زرقة صوفية تحتضن لوحات العراقي نزار يحيى

"عما سيحدث"، هو عنوان المعرض الذي أقامته صالة مارك هاشم في بيروت للفنان العراقي نزار يحيى. والذي يقدم مجموعة أعمال للفنان يتلازم فيها التجريدي مع التشكيلي، ليتكاملا في نص يسرد نهاية الحياة البشرية كما يراها الفنان.
الجمعة 2017/10/20
خلايا متباعدة ومتكاثرة على جدران الصالة

بيروت – يمكننا أن نعدّ أعمال الفنان نزار يحيى في معرض مارك هاشم الذي ينعقد في بيروت بعنوان “عما سيحدث”، أعمالا ناتجة عن مجهود ذهني وبحثيّ واضح لفحته أمطار صوفية أغدقت عليه كل ألوان قوس قزح، دون أن تجعل من هذه الأعمال مهرجانا بصريا مشوشا للتجليات الفكرية والروحية التي هي محور العمل الفني وهدفه.

الأعمال المشغولة بالألوان الزيتية وبالأكريليك هي أجزاء من كل واحد. تنتشر كمقتطفات من الذاكرة الشخصية والجماعية وتربط بينها خلفية لونية واحدة بزرقة البحار العميقة، وبعتمة الكون الحاضن لألوان وأنوار غير مجانية لا تفصح عن ذاتها إلا أمام كل مُخترق لظاهر العالم الذي نعيش فيه، بداية بالفنان ونهاية بمتلقي الأعمال.

خلايا الرغبة

يقدم الفنان معرضه هذا بنص مُكثف يحمّله وطأة الأسئلة الكبرى، بداية من الأسئلة عن نهاية العالم وصولاً إلى التفكر في الظلامية التي طغت على فصول الحياة البشرية منذ بداية البدايات. تساؤلات تفضي جميعها إلى ماهية الحياة ومعنى نهايتها.

بالرغم من أن جميع لوحاته تطرح كل واحدة منها على حدة إجابات تعبر عن مدى اقتناع الفنان بها، فهي تظل موشحة بغموض “أصلي” هو جزء من طبيعتها مناقض تماما لسرية مُتعالية على الصنف البشري.

كل لوحات الفنان هي خلايا مُتباعدة ومتكاثرة على جدران الصالة، تحاول في كليتها بأن تأخذ على عاتقها وطأة سرد سيرة البشرية، التي على الرغم من همجيتها، استطاع الفنان أن يجعلها ترشح سلاماً يصعب عليك فهمه إلا اذا كنت صوفيا عالما بما لا نعلم.

لعل كيفية هذا السرد تجد صداها في كلمات ناصعة خطها الفنان في تقديم معرضه، وقدمت نوعاً من التبرير أو التفسير لهذه القدرة على التغاضي عن “الكارثية البشرية”.

لوحات الفنان هي خلايا مُتباعدة ومتكاثرة على جدران الصالة، تحاول في كليتها بأن تأخذ على عاتقها وطأة سرد سيرة البشرية

يقول الفنان “نحن مكونون من جزئيات أرسلتها النجوم المُحتضرة في عتمة الفضاء. موحدون في الولادة، كذلك سنكون، في لحظة الموت”.

هكذا، وبقدرة قادر، استطاع الفنان أن يجمع كل المصائب الذي ارتكبها البشر في حق ذاتهم، مع اللحظات النيرة النادرة نسبيا من تاريخهم في رحم كوني عطوف وواحد بلون زرقة المحيطات العميقة، كما استطاع أن يطلق عنوانين مختلفين تماما وهما “كل شيء” و”لا شيء” على عملين متشابهين تماما ولا يمثلان إلا زرقة داكنة، وكأنه يقول: يكفي أن يكون الموت خاتمتنا، وأن نكون مدركين لذلك وأن يكون هذا العالم الذي عشنا فيه ليس أكثر من زخارف موقوتة مرهونة بالتشظي والتناثر، حتى يتحقق التوازن فنستحق السماحة، ورجاء الغفران.

يطرح الفنان الحقائق في لوحاته بهدوء العارف، لذلك ترشح من لوحاته، ولا سيما تلك التي تحمل هذه العناوين “عائلة من 13 فردا” و”رؤيا مغايرة” و”عالم متوسع”، رصانة مُطمئنة، استطاعت أن تقدم في ما قدمت أنها حقائق غير قابلة للنقاش.

مع هذا الهدوء الفكري المُنتشر في كل أعماله كسمة أساسية، تتغلغل شعرية فنية ضبط إيقاعها “العاطفي”، إعجاب الفنان، الواضح بالرياضيات وعلم الفلك والدراسات المجهرية لأصول التكوين العضوي.

هدوء خاص جدا يحيل إلى الذبذبات الصوتية والبصرية التي لا يسهل إدراكها إلا إذا ترجمت على شاشات إلكترونية صُممت لهذا الهدف، أو في لوحات كلوحات الفنان الحافلة بجزئيات نابضة تشتغل بصمت في تكوين الموجودات