"زاوية العميان" للمغربي حسن رياض السيرة التخييلية للهامش

السبت 2014/03/01
"زاوية العميان" رواية البسطاء والمنسيّين والدروب الضيقة

إن تذويت التاريخ هو فتح شرفة للذات على التاريخ الموضوعي. وهي عملية لا تخلو من التخييل المشوب بوقائع وأحداث مترسخة في الوعي الجمعي لمن عاش تجاربه وكان جزءا من كونها العام، لكن التذويت قد يتخذ طابعاً سحريا إن كان مشبعا بفائض المحلية التي تشاكس أحيازا حميمة من الذاكرة الشخصية، وهذه حال صاحب”أوراق عبرية” الروائي المغربي حسن رياض في روايته ”زاوية العميان”. وهو ما ستنعقد على تبيانه هذه القراءة.

يحاول حسن رياض في “زاوية العميان”، الصادرة عن “منشورات وزارة الثقافة“ بالمغرب، التوثيق التخييلي لجماعة حقيقية كانت تعيش في أحد الأحياء الهامشية جنوب مدينة آسفي، والدخول في عوالمها الملغزة قصد الكشف، نصيّا، عن سلوكها ورؤيتها وعلاقاتها المربكة بالنسق الاجتماعي والسياسي العام. فبوهالة ليسوا مجرد متسولين عاديين يسعون إلى سد الرمق بخبز حار، إذ يختفي وراء الصَّغار، بفتح الصاد، الذي يظهر عبر بكائهم وأسمالهم البالية وجلودهم المتسخة حياة أخرى تفيض بالإنسانية والفن والوعي السياسي الحاد أحيانا، كما تفيض بالخيبات العاطفية والسياسية المدمرة وباللاهوت في قدسيته المخصوصة، إنهم، أي بوهالة، يجسدون الحياة في تجليها العميق الذي تعجز العين المبصرة، تلك الغارقة في أتون مركزية ذاتها، عن اقتناصه، وإذن لربما نحتاج للاقتراب من هذا العالم إلى الاحتماء بإحساس العميان أنفسهم بالحركات والإشارات التي تصنع المعنى الممتد والمضاعف، ونحتاج، يقينا، إلى عين راوٍ قريب من عوالمهم لتقودنا إلى مركز الصدع الذي يفجر كل تلك المكابدات ويخلف كل تلك الجراح التي يتسع خَرْقها كلما اتسعت رقعة الحكي الذي يبتدئ من سنوات الخمسينات وإلى حدود الستينات.

نحتاج للاقتراب من هذا العالم إلى الاحتماء بإحساس العميان أنفسهم بالحركات والإشارات التي تصنع المعنى


ورقة في السماء


يُفتتح الحكي في “زاوية العميان” بصوت “الناصري”، وهو يسرد على صديقيه علال وعبدالرحمان سيسو قصة مرضه الذي كاد يقضي عليه وهو لا يزال طفلا بلا قدرة أو ممانعة، قبل أن تأتي فرقة القصابين التي يتزعمها “الفقيه السايح” ذو الكرامات الكثيرة ليدعك رأسه كما باقي الصبية المرضى ويؤجل، بأدعيته السحرية وتمائمه، تهاوي ورقته المعلقة في السماء كما هو الأمر في متخيل والد الناصري الذي كان يعتقد أن لكل إنسان ورقة معلقة في السماء تسقط بموته، وعلى الرغم أن صوت الناصري باعتباره ساردا يتراجع، ليصير ذاتا نصية لها علاقاتها ورهاناتها وآمالها الخاصة، إلاّ أنه يمنح لفعل السرد، الذي يتسلمه سارد متوارٍ، صِدقيته وواقعيته، لتبدأ الحكاية في الامتداد عبر طريق الانتقال المحكم من ذات فاعلة إلى أخرى عبر تقنية التذكر، إذ يبدأ السرد بالحديث بين شخصيتين أو ثلاث قبل أن يذكر في حديثها شخصية أخرى، وعلى هذا النحو تتشكل السيرة الجماعية التخييلية لبوهالة أو هداوة، حيث يتم التركيز على شخوصها ورسم بورتريه خاص لكلٍّ منها، ورصد تفاعلاتها عبر استثمار الجانب الإنساني ممثلا في علاقات الصداقة أو القرابة أو الزواج بينها، فضلا عن سكن غالبيتهم بحي (النوايل) وهو فضاء مركزي للأحداث، قبل أن تنتقل إلى الكورس أو الزاوية وهي جميعا تقع جنوب مدينة آسفي المغربية.

