رينيه ماغريت سوريالي ترجم أحلامه ألوانا يقظة

الاثنين 2015/03/30
متحف بروكسل يضم أعمالا تؤرخ مراحل مختلفة من منجز ماغريت

عندما يقترب الدارسون والمؤرخون ومتذوقو الفن التشكيلي من السوريالية لاشك أنهم لن يستطيعوا مغادرة رينيه ماغريت، الفنان السوريالي الكبير والعلامة الفارقة في تاريخ السوريالية وأحد أهم وأبرز أعلامها.

يحسب لرينيه ماغريت أنه قاد بوعي عميق المدرسة السوريالية إلى جانب رموزها المهمين من مثل سلفادور دالي وماكس أرنست وتشيريكو وبريتون وغيرهم، وأسس تقاليدها واحتفى بمنجزها، بل إنه هو الذي حاكم وجودها وقاربها بما يحيط به، بالكون والحياة والأشخاص والموجودات وظل يخوض في جدلهما عميقا.

ونظرا لمكانة ماغريت، لا تزال مدينته التي ولد وترعرع فيها وأثرت في مجمل منجزه بروكسل، تحتفي به من خلال إقامة متحف خاص بأعماله، قد افتتح قبل بضعة سنوات ووسع مؤخرا من إطار العروض الاستعادية لهذا الفنان الشهير.

وماغريت المولود في العام 1898، كان قد دخل معهد الفنون الجميلة في بروكسل، وهناك تأسست رؤيته العميقة لفن الرسم ومن هناك بدأ يتلمس خطاه باتجاه الاكتشاف والمغايرة، اكتشاف طال مجمل أدواته الجمالية ومنذ سن مبكرة، لكن في موازاة ذلك كانت له حياة اجتماعية مضطربة مبكرة ألقت بظلالها على أعماله الأولى.

ذلك الاضطراب تمثل في محنته مع والدته المضطربة عقليا، والتي انتهت أن تقضي منتحرة غريقة في أحد الأنهار البلجيكية الصغيرة، حيث شاهد ماغريت أول ما شاهد وجهها وهو مغطى بقطعة قماش، وهو الرمز الذي تسلل إلى أعماله لاحقا، ومنها أيضا لوحة العاشقين الشهيرة، حيث ظهرا في مشهد القبلة ووجهاهما مغطيان.

لاشك أن مدارس مهمة في تاريخ الفن التشكيلي مثل المستقبلية والتكعيبة وغيرها قد أثرت في مسار ماغريت، وهي الحقبة التي عرضت في متحفه في بروكسل بأنها حقبة التأسيس والتي تمتد إلى العام 1929، حيث رافقتها إقامة أول معارضه في العام 1927، وهو المعرض الذي ضخ فيه رؤاه المبكرة تلك، لكنه لم يقابل بالشكل الذي كان يتوقعه.

هنا كانت بعض أعماله أقرب إلى التزيين الطباعي، خاصة في مجموعة “ماغريت قبل ماغريت” أو في أعماله المسماة صندوق الموسيقى، وهي أعمال طغت عليها أسلوبية سائدة هي أقرب إلى فن الملصق.

وتتوج هذه الفترة من حياته المبكرة بقراره السفر إلى باريس والالتحاق بالآباء المؤسسين للسوريالية، وعلى رأسهم أندريه بريتون وإلى جانب السورياليين الفرنسيين الآخرين كولينيت، أوباك، سنغر، تشافي، ماريان وغيرهم.

السوريالية عند ماغريت كانت حصيلة بحث وتجريب لم ينقطعا، وتمثلت ميزته في أنه تمرد على معاطف الكثيرين

وعند اندلاع الحرب العالمية الثانية كان ماغريت قد عاد إلى بروكسل ورفض الخروج منها وعاش مأساة وكوابيس الحرب، وعبر عن إحساس عميق بالاغتراب تمثل أيضا في عدد من أعماله التي احتواها هذا النشاط الاستعادي، ولكن ما إن وضعت الحرب أوزارها حتى حلق ماغريت بعيدا في فضاء السوريالية معلنا عن البيان السوريالي الأول الذي سمّاه “السوريالية تحت ضوء الشمس″.

كان هذا تتويجا للسوريالية في نسختها البلجيكية من خلال ماغريت نفسه الذي شكل معرضه الذي تلا البيان الأول علامة فارقة، إذ أدهش جمهوره بتلك الأعمال الجريئة التي احتلت الطبقة الثانية من متحفه، هذه الدهشة ربما يمكن التقاطها بحسب سيرة ماغريت من خلال الانتقال إلى نيويورك لإقامة أول معرض شخصي له هناك، ثم إلى باريس.

ومن هاتين المحطتين الهامتين مضى ماغريت قدما في تأسيس رؤيته المختلفة وإثارة الجدل حول الأشكال الواقعية، ومنها فرضيته الشهيرة “هذا ليس غليونا”، و”تلك ليست تفاحة” أي أنه عمد إلى نوع من التمرد على واقعية الأشياء ومع ذلك الحفاظ على الجذر الواقعي، ولكن في شكل أو إحساس انطباعي، ودلالة ذلك وترجمته الحقيقية تبرز في مقولته بل وقناعته الشهيرة أيضا “إذا كان الحلم هو ترجمة لليقظة فإن اليقظة هي ترجمة للحلم أيضا”.

وتجلى ذلك في لوحاته خلال حقبتي الأربعينات والخمسينات مثل: القبلة، وشهرزاد، وذاكرة، وطعم الدموع، ثم تاليا في الستينات عندما استخدم رمز الغيم، كما في طائر الغيم، وبورتريت آن ماري، والبحث عن الحقيقة، وموناليزا ولوحته ذائعة الصيت غولكوندا وغيرها من الأعمال التي اكتظ بها متحفه في إطار هذا النشاط الاستعادي.

ولعل الزائر للمتحف في إطار هذه البانوراما الغزيرة من سيرة ماغريت، أعماله، رسائله، مخطوطاته، تخطيطاته، صوره الخاصة، مراحل تحولاته الأسلوبية كلها تحتشد لتؤرخ وتؤرشف سيرة هذا السوريالي العملاق الذي حفر عميقا في تجاربه.

وكانت السوريالية عند ماغريت حصيلة بحث وتجريب لم ينقطعا، إذ ظل وفيا لمدارس سابقيه بل إنه لم يتوان عن محاكاتهم، إلاّ أن ميزته أنه تمرّد على معاطف الكثيرين، ليتفرد في نحت تجربته الأسلوبية الخاصة التي جعلته بحق علامة فارقة في تاريخ السوريالية في العالم.

16