ريم الجندي تعقد مفاوضات مع الوقت وتحوّلاته

الفنانة اللبنانية تشكّل بالخرز الملوّن لوحات هاربة من التكرار.
الأربعاء 2021/08/04
حتى لا يتحوّل التكرار إلى أسلوب حياة

"الوقت" هو عنوان معرض الفنانة التشكيلية اللبنانية ريم الجندي الذي تقدّمه صالة “أجيال” البيروتية حتى منتصف شهر أغسطس الحالي. ويشمل المعرض العديد من اللوحات المشغولة بمادة الأكريليك و”مادة” أخرى هي الخرز الملوّن.

 بيروت – أول ما يخطر على بالنا عند علمنا باستخدام الفنانة التشكيلية اللبنانية ريم الجندي للخرز الملوّن في أعمالها الفنية الجديدة هو سلسلة من التساؤلات عما دفعها إلى إدخال “التزيين” إلى عالمها الفني الذي هو بعيد كل البعد عن أسلوبها في رصد لحظات الحياة وانعكاسها على ذاتها وعلى مسار حياتها.

ولم تترك الفنانة في معرضها الفني المعنون بـ”الوقت” والمقام حاليا في صالة “أجيال” البيروتية، كما في العديد من معارضها الفنية السابقة، مكانا للغموض أو اللغط كي يتفشّيا في ما تقدّمه من أعمال هي مشحونة غالبا بتفاصيل تنعقد ما بينها صلات يصعب تخيّل أسلوبها الفني الخاص من دونها.

نساء السواد

أسهبت ريم الجندي في تقديم أعمالها الفنية الحالية تحت عنوان “الوقت” في بيان مرافق للمعرض جاء أقرب إلى نص حميمي وشعريّ يقدّم فكرة المعرض، ولكنه أيضا يخرج في الآن ذاته من محدودية مناسبته ليصرّح بكيفية رؤية الفنانة للحياة وقد تولى حياكتها “وقت” تفلت منه ثوانيه تارة وينهال بها تارة أخرى على رأس كل من أدركه، كاشفا دهاءه ورياءه وألاعيبه.

خرز أحمر وثبات أسود

والجندي، لمن لا يعرفها، من عائلة لبنانية عريقة اختلطت محطاتها الحياتية بالشعر والمقاومة والفن والحب والخيبات والكتابة الصحافية، ونضيف إلى ذلك كون الفنانة من مواليد 1965، وكل ذلك كفيل بأن يلقي الضوء على العديد من مرافق تعبيرها الفني، هذا إذا استثنينا حياتها الشخصية من معادلة التأثير الصاخبة بمحطات مهمة.

تاريخ مولدها يشير إلى أنها من جيل الحرب اللبنانية بامتياز، وكل فنان “حقيقي” ولد في هذا التاريخ أو قبله أو بعده بقليل حملت أعماله الفنية على اختلافاتها في التقنيات والأساليب دمغة الحرب اللبنانية.

غير أن ما يميّز منجز الجندي عن أعمال جيلها، ولاسيما في معرضها الجديد، إضافة إلى هذه الدمغة التي تخفت حينا وتشتدّ حينا آخر في أعمالها، قدرة الفنانة على أن تسرد نصين بصريين مزدوجين ومتداخلين: الأول عن “الوقت” ومحاولتها الإمساك بزمامه وترويضه (وليس للإفلات منه) كي تصل هي وإياه إلى نوع من الاتفاق لا يتخطى أحدهما الآخر من حيث “الأهمية”.

أما النص الثاني فهو ربما الأهم وإن كان النص الأول يتضمنه، ويتجلى من خلال وعيها الصارخ بأن جيلها من الفنانين له علاقة مشبوهة مع “الوقت” إن لم نقل علاقة عنفية صامتة. وهي علاقة ستستمر على هذا النحو مهما اختلفت التجارب الحياتية لدى هؤلاء ومهما تبدّل الواقع.

أما كيف تمّ ذلك في نصها الفني؟ فباستخدامها للخرز الملوّن وتموضعه في مكان دون آخر في لوحاتها.

ونذكر من اللوحات تلك التي ترسم فيها الفنانة أربع نساء متشابهات، ولعلها واحدة منهنّ، وهنّ في أثوابهنّ السوداء. في هذه اللوحة لا تضع ولا تخيط الفنانة الخرز في أثوابهنّ ولا ترصّع به شعرهنّ، بل تضعه من حولهنّ بخطوط متقطعة.

تمرين على الصبر

Thumbnail

في هذه اللوحة بالذات يُدرك زائر المعرض أن الفنانة تستخدم الخرز وخياطته في اللوحات كشيفرة سرية بينها وبين ذاتها، كما تستخدمه كبوح يفيض ولا يتقنّع كما كانت تفعل النسوة تاريخيا في الأعمال الفنية اليدوية التقليدية، هذا أولا.

