زراعة القطن تتحدى الأزمات الاقتصادية في سوريا

الذهب الأبيض يصطدم بكلفة الإنتاج وارتفاع أسعار الأسمدة والبذور.
الخميس 2020/11/26
الذهب الأبيض رافد للاقتصاد

بدأت زراعة القطن الاستراتيجية في سوريا تعود إلى سالف نشاطها بعد سنوات من إتلاف المحاصيل نتيجة سيطرة التنظيمات الإرهابية على المساحات الزراعية وحرمان الدولة من عائدات ضخمة للقطاع الاستراتيجي الذي يرفد الاقتصاد.

حماة/ دمشق -  أبدت زراعة القطن الاستراتيجية انتعاشة ملحوظة متحدّية الصعوبات التي تنعكس على كافة الأنشطة في سوريا، في ظل أزمة اقتصادية خانقة وتركة سنوات من الحرب وسيطرة التنظيمات الإرهابية على أراضي المزارعين، ما حرم الدولة من إيرادات ضخمة طيلة سنوات.

واستبشر المزارعون باستعادة قطاع “الذهب الأبيض” الاستراتيجي لنشاطه، حيث أعطى دفعا وحركية للاقتصاد في ظل أزمات لا حصر لها، ما من شأنه رفد الاقتصاد.

وكان المزارعون ينشغلون بقطف القطن، الذي يسمى “الذهب الأبيض” كناية عن أهميته الاستراتيجية، في أرض زراعية بمحافظة حماة وسط سوريا، حيث يقومون بتعبئته في أكياس قبل التوجه إلى محلج القطن الذي تديره الحكومة، لبيعه.

وكان عدد قليل من العمال ينشغلون بجمع القطن من أغصانه، بينما كان المزارع الذي يملك الأرض يقف على مكان مرتفع يراقب العمل تحت أشعة شمس الخريف المعتدلة.

مطالب بالمواءمة بين زيادة أسعار القطن وكلفة الإنتاج لدعم المزارعين وتعزيز إسهامات القطاع في النمو

كل عامل يحمل بيده كيسا يضع فيه القطن الذي يجنيه، وبعدها يتم نقل الأكياس إلى شاحنة صغيرة حيث يقومون في نهاية الأمر بتفريغ حمولاتهم.

ونسبت وكالة الأنباء الصينية “شينخوا” للمزارع مفلح العاشق، وهو مالك الأرض، قوله إن “هذا العام هو الأول منذ ثماني سنوات، الذي يزرع فيه أرضه لأن المنطقة كانت خارج سيطرة الحكومة”.

والعاشق، ينتمي إلى عائلة امتهنت زراعة القطن منذ أكثر من 80 عامًا، ويأمل أن يكون محصول القطن هذا العام جيدا بما يكفي كبداية بعد كل سنوات الحرب.

وقال، والأمل يحذوه “لقد تمكنا من دخول هذه الأرض وزرعها قطنا، وآمل أن يكون الحصاد جيدًا ويفيدنا جميعًا هذا العام”.

ومع ذلك، فإن العودة إلى الأرض والبدء في زراعتها ليست سوى البداية، وأشار العاشق إلى أن هناك معوقات أمام زراعة القطن، أولها الثمن المنخفض الذي تحدده الحكومة للمحاصيل.

وأخيرا، حددت الحكومة سعر الكيلوغرام الواحد من القطن بـ700 ليرة سورية (ما يعادل حوالي 56 سنتا) لكن هذا السعر لم يلق صدى لدى المزارعين ومنهم العاشق، حيث أن تكلفة الإنتاج أعلى بكثير من ذلك.

وقال إن نصف السعر المقترح يذهب إلى العمال الذين يجمعون القطن، ناهيك عن سعر الوقود والأسمدة.

وأشار إلى أن “زراعة القطن عملية طويلة ومكلفة، حيث تحتاج إلى تأمين مواد أولية مثل البذور والأسمدة والوقود، وعندما تتوفر هذه المواد بأسعار مناسبة يجب أن تكون هناك محاصيل جيدة”.

