ريموند وليامز والمادية الثقافية

الجمعة 2017/06/16

تمنيت كثيرا أن يلتفت أحد مترجمينا المتخصصين في ترجمة النصوص المؤسسة للنقد الثقافي إلى أعمال الناقد البريطاني الراحل ريموند وليامز ويقوم بترجمتها إلى اللغة العربية وذلك لكي تغني، بزخمها النظري والتطبيقي، البدايات الأولى لتشكل حركة النقد الثقافي في بلداننا. حسب علمي فإن أعمال هذا الناقد المفكر لم تترجم بعد إلى العربية ما عدا كتابه “كلمات مفتاحية” الذي يعتبر أحد قواميس النقد الثقافي المعاصر.

تنبع أهمية وليامز من كونه أحد الآباء المؤسسين للدراسات الثقافية في الغرب وأبرز من لعب دورا محوريا في الكشف عن نقائص النقد اليساري التقليدي الذي غرق لسنوات طويلة في التفسير المادي الميكانيكي الأحادي البعد للنصوص الأدبية وللظاهرة الثقافية والفنية بشكل عام.

من بين عناصر قوة هذا الناقد قدرته على نحت المفاهيم الخاصة به وكذلك تشغيل الجهاز النظري في فضاء الممارسة النقدية الثقافية على نحو متميز. ومن المفاهيم المهمة التي ساهم وليامز في إبداعها مفهوم “المادية الثقافية” الذي يستلهم موروث مدرسة فرانكفورت وغرامشي الإيطالي، ومفهوم بنية المشاعر الذي يعتبر مفهوما مفصليا في حركة النقد الثقافي الغربي. من خلال تطويره لمفهوم المادية الثقافية حاول وليامز تجاوز المنطق النقدي التقليدي الذي يدرس أي ظاهرة ثقافية كمجرد نتاج للبنية المادية فقط، وقد برز هذا التوجه في كتابه “الثقافة والمادية”.

وفي الواقع فإن الأفكار الأساسية التي يتضمنها هذا المقال، الذي يرى فيه وليامز أن الأبعاد الروحية والفنية ومجمل ما يدعى بالبنية الفوقية تساهم مجتمعة جنبا إلى جنب مع العوامل المادية في أي مجتمع في إنتاج الظاهرة الثقافية أو النص الأدبي، قد سبق أن درسها بعمق المفكر الفرنسي لوي ألتوسير في مقاله الألمعي “الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية” الذي غير الكثير من توجهات النقد الأدبي والفني والثقافي اليساري الغربي في العقود الأخيرة من القرن العشرين. وانطلاقا من هذه الفكرة فإن وليامز يفهم النقد كممارسة وكنظرية أنه ليس مجرد تحليل نصي فقط وإنما هو “اختبار للبنيات ولأشكال المقاومة في الحياة اليومية”.

على هذا الأساس يعرف وليامز في كتابه الشهير “الثورة الطويلة” نظرية الثقافة بأنها “دراسة العلاقات القائمة بين العناصر في كل أسلوب الحياة”، وأن “تحليل الثقافة هو محاولة للكشف عن طبيعة التنظيم الذي هو مركب هذه العلاقة”. وهنا يقترح وليامز مصطلحا يمكن أن يساعد على الكشف عن هذا المركب من العلاقات وهو مصطلح النمط ويعني بذلك أن “اكتشاف الأنماط” هو ما ينبغي أن يبدأ به التحليل الثقافي ثم إن “إبراز العلاقات بين هذه الأنماط هي التي تعلن عن الهويات غير المتوقعة”.

كاتب جزائري

15