زبيدة المتحررة وغازي البوهيمي والعريبي المتمرد والدوعاجي البودليري

بعد انهيار نظام بن علي، كثر الجدل حول الهوية في الخطابات السياسية والأيديولوجية، وراحت الأحزاب الجديدة التي فرّختها “ثورة الياسمين” تتسابق وتتنافس لتحديد مفهومها. وكانت حركة النهضة الإسلامية الأكثر تعلقا بهذا الموضوع، لذا دأبت على إثارته طوال الفترة التي استغرقها إعداد الدستور الجديد، والتي امتدت على ثلاث سنوات، محاولة من خلال ذلك إقناع التونسيين بأنه يتعيّن عليهم اكتساب هويّتهم “العربية الإسلامية” التي أفقدهم إيّاها بورقيبة حين سعى حسب رأي منظري هذه الحركة إلى “سلخ” تونس عن محيطها الحضاري والثقافي والروحي، ليجعلها أقرب إلى الغرب منها إلى الشرق. ويرى هؤلاء المنظرون أن بن علي أبقى على هذا الوضع، لذا بات الشعب التونسي عقب مرور أزيد من نصف قرن على حصول بلاده على استقلالها، وهو يكاد يكون مسلوب الهوية.
الخميس 2015/11/26
الكتاب يجمع شخصيات تونسية لعبت دورا أساسيا في نشر ألأفكار التنويرية والتحديثية

الحقيقة أن منظري حركة النهضة ومن لفّ لفّهم من جماعة حزب المؤتمر الذي يتزعمه المنصف المرزوقي، حاولوا ولا يزالون، من خلال إثارة سؤال الهوية، تمرير خطابهم الأيديولوجي أكثر مما يرمي إلى تحديد مفهوم الهوية الذي سبق للمصلحين الأوائل الذين برزوا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أن اهتموا به، وجعلوه ركنا أساسيا في كل أعمالهم، ومشاريعهم الإصلاحية التي ابتغوا من خلالها تطوير المجتمع التونسي، ومحاربة مظاهر التخلف والتزمت التي كانت تهيمن عليه، وتجبره على أن يظلّ مشدودا إلى الماضي فلا قدرة له على أن يصنع لا مستقبله ولا حاضره.

من هنا ندرك أهمية تحديث هؤلاء الأوائل للتعليم عبر إنشاء “المدرسة الصادقية” التي كان الهدف منها تربية الأجيال الصاعدة على مبادئ التقدم والتطور التي تتميز بها حضارة العصر، أي الحضارة الغربية. ومن هنا أيضا بعثهم لـ”المدرسة الخلدونية” التي لعبت دورا أساسيا في نشر ألأفكار التنويرية والتحديثية لدى النخبة التونسية.

وبتأثير من تلك الأفكار ظهر جيل جديد من المثقفين والكتّاب والمفكرين الذين أخذوا على عاتقهم تطوير الثقافة التونسية، وفتح آفاق معرفية لم يسبق لها مثيل. وقد تجسد ذلك في أشعار الشاعر أبي القاسم الشابي وفي كتابه النقدي “الخيال الشعري عند العرب”، وفي الفكر الإصلاحي عند الطاهر الحداد الذي كان أول من نادى بتحرير المرأة التونسية من قيود الماضي، وفي الرؤية التاريخية لدى حسن حسني عبدالوهاب الذي اعتبر الهوية التونسية ثمرة للحضارات والثقافات التي تعاقبت على البلاد على مدى 3000 سنة، وفي كتاب الصادق الرزقي “الأغاني التونسية”، وفي بحوث الطاهر الخميري، وفي قصص وأجزال جماعة “تحت السور”، وفي كتابات محمد المرزوقي عن التراث الشعبي في الجنوب التونسي وعن التغريبة الهلالية، وغير ذلك.

مسألة الهوية

الكتاب يحتوي على تعريفات لشخصيات فكرية وثقافية تركت بصماتها الواضحة في التاريخ التونسي المعاصر

لعل الكاتب والباحث التونسي محمد المي (من مواليد عام 1972) الذي سبق أن نشر العديد من البحوث القيمة عن معلمه الروحي الطاهر الحداد، والذي يتميز باطلاع واسع على مختلف أطوار الثقافة التونسية، رغب من خلال كتابه “منطلقات التنوير في الثقافة التونسية” في أن يساهم بطريقته الخاصة في الجدل القائم حول مسألة الهوية معرفا بمجموعة من الشخصيات الفذة التي لعبت دورا مهما في صنع مجد الثقافة التونسية، وفي تحديثها، وتطويرها لكي تكون منسجمة مع مقتضيات العصر.

وقد فعل ذلك مقتديا بكل من الصادق الزمرلي الذي سبق له أن عرّف بالشخصيات الإصلاحية في مطلع القرن العشرين، وبالراحل الأستاذ أبي القاسم محمد كرو الذي ترك ستة أجزاء تتضمن سير ومواقف العديد من الشخصيات الثقافية والسياسية التي تركت بصماتها واضحة في تاريخ تونس الحديث.

سير وشخصيات

نصوص تحيي خطابات التجديد

في كتاب محمد المي “منطلقات التنوير في الثقافة التونسية” نقرأ تعريفات مختصرة لكنها مفيدة عن الشاعرة الراحلة زبيدة بشير التي لمع نجمها في الستينات من القرن الماضي، أي في فترة لم يكن فيها للمرأة مكان في النشاط الثقافي. وكانت هذه الشاعرة القادمة إلى العاصمة من بلدة صغيرة على الحدود مع الجزائر، والتي فتنت العديد من شعراء جيلها “تمثل نموذج المرأة المتحررة، والمنفلتة من قيود المؤسسة الاجتماعية”.

كما نقرأ تعريفا عن الدكتور فريد غازي (1929-1962) الذي كان أول من أرسى مبادئ النقد الحديث في تونس، مطلقا أفكارا كان لها تأثير هائل على ظهور ما أصبح يسمى بـ”حركة الطليعة التونسية” في الستينات من القرن الماضي. وحسب محمد المي “جمع فريد غازي بين حياة البوهيمية والاستهتار، وبين البحث العلمي والأكاديمي”.

ويقدم محمد المي تعريفا بمحمد العريبي “شاعر الألم والتمرد” الذي ولد عام 1915، وانتحر في باريس في أول يوم من عام 1946 يأسا وقنوطا من حياة أمضى شطرها الأعظم مواجها محنا متعددة. وكان العريبي إلى جانب صديقه علي الدوعاجي أفضل من كتب القصة في الثلاثينات من القرن الماضي. كما كتب الشعر باللهجة العامية. وكان عارفا بالشعر الفرنسي متمثلا بكل من بودلير ورامبو على الخصوص.

ويشير المي إلى أن الطاهر الخميري كان يحذق لغات عدة كالفرنسية والإنكليزية والسلافية. وإلى جانب ذلك كان عارفا بأصول الثقافة التونسية من خلال الأمثال والحكايات الشعبية. وهناك تعريفات أخرى للعديد من الشخصيات الفكرية والثقافية التي تركت بصماتها واضحة في التاريخ التونسي المعاصر بحيث يسهل من خلالها التعرف على خصائص الهوية التونسية بعيدا عن الخطابات الأيديولوجية الجامدة.

14