زربية بابار الجزائرية تراث المرأة الأوراسية المهدد بالاندثار

“السداية” أو المنسج هو ذلك المحمل الذي تصنع عليه المنسوجات الصوفية. كان متواجدا بكثافة في البيوت العربية قديما، فهو أداة الحرفيات لصناعة السجاجيد ومستودع أسرارهن ومواهبهن وبه يعبرن عما يختلج داخلهن بأسلوب فني وذوق متأثر بما تعلمنه من جداتهن ومن بيئتهن الثقافية. غير أن المنسج اليوم، كما السجاجيد الصوفية المصنوعة بالطرق التقليدية، يكاد يندثر وهو ما دفع حرفيات جزائريات إلى محاولة حفظ الحرفة من الزوال عبر تلقينها للأجيال القادمة.
الاثنين 2015/11/23
زربية بابار هي اللوحة التي تحمل أشكالا ورموزا تعكس حياة الأسرة والمجتمع الشاوي الأوراسي

الجزائر - صناعة الصوف والنسيج والسجاد بالطرق التقليدية ظلت في المجتمعات العربية مرتبطة بالمرأة. وهي حرفة مثلت لعقود مصدرا للدخل للنساء في البيئات المحافظة وخاصة في الوسط الريفي، وفي الآن ذاته كان النسيج مجالا تطلق فيه النساء مواهبهن في الرسم والتلوين واختيار الأشكال.

لكن اليوم تواجه هذه الحرفة اليدوية مخاطر الاندثار مثل العديد من الصناعات التقليدية، رغم دورها في حفظ الهوية والخصوصيات الفنية والثقافية لكل منطقة تتواجد فيها.

وتسعى النساء الجزائريات إلى الحفاظ على حرفة نسج السجاد بالطرق التقليدية أو كما تسمى محليا الزربية، وذلك عبر تمسكهن بهذه الحرفة وسعيهن لترويجها والتعريف بها وخاصة عبر محاولة توريث تقنياتها ومراحلها وأدواتها لأجيال المستقبل، حتى لا يتوقف إنتاجها وتظل متواجدة في الاستعمالات اليومية وفي الديكور المنزلي ولا تقف عند استحضار ذاكرة التراث الفني.

زربية بابار سميت نسبة للقرية التي تصنع فيها الواقعة في محافظة خنشلة التابعة لمنطقة الأوراس في الجزائر، وتعد أشهر أنواع الزرابي الصوفية الجزائرية وأرفعها سعرا.

فعندما تتكلم نساء منطقة الأوراس وعجائزها عن “السداية” و”النغادة” و”الخلالة” و”القرداش” و”المقص” و”الخيط” و”الصوف” فهن يحضرن أدوات ولوازم نسج الفراش أو الزربية. أما إن تحدثن عن “الدراقة” و”العقدة” و”الحولي” فهن يقصدن أشهر أنواع زربية بابار الضاربة في عمق وتاريخ الشاوية والأوراس والمميزة بشكلها وألوانها الأصيلة والمعبرة عن الحال مثلما تصفها أمهات وجدات احترفن نسج الزربية البابارية.

الفتاة الأوراسية كانت تعبر عما يخالجها من مشاعر الفرح أو الحزن بما ترسمه من أشكال في الزربية التي تنسجها حتى أن الصبيَّة إن أرادت الزواج واستحت من أهلها تعبر عن ذلك الشعور برسم أو شكل تجسده في زربيتها يعكس ذاتها ورغباتها.

كما أن أصالة الزربية البابارية تعكس حياء وحشمة أهلها الذين كانوا يستعملون أحد أنواعها وهو زربية “الدراقة”، من (الدرقة بالعامية) والخفية والتخفي باللغة العربية، في الفصل بين النساء والرجال داخل المنزل الواحد. كما تؤثث بها الخيام كميزة للشهامة.

ما تخضع له الزربية البابارية من مراحل دقيقة في الصنع والزينة يجعلها تكتسب طابعا أصيلا يدل على مهارة محترفيها ومحترفاتها

محترفات هذه الصنعة اليدوية يؤكدن أن زربية بابار كانت ولا تزال الفراش والغطاء وزينة البيت وفخرها. وهي بالنسبة لنساجيها اللوحة التي تحمل أشكالا ورموزا وألوانا تعكس حياة الأسرة والمجتمع الشاوي الأوراسي، حيث نجد فيها الأشكال والرسوم التي تذكرنا مثلا برسم “الخربقة” وهي لعبة يتسلى بها كبار المنطقة وتلعب بحجارة صغيرة على الأرض وفي الهواء الطلق.

وكذلك رسم “المشرف” الذي يعبر عن القراط والحلي التي ترتدينها المرأة الأوراسية. فضلا عن رسم “المحراب” الذي هو رمز التدين، ورسومات أخرى مثل “كف الذئب” الذي رسمه الأجداد على الزربية بعد أن رأوا في يوم مثلج آثار قدمه منقوشة على الثلج ورسم “عباد الشمس”، وغيرها.

وتعد زربية بابار من أشهر أنواع الزرابي في الجزائر وخارجها خاصة وأنها مثلت البلاد وتراثها المادي في كثير من المحافل والمعارض والمهرجانات الفنية الدولية لتنافس أجود أنواع الزرابي في العالم، لأنها تعتمد في جميع مراحل صنعها على مواد طبيعية يتم تحضيرها بالطرق التقليدية تبدأ من اختيار دقيق لنوعية صوف الأغنام ذات الجودة العالية والقابلة للتطويع على المنسج.

وبعد ذلك تأتي مراحل تنظيف هذا الصوف بعد الغسل والتجفيف باستعمال القرداش (أداة للتمشيط) حيث تتساقط منه جميع الأوساخ العالقة به، تلي ذلك مرحلة أكثر دقة تتمثل في تلوينه ودبغه باستعمال مواد طبيعية مثل الحناء والزعفران وأوارق شجرة الكاليبتوس وغيرها من الأعشاب الطبيعية التي تستخرج منها الألوان، ويغزل بالمغزل الخشبي وتبرم خيوطه، قبل أن توضع على المنسج إيذانا بانطلاق عملية صناعة الزربية التي تحتاج لأسابيع وأشهر من العمل الدؤوب والصبر حتى تكتمل زينتها.

وكل ما تخضع له الزربية البابارية من مراحل دقيقة في الصنع والزينة والتلوين وما يتطلبه ذلك من دراية وإتقان ووقت وصبر وذوق، يجعلها تكتسب طابعا أصيلا يدل على مهارة محترفيها ومحترفاتها.

لكن صناعتها بالأدوات والطرق التقليدية بدأت تنراجع وتتجه نحو الاندثار في حين أنه يمكن إدخال بعض التجديد عليها خاصة في الشكل حتى يسهل إدخالها في انسجام مع الديكورات الحديثة للمنازل وغيرها من الفضاءات الخاصة والعامة، وهو ما من شأنه أن يعيدها إلى الحياة ويرجع الإقبال عليها.

12