توثيق تخييلي لجماعة حقيقية كانت تعيش في أحد الأحياء الهامشية


حيلة الحياة


إن لجماعة هداوة طبعا وسلوكا خاصين، إذ يغادرون حي النوايل صباحا حتى لَيصير خاويا ويعودون ليلاً ليملأوه بالجلبة والحياة. هم متسولون وبعضهم تجار أيضا يسعون إلى لقمة حارة، لكنها لا تخلو من قسوة وحيلة، ولقد كان علال وعبدالرحمان سيسو يقومان بتعذيب الحمير بحصص جلد دائمة حتى تبدو نشيطة أثناء بيعها كلما ظهر أمامها مُعذبها، وهو موقف لم يرق للناصري فعاتب علالا، لكنه رد “بأنه لا يجد حرجا في ذلك، إذا كان الإنسان أصلاً لا يشعر بأي ذنب وهو يجلد أخاه الإنسان”.

إن هذا البوح يفسر سلوك علال وكثيرا ممن ينتمون إلى الهامش، إذ الكدية والحيلة للحصول على المال أو جعل الناس يقعون في شراكهم هو سلوك مضاد للشعور بالغبن وتماه مع طبيعة الحياة القاسية، وفي هذا السياق لا يتورع بعض أفراد جماعة هداوة عن تشويه أجسادهم أو أجساد أبنائهم ليكون تمثيلهم وادعاؤهم الهوان أكثر صدقا وأشد تأثيرا، كما صنع “حسن الشحاذ” الذي كان يعنف ابنه إن لم يتقن فنون التسول، بل لم يتورع عن إحراق يده، أي الابن، حتى يصير التماهي مع التسول أمرا فيه كثير من الحقيقة، وهنا يصير تشويه الجسد علامة تصنع بورتريها خاصا يعزز الغاية الأساس وهي خداع الناس واستدرار عطفهم والالتفاف على الجانب اللوغوسي فيهم.


مرارة الهامش


يبدو السارد في الرواية متعاطفا مع سلوك الاحتيال، وهو ما يظهر في تعليقه على حصص تعذيب الحمير حيث قال:”كان سلوكا قاسيا من أجل لقمة مرة”، مما يعلن كونه، أي السارد، جزءا من عالم هداوة، إذ قد يكون هو الناصري نفسه، متخفيا في إِهاب سارد مجهول، خاصة أن السارد يحكي الأحداث بالرؤية المصاحبة التي يعرف فيها مقدار ما تعرفه الشخوص. وكيفما كانت الحال، فإن هذا التعاطف هو ترجمة لإحساس عام بالغبن الناجم عن التهميش الممنهج لهذه الطبقة التي ضاعت أحلامها في الطريق.

الرواية تتضمن صراعا بين الأنساق والقيم داخل الهامش نفسه، وينفتح على صراع أكبر بين أطراف النسق السياسي

ومن هذه الشرفات البنيوية والثقافية يظهر أن ”زاوية العميان” تتضَمّن صراعا واضحا بين الأنساق والقيم داخل الهامش نفسه، وينفتح على صراع أكبر بين أطراف النسق السياسي الذي كان مشوبا بكثير من التطاحن المدمر بين السلطة وخصومها عبر الشارع بتأطير من النقابات والأحزاب السياسية المعروفة، ولعل هذا الصراع انتقل إلى الفئات المهمشة ومنهم هداوة، إذ يرصد السارد كيف “صار حي النوايل مثل قرية دخلها الغزاة” بعد أن عاث فيه رجال مدججون بالعصي والسيوف ينتمون إلى جبهة حماية المؤسسات الدستورية” الفديك” في صراعها التاريخي المعروف مع أحزاب المعارضة آنذاك ممثلة في حزبي الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

17