ريم يسوف تتواطأ مع الأبيض لتشكل ظلالا للطفولة

التشكيلية السورية لم تعط عناوين للوحاتها التي تسرد قصصا كثيرة لأنها تريد من المُشاهد أن يقرأ فيها ما يُريد أن يقرأه.
الجمعة 2018/05/04
رقص للحياة رغم الألم

بيروت – إن اشتاق مُتابع سيرة التشكيلية السورية ريم يسوف إلى”أطفالها” الملوّحين بطحين القمر فسيعثر عليهم منتشرين في لوحاتها، يتألقون بأبيضهم الذي يشفّ حينا ويتكثّف حينا آخر مُذكرا المُشاهد بصور”الناسا” للقمر، يتباهون بخيالاتهم حين تلازمهم وغير عابئين بها حين تغادرهم في بعض اللوحات، وهو ما لفت إليه القيّمون على معرضها الجديد المُقام حاليا بصالة “آرت أو 56 ستريت” البيروتية، بكلمات رافقت انطلاق المعرض “أن هؤلاء (الأطفال) لهم أجساد مُعلقة بخيطان كالدمى ويحرّكها أسياد بهدف إبقائهم في حالة الرقص”.

ومع ذلك، قد لا ينطبق هذا الوصف تماما على ما رآه زائر المعرض، إذ أن أسياد هؤلاء الأطفال هم على الأرجح أنفسهم وقد تمكّنوا من ترويض الحبال على مدى السنين، أو المعارض التي قدّمتهم فيها الفنانة، حتى باتت تلك الحبال لهم حينا ومنهم في أحيان أخرى كما تكون الحبال السرية التي تصل الأجنة بالأمهات.

أما “أمهات” هؤلاء الأطفال “فهنّ” الأماكن غير المُحددة التي برعت الفنانة السورية في تصويرها وقد غشتها رقّة بيضاء حتى وهي في عزّ اصطباغها بأسود أو رمادي كئيب، وكيف لا واللون الأبيض هو أم الألوان جميعها؟

صالة “آرت أو 56 ستريت” في العاصمة اللبنانية بيروت افتتحت معرضا فنيا للفنانة السورية ريم يسوف تحت عنوان “رقصة لأجل..”، ضم أكثر من 25 عملا فنيا نفّذتها الفنانة بتقنيات مختلفة، كما أدخلت على معرضها تجربة جديدة شملت فن النحت والتجهيز إضافة إلى باقي التقنيات التي استخدمتها في لوحاتها، لتبقى مجموعة اللوحات الجدية التي قدّمتها أكثر تعبيرا عن هوية ريم يسوف الفنية الصادقة مع ذاتها وفنّها

عمارات، ونوافذ، وشرفات، وسلالم، وطائرات ورقية، وطيور السنونو، ومغلفات البريد والظلال التي تبدو في أعمال كثيرة أكثر قوة من مصدرها، كلها عناصر مُحدّدة، ومع ذلك غير دالة إلى جغرافيا أو زمن دون آخر، ولكنها مُشيرة إلى أن شهداء الحرب السورية، الأحياء منهم والأموات، استطاعوا أن يستحدثوا أمكنة أقل قسوة وأكثر اهتماما بألعابهم الطفولية، وبدت قفزاتهم في اللوحات (أوطانهم البديلة) أشبه بقفزات ملؤها الإيمان بعدم السقوط، فهم يدركون بأنهم إن سقطوا من شاهق فلن يصيبهم أذى، لأنهم بلا أوزان مثلهم كمثل رياح خفيضة مُحملة بالمطر.

نصفُهم بالأطفال وهم كذلك، ولكن، هل هم فعلا أطفال؟ فهم في الكثير من اللوحات يتسمون بأجساد تبرز فيها عضلات وتكوّنات جسدية تشير إلى أن الطفولة في منظار الفنانة ريم يسوف غير مرتبطة بعمر محدّد.

وأطفال الفنانة، أطفال/أبطال، استطاعوا بالرغم من القهر والموت والتهجير والأوجاع الجسدية والنفسية أن تكون لهم خفة الضوء ولمعة الضحكات التي دوّت في أرجاء “مملكتهم” البديلة حتى أجل غير مُسمى، إنهم ظلال ولكن ملموسة، ممّا ينفي عنهم صفة الموت أو الوهم، ويهبهم موطنا/برزخا إلى حين يجيء وقت عبور جسور الضوء، التي تعجّ في لوحات الفنانة، إلى واقع أفضل.

إنهم تجسيد حرفي لمستقبل لا بد أن يكون مُشرقا، لذلك نجد في كآبة لوحات ريم يسوف وفي التشظيات التشكيلية التي تتألف منها لوحاتها، والتي تنمّ عن تأثرها بنحت الأطياف وكأنها أشكال ذات أحجام وأوزان، الكثير من فرح يومض ومضا كمنارات في أحلك العتمات، فرح يحرص على سرّيته حتى لا تُكشف كل أوراقه واستراتيجياته المُغيبة فيغير عليه المُغيرون وهم كُثر.

ولم تعط الفنانة عناوين للوحاتها التي تسرد قصصا كثيرة لأنها، حسب ما أوضحت، تريد من المُشاهد أن يقرأ فيها ما يُريد أن يقرأه، ولكن مهما تباينت الآراء والقراءات فشعرية المشاهد والشخوص التي تُسكن بها الفنانة لوحاتها لا لُبس فيها.  شعرية استثنائية مردّها أن الأطفال يبدون في لوحاتها وكأنهم في وضعيات سباحتهم في فضاء اللوحات وما بين عناصرها حتى اختراقها في أحيان كثيرة يعلمون بأمر شعريّتهم، وهم بهذه الشعرية وبإدراكهم لها ناجون ومنتصرون.

هكذا تُسرد القصص في لوحات يسوف، ومن هنا تماما يأتي فيضان التفاصيل التي تجعل المُشاهد يرى مقتطفات من طفولته، وإن كان لم يعش يوما واحدا تحت ظل الحروب.

يسوف تنشئ نصوصها الشعرية انطلاقا من رقصة الحياة المعبرة عن ثيمات النجاة والحب والألم والصراع والقوة والطفولة

وتأتي قوة هؤلاء الأطفال من رقتهم ومن الطحين الأبيض المؤسس لكيانهم، بعد استشفاف هذه الحقائق المُتعلقة بهم نُدرك لماذا عقّب القيّمون على الصالة الفنية على اختيار ريم يسوف لعنوان معرضها بهذه الكلمات “تنشئ نصوصها الشعرية انطلاقا من رقصة الحياة المُعبرة عن ثيمات النجاة والحب والألم، والصراع، والقوة والطفولة”، كيف لا والحياة  تتطلب أكثر من آثار الواقع على رداءته لكي نتمكن من الرقص لأجل.. الحياة.

وريم يسوف فنانة من مواليد 1979، تخرجت من كلية الفنون الجميلة في دمشق، قسم الرسم (التصوير) سنة 2000، وتحصلت على عدة جوائز في سوريا وخارجها، من ضمنها شهادة “شرف” للفنون التشكيلية من المركز العالمي للإبداع 2010، كما أقامت العديد من المعارض الفردية منها معرضها الشخصي الأول في عمّان سنة 2013 والذي حمل عنوان “حوار”، تلاه معرضها البيروتي “رسالة طفل” في العام 2014، أما معرضها الثالث الذي أقامته في باريس، حيث إقامتها الحالية، فحمل عنوان “نسائم باردة”، فمعرض “حكاية قبل النوم”، وأخيرا معرضها الحالي “رقصة لأجل..”.

17