وتابع “نطالب بزيادة أسعار القطن لتكون مساوية للتكلفة الواقعية في الحياة المعيشية وتكون كافية لدعم المزارع، لذلك يجب أن يكون هناك توازن بين الوضع الذي ندعم فيه المزارع والحصول على المنفعة الاقتصادية للقطن الذي نسميه الذهب الأبيض”.

وأشار إلى أن الوضع ما يزال صعبًا حيث “لا يمكننا المضي قدمًا على هذا النحو، فلن يكون الأمر كافيًا اقتصاديًا”.

وأضاف العاشق “لكي تستفيد جميع الأطراف، يجب على الحكومة دعم المزارع للحفاظ على الاستمرارية وتشجيعه على زراعة المزيد من محاصيل القطن، مع ذلك، إذا لم يجد المزارع ذلك مجديا اقتصاديًا، فلن يتمكن من الاستمرار”.

700

ليرة سعر الكيلوغرام الواحد من القطن وهو منخفض مقارنة بكلفة الإنتاج وأسعار الوقود

من جانبه، رسم كمال الصواف، مدير محلج محردة للقطن في حماة، صورة أكثر إشراقًا، قائلاً إن حصاد هذا العام أفضل بكثير من العام الماضي.

وأوضح أن محلجه استقبل هذا العام 2600 طن، منها 2300 طن من محافظة دير الزور الشرقية و300 طن من حماة.

وفي العام الماضي، تلقى المحلج 700 طن فقط.

وقال الصواف إن الفارق واضح بفضل عودة المزارعين إلى أراضيهم نتيجة عودة السلام والأمن إلى المناطق التي كانت تسيطر عليها التنظيمات الإرهابية سابقا.

وأضاف “هذا العام أفضل من العام الماضي من حيث كميات القطن التي حصلنا عليها لمحلج مدينة محردة، ويرجع ذلك إلى عودة المزارعين إلى أراضيهم للاستقرار والبدء في إنتاج القطن”.

وأضاف أن محصول القطن محصول زراعي وصناعي واجتماعي، مشيراً إلى أن 20 في المئة من السكان السوريين كانوا يعملون في السابق في حصاد القطن.

وتابع “نحن نطلق على محصول القطن ‘الذهب الأبيض’ لأنه في الحقيقة ذهب أبيض وإيراداته الاقتصادية لخزائن الدولة كبيرة جدًا، ونأمل أن تعود زراعة القطن إلى ما كانت عليه قبل الحرب في غضون أربع سنوات”.

وتضررت محاصيل القطن طيلة سنوات من القصف الجوي والحرب، حيث سبق أن ذكر تقرير مجموعة عمل اقتصاد سوريا أن “حالات حرائق أصابت المحاصيل القطنية نتيجة القصف الجوي والمدفعي، أتلفت أكثر من 50 ألف طن في محافظة الحسكة في العام 2015”. وتشير تقديرات إلى أن إنتاج القطن انخفض من مليون طن في عام 2010 إلى 150 ألف طن في عام 2014. وقال التقرير إن معظم محالج القطن توقفت عن العمل واحترقت مستودعاتها لذات الأسباب طيلة سنوات الحرب، إضافة إلى الحرائق المتعمدة والمرتبطة بالفساد، وهناك العديد من المزارعين في منطقة الغاب وغيرها حُرِموا من جني المحصول.

ويستقطب القطاع حوالي 20 في المئة من الأيدي العاملة السورية، كما أنه يزرع على مساحات شاسعة تقدر بحوالي 200 ألف هكتار تنتج حوالي 800 ألف طن سنويا.

وتراجعت صادرات القطن بشكل ملحوظ منذ بداية الأزمة في البلاد، حيث بلغ الإنتاج نحو 59 ألف طن في الفترة بين 2010 و2012، في حين بلغ 132 ألف طن في الفترة الفاصلة بين 2003 و2005.

وانخفضت نسبة مساهمة القطن غير الممشط في إجمالي الصادرات الزراعية السورية في الفترة بين 2010 و2012 لتبلغ 2.4 في المئة، مقابل مساهمة قدرها نحو 5.2 في المئة في فترة ما بين 2003 و2005.

مساهمة القطن انخفضت في إجمالي الصادرات الزراعية السورية
مساهمة القطن انخفضت في إجمالي الصادرات الزراعية السورية

 

10