زاوية منحرفة عن الكون

السبت 2017/11/18

تظل بعض المقولات ترافق المتلقي، فيعود إليها ويفكر بها ويحاول إدراك جوهرها، وقد يستشهد بها في هذا الموضع أو ذاك، في الكلام أو في الكتابة، إنْ كان المتلقي كاتباً.

وكلٌ منا، له مثل هذه العلاقة مع مقولات قرأها، وقد تطول مثل هذه العلاقة حتى كأن لا نهاية لها، وعلى سبيل المثال فمقولة “أي أم فورستر” التي حاول فيها وصف الشاعر اليوناني قسطنطين كفافي، الذي اشتهر بشاعر الإسكندرية، لأنه ولد وعاش ومات فيها، وهي “السيد اليوناني ذو القبعة القشّية، الذي يقف بلا حراك أبداً، عند زاوية منحرفة قليلاً عن الكون” من المقولات التي لم تفارق ذاكرتي، وكلما حضرت، وهي كثيرة الحضور، كان لي معها حوار.

ومن الكتاب الذين تناولوا تجربة قسطنطين كفافي، سيرياً وإبداعياً، وتوقفوا عند هذه المقولة، الكاتب “بيتر بينين” في كتابه الذي نشر بعنوان “كفافي- كازنتزاكس- ريتسوس .. ثلاث دراسات نقدية” ترجمته إلى العربية سعاد فركوح، حيث قال “إنه بحق ذو وقفة مائلة قليلاً عن زاوية الكون، وقفة أصبحت مفهومة عندما نتعرف على حياته وخلفيته قليلا، تكوينه النفسي والاجتماعي وظروفه الاقتصادية، والإسكندرية ذاتها، والمشاكل الفنية المحددة التي كان عليه أن يحلها قبل أن يصبح شاعراً حقاً”.

إن في ما ذهب إليه بيتر بينين بشأن وقفة كفافي المائلة قليلاً عن زاوية الكون، إشارة واضحة إلى سيرة كفافي وطبيعة الحياة التي عاشها في مدينة الإسكندرية، وما اقترنت به من ازدواجية، بين سلوكه كبرجوازي متحضر نهاراً، مازال يتمتع بأشياء من تراث أسرته الأرستقراطية، وبين حياته الليلية التي تجعل منه متشرداً، حيث تتسم بانحرافات كثيرة، وبخاصة مثليته على صعيد علاقاته الجنسية، غير أن بيتر بينين، يشير إلى عامل آخر، ينصرف إلى إشكاليات فنية في الكتابة الشعرية كان على كفافي أن يحلها أو يتجاوزها ليصبح شاعراً حقيقياً.

بعد هذا الذي تقدم، سأتجاوز كفافي، إلى فكرة أو مقولة الانحراف قليلاً أو كثيراً عن الكون، التي أطلقها “أي أم فورستر” وتبناها “بيتر بينين” على صعيدي السلوك والعمل الفني، وأسمح لنفسي بأن أصفها، بأنها من قبيل إطلاق القول على عواهنه، فبأي معيار كانت النظرة إلى الكون، ومن ثم بأي معيار كانت النظرة إلى الانحراف عنه؟

وإذا كان هذا الانحراف، بسبب التمرد على قيم مجتمعية، دينية حيناً ووطنية حيناً آخر، أو تجاوزها وعدم احترامها، كما حاول بعض دارسي كفافي، تفسيره، فإن هذه القيم غير ثابتة، وتتغير باستمرار، بل لقد تغيرت حتى في حدود المجتمع اليوناني في الإسكندرية، والذي عرف بالتشدد في الالتزام بها، كما أن ثباتها أو تغيرها لا يمكن تعميمه على الجميع.

أما القيم الجمالية في الإبداع عموماً وفي الشعر بخاصة، فهي الأخرى تتغيَّر باطراد، ولم تفلح النظريات النقدية ومنظروها، رسم حدودها وإبقاء الإبداع داخل مثل هذه الحدود، بل إن من أوليات عمل الإبداع هو التغيير، تغيير الإبداع، والتمهيد للتغيير العام.

إن الكون، وهو مصطلح فضفاض، هو الآخر في تغير دائم، وتصورنا له في الراهن مثلاً، يختلف عن تصوره في الماضي، ومن الطبيعي أن يكون تصوره في المستقبل يختلف عن تصوره في الراهن والماضي.

لذا يمكننا القول، إن مجرد النظر إلى الواقع بعيداً عن هذه المتغيرات، هو الذي يدفع بنا إلى الوقوف عند زاوية منحرفة عن الكون.

وأخيراً، أستطيع القول: إن إدراكنا للمتغيرات واستجاباتنا لها، يجعلنا أقرب إلى أن نكون بعيدين عن أي انحراف في النظرة إلى الكون، ومن انحراف الوقوف عنده.

كاتب عراقي

15