أما ثانيا فتستخدمه الفنانة كما يفعل السجناء على جدران سجنهم “المُزيّن”، حيث يخطّون خطوطا تشير إلى مضيّ عدد الأيام، فالأشهر، فالسنوات، فالعمر كله.

خرز، بل حرز تستمدّ منها قوة الاستمرارية في خضم حالة انتظار ما برحت تلقي بأثقالها المرهقة على كاهل جيل بأكمله منذ اندلاع الحرب اللبنانية وصولا إلى الحاضر، حاضر ما زال مثقلا بانتظار فرج ما، لم يأت ولا يبدو أنه آت خلال وقت قريب.

اللوحات الجديدة للجندي تزدهر باحتفال داخلي يغشاه حضور دائم للون ذهبي ثمين يتغنّى بحياة تمنّت أن تكون أقوى من الانتظار

الخرز، هذا العنصر الجديد في أعمالها، مُحاصر في أماكن محدّدة من اللوحات كنوع من وشم “طقسي” تمارسه الفنانة على جسد “وقت” أمعن في فجوره. وتمارسه “قهرا” أيضا على ذاتها وفي ملامح الوجوه وتعابيرها في اللوحات فنستدل على المُنتظر/ الغائب بالمعنى المطلق.

وبعيدا عن الخرز وما شكّله من عناصر دلاليّة تزدهر لوحات الفنانة باحتفال داخلي يغشاه حضور دائم للون ذهبي ثمين حضر إيحائيا وإن غاب ماديا في لوحات دون أخرى، ذهب ربما أرادته الفنانة أن يتغنّى بحياة تمنّت أن تكون دائما أقوى من الانتظار.

الأصحاب، المرض، الحرب المستمرة بأشكالها المتنوّعة، الخيبات، الرحلات، الحجر المنزلي، الحب، الحمل، الابن وانتظار عودته من الغربة، كما انتظرت أمهاتنا عودة العديد ممّن غادروا البلد خلال الحرب اللبنانية وغيرها من محطات الحياة المختلفة…، عن كل ذلك عبّرت لوحات الفنانة واكتست جميعها (حتى أقصاها) نبرة حب لكل من عبَر ولم يعبر، ولكل من استقر ولم يستقر في حياتها لتشكّل في هذه النزعات الشاملة نموذجا لكل فنان أدركته الحرب في بداية مراهقته ورافقته حتى مراحل شبابه الأخيرة، حيث لا يزال الانتظار منتصرا عليها.

لا بد من ذكر مقتطف ممّا ورد في بيان الفنانة المرافق للمعرض، لأنه بمثابة بوابة مُشرّعة ليس على مضمون المعرض فقط بل على عالم ريم الجندي بشكل عام.

وممّا قالت نسرد “لطالما رسمت وكأنني أدوّن يومياتي، حين كنت شابة، كانت تلك اليوميات/ اللوحات سريعة، عنيفة، صاخبة وتلقائية. مع تقدّمي في العمر بدأت لوحتي تهدأ تدريجيا. صرت أخفي الضوضاء بالموتيفات التي أكرّرها وأكرّرها كأنني أبحث عن راحة ما في تكرار الأشياء وانتظامها”.

وتسترسل “الآن بدأت أشكّ الخرز على لوحتي.. لم أفهم بداية لماذا أقوم بذلك؟ فأنا بالتأكيد لا أريد أن ‘أزيّن’ لوحتي بالخرز أو أن أجعله دخيلا عليها.. أعلم أنني أريد شكله، لكنني أيضا أريد معنى لحضوره. هنا انتبهت أن تكرار الموتيفات لم يعد يكفيني، وأنني لم أعد فقط أرسم يومياتي، وإنما بدأت ‘برسم الوقت’ وأفعله على لوحتي. صرت بحاجة لأن أضع في اللوحة حركة جسمي الميكانيكية حين أشكّ عليها حبات الخرز واحدة تلوى الأخرى، ببطء ولساعات طويلة، كمن يروّض نفسه أو يعاقبها. ما أفعله الآن هو تمرين على الصبر يجعلني واحدة من الناجين ومن المهزومين أيضا”.

الخرز الملوّن يحيل في اللوحات إلى ما يخطّه السجناء على جدران سجنهم المُزيّن بخطوط تشير إلى مضيّ الأيام فالأشهر والأعوام
الخرز الملوّن يحيل في اللوحات إلى ما يخطّه السجناء على جدران سجنهم المُزيّن بخطوط تشير إلى مضيّ الأيام فالأشهر والأعوام 

 

16