الأميركي من أصل ستة أعمال معروضة، ما يدفع المنتجين إلى إيجاد رعب محلي تلبية لذلك النهم.

وتشير إيرادات الأفلام الأميركية إلى تفضيل المشاهد المصري لنوعيات الرعب الأجنبي، مثل فيلم “الرجل الخفي”، الذي سجل خلال الأسابيع الأولى لطرحه في مصر 382 ألف دولار رغم جائحة كورونا، و”نحن” الذي حقّق عام 2019 نحو 220 ألف دولار، بينما سجل “الجوكر” في شهر ونصف الشهر 2.5 مليون دولار.

وتبدو المشكلة الأساسية في السينما المصرية عموما بتخصيص الجزء الأكبر من ميزانية العمل لرواتب الممثلين الكبار، وترك الباقي لعناصر العمل الأخرى، ما يؤدّي إلى صورة غير جيدة، ويظهر الأمر جليا في أعمال الرعب لارتباط نجاحها بتوافر تلك العناصر.

ويسعى البعض من المنتجين المصريين إلى إيجاد منفذ مع شبكات البث الرقمي التي تعرض تلك النوعية من الأعمال، رغم تيّقنهم من أن المواطن العربي يجد ما يفضله في المنتج الأميركي لعوامل تتعلّق بالجودة والإمكانيات التمثيلية والفنية.

أشباح وأرواح

النجوم سر نجاح تجربة “الإنس والجن”
النجوم سر نجاح تجربة “الإنس والجن”

يفضل أغلب المنتجين المصريين قصص “الكادر الواحد”، التي يتم فيها تجميع فريق العمل في مكان معيّن، دون تكاليف للانتقال أو لتحركات فرق التصوير، ما جعل غالبية الأعمال المحلية تدور حول المنازل المسكونة بداية من “القصر الملعون” و”التعويذة” عن بيت يحترق أثاثه دون فاعل، أو بناية تقطنها الأشباح والعفاريت، أو شيخ يطالب تلاميذه بالإقامة في منزله 30 يوما.

ويميل البعض من المؤلفين إلى استنباط وإعادة إنتاج الكثير من المعاني والمضامين التشويقية من كتاب الأديب الراحل أنيس منصور “أشباح وأرواح”، الذي حقّق شهرة كبيرة في مصر عند صدوره، لأنه لامس ظواهر مثيرة ومليئة بالرعب.

وأوضح الناقد الفني إلهامي سمير، أن السينما المصرية تسير في دائرة مفرغة في تناولها الرعب، فرغم تطوير التصوير والغرافيك لكنها تفتقر لأبسط الأساسيات في تقديم المحتوى الذي يأتي أحيانا بصورة مضحكة وليست مخيفة، مع غياب توظيف الكاميرات في القصة التي يمكنها أن تخلق الفزع بالتحكّم في سرعتها وتنقلاتها.

والغريب أن بعض الأعمال التي تم تصميمها كرعب خالص تتضمّن مساحات من الكوميديا أكثر من تلك المصنوعة خصيصا للكوميديا، مثل سلسلة أعمال إسماعيل ياسين، “متحف الشمع” و”حرام عليك” و”بيت الأشباح” التي سخرت من أيقونات الإخافة الغربية، كـ”فرانكشتاين” و”المستذئبين” و”المومياوات”.

وأضاف سمير، لـ”العرب”، أن السينما المحلية تخلط بين الغموض والتشويق، وتتجاهل التراث القديم بقصصه وأساطيره والتي يمكن عبره استلهام قصص من البيئة تجذب الجمهور المحلي وتفتح الباب أمام المنافسة العالمية، فالجمهور الغربي لن يقبل بمشاهدة عمل منسوخ ممّا اعتاد عليه، ويبحث عن مضمون مغاير من بيئات أخرى.

ورغم فيض التراث المصري بقصص مغرية يمكن تحويلها إلى رعب بسهولة كـ”الأم الغولة”، المرأة التي لم تنجب فقرّرت التهام أبناء الآخرين، أو “النداهة” التي تتجسّد في صورة فتاة حسناء عذبة الصوت تنادي الرجال وتهوي بهم في قاع الأنهار، لكن الإنتاج يصرّ على حبس نفسه في جدل الشيطان والإنسان والمنزل المسكون.

ويحتاج منتجو أفلام الرعب المحلية إلى المخاطرة بجعل القصص النابعة من الواقع وسيلة مرور لأحلامهم بإنتاج أعمال جديدة تلبي نهم الراغبين في الفزع، والتحرّر من التجارب المستوردة التي لن يستطيعوا مجاراتها، حيث إن الخوف سلوك مكتسب من البيئة.

16