"زجاج مطحون" رواية تستعيد سرديات الحرب

يمكن لهاجس الحرية أن يكون حيّزا أو براديغما لاستعادة سرديات الحرب، ولأنسنة ما يحوط بها من أسئلة يشتبك فيها الثقافي مع الإنساني، بوصفها أسئلة وجودية تتعالق فيها المصائر مع أسطرة اليوميات المألوفة وغير المألوفة في المكان الفاجع، إذ تُحيل إلى النقائض واللحظات المتقاطعة، تلك التي يساكنها الصراع، وتستغرقها أرواح شخصيات مُحبطة، وضائعة، ومهووسة بالبحث عن إيهامات الخلاص.
السبت 2016/12/24
بطل بأكثر من شخصية (لوحة للفنان سعد يكن)

رواية “زجاج مطحون” للكاتب السوري سلام أبوشكير هي رواية تلك المصائر التي تعيشها شخصيات الرواية، وعلى نحوٍ يُسهم في ترسيم ملامح فنطازية للمكان الفاجع الذي تقترحه سرديا الحرب، عبر توصيفه، وعبر تفجير حيواته الداخلية، وأحداثه غير المألوفة، والكشف عن المسكوت عنه في خفايا عوالمها وسرائرها، وفي الإبانة عن رثاثة ما يعيشه الإنسان وهو يتورط في سرديات رعبها وفقدها.

انسحاق الإنسان

أربع شخصيات تتحرك في فضاء الرواية، الصادرة عن دار المتوسط/ ميلانو 2016، تعيش حصارها ورعبها وقلقها في مكان ما من البلاد العربية/ غرفة مغلقة، كلّ شيء فيها عاطل؛ الهاتف، التلفزيون، المرآة، النوافذ، وحتى تبدو وكأنها كناية عن سجنٍ عربي، أو مدينة محاصرة، هاجسها الأثير هو الخلاص بوصفه السؤال الوجودي الذي تعيشه تلك الشخصيات. ولعل استهلال الرواية بالحديث عن (القبر) دلالة على تعالق هذا المكان/ الغرفة مع فكرة الموت في سياقه الوجودي أو الفلسفي، إذ تتبدّى خيوط السرد في متن الرواية عبر التمفصل مع ثيمة هذا الموت الرمزي، من خلال ثيمة الانتظار ليس بتوصيف صموئيل بيكت العابث، بل بوعي المحنة وفضحها وعبثها، بوصفها محنة الإنسان وهو يواجه رعب الحصار والقهر والغياب..

قد تبدو هذه الرواية بأنها رواية أقنعة يرتديها البطل الذي اسمه سلام أبوشكير، لكنها في المقابل هي رواية عتبات، إذ تضعنا لعبة حبكتها الروائية أمام عتبات الواقع والسيرة والحكاية والسجن، والتي تتكشف عبر مواجهاتها أسطرة الواقع وسحره وغرابته، فالبطل يروي من خلالها مصائر شخصياته الأخرى، تلك التي تحمل الاسم ذاته وانتظار الموت ذاته، وكأنه يروي من خلالها مصير شعبه الذي يتشابه وجوده الموحش مع أقداره الشائهة.

تتوزع الرواية على فصلين، وعبر ضميريّ سرد؛ الأنا ونحن، وهذه الثنائية تنطوي على وعي قصدي لتسريد مستويات الحكي، فالضمير الأول يحمل هاجس الاعتراف، والضمير الثاني يحمل هاجس السخرية والمفارقة والإحساس باللاجدوى، حيث تتبدى لعبة السرد وكأنها لعبة الحياة والموت ذاتها، مثلما تتبدى شخصيات الرواية، وهي تنخرط في الكثير من المواقف حيث تعيش الهلاوس التي يمارسها ضحايا العقاب والقمع في المحابس التي تحدّث عنها ميشيل فوكو، إذ يحمل المكان المغلق شفرة البيت المحاصر في الحروب الأهلية، أو السجن أو المستشفى العقلي، وأنّ وجوده يستظهر معه الحيوات المُعذبة، تلك التي تعيش عزلة الجسد وغربته وضحالته.

تعرية الإنسان

تتحول اللغة إلى شفرات للتعبير عن الخواء والعبث، حيث تفقد قدرتها على التواصل لتبدو لغة شوهاء تكشف عن انسحاق الإنسان “كنّا نخشى أن يدهمنا الوقت، فالجثّة ستتفسّخ حتماً، عاجلاً أو آجلاً ستتفسّخ.. لذلك قرّرنا أن نضعها في الحمّام، لا لأنّه أبرد قليلاً وحسب، بل لأنّه المكان الذي ندخله أقلّ من سواه. لم يكن لائقاً أن تظلّ أمام أعيننا طوال الوقت، ونحن نجلس، أو نستلقي، أو نتمشّى، أو نأكل، أو ندخّن، أو نخاطب مخدّاتنا”.

من ناحية أخرى فإن دالة العنوان تحمل معها كثافة الإحالة إلى الواقع، وإلى ما يشبه سردية الوعي المُجهض، حيث تتحول العلاقة ما بين الوعي والواقع إلى لعبة محو متبادل، إذ يُحيل الزجاج إلى ما هو حادّ ولامع وخادع، والطحن إلى ما يشبه السحق، والعنونة المركبة (الزجاج المطحون) كناية عن سحق كل شيء- الشخصيات، والأمكنة، والأحلام، ليس لأنها تعيش تحت رهاب المكان الغامض، بل لأنّها تعيش وقائع انسحاقها تحت يوميات حربٍ لا نهاية لها، حرب تتحول إلى لعبة اغتراب موحشة وفنطازية، إذ هي حرب الإنسان مع غيابه، مثلما هي حرب الإنسان مع عدوّه الذي يفترس التفاصيل؛ الوقت والأحلام والمكان والذاكرة والقبر، وما يتبدّى عبر هذه اللعبة يتحول إلى طاقة ناشزة، وظيفتها أنسنة العبث الذي تعيشه الشخصيات.

رواية أقنعة يرتديها البطل

ورغم أن شخصيات الرواية مُقطّعة زمنيا؛ خمسيني، أربعيني، ثلاثيني، عشريني، إلّا أنها تنبثق داخل الفضاء السردي على شكل حيوات متشابهة تتصارع، وتعايش إحباطها وفقدها، حيث يختلط الواقعي بالغرائبي، ولتحفيز القارئ على نوع من القراءة السيميائية، تلك التي تجد في هذا الموت العبثي مجالا تعبيريا عن فظائع يوميات الموت الوطني، أو ربما التشابه بالموت الوجودي أمام عبث فاجع، لا حيل سردية يقترحها المؤلف سوى الإيغال في استيهام فكرة الموت، وكأنها رسالته الوحيدة للاحتجاج على ما يجري ورفضه.

الشخصيات التي تحمل الاسم ذاته هي في الجوهر شخصية واحدة، لكن لعبة السرد تقتضي تقانة التحويل، وبناء مشهد المتاهة، تلك التي تكشف عن نزعة أبوشكير لتشكيل ما يشبه المشهد السينمائي، عبر بناء الجملة السينمائية/ السردية، وعن نزعته الفلسفية القائمة على تأمل فكرة الوجود عبر ثيمة العذاب الإنساني، وهي رؤية تعتمدُ وظائفية اللقطة/ الفكرة لإبراز سيمياء الإنسان المأزوم ومحنته وهامشيته وضياعه، تلك التي يرصد من خلالها رمزية الإنسان الضحية، وقسوة وحدته إزاء الموت، وهشاشة وجوده إزاء عالم يضيق به حدّ القبر، لتبدو لعبة السرد بوصفها المجازي وكأنها “حيلته النسقية” كما يقول النقاد الثقافيون للكشف عن المضمر عبر اللغة.

تتكشف المونولوجات عمّا يشبه التعرية، تعرية الإنسان عبر العبث بوجوده، وحيث يبدو الموت العبثي للثلاثيني في الرواية وكأنه تصعيد لـ”الغثيان” الوجودي الذي تصنعه حرب اللاجدوى، الحرب التي تتمثلها اللغة بوصفها التعويضي، “في تلك الليلة كان النقاش ساخنا حول الحرب، إلى أين نمضي؟ أصدقاؤنا، أعداؤنا، الخيانات، التحالفات، الخرائط، الحدود، الأسلحة، والمرايا بطبيعة الحال، والتي يُكلّفنا غيابها المزيد من الدماء كلّ يوم. تكلّم الثلاثيني كثيرا تلك الليلة، ورفع صوته، وكان يضرب الطاولة بقبضته ويعضّ على شفتيه ويبتلع ريقه إثر كلّ عبارة يقذف بها من فمه، وعندما غادرنا إلى فراشه رأينا وجهه محمرّا، وكأن ثمة عرقا ينبض على جبهته”.

يأخذنا أبوشكير إلى وطأة فاجعة للحرب والخيبة، وإلى مناخات مسكونة بالفقد، وإلى سرديات أقلّ ما يقال عنها بأنها سردياتنا القومية، تلك التي بتنا ضحاياها، ومسجوني لياليها المحاصرة بالانتظار العبثي واليافطات والخيانات، وما يشبه الموت الوجودي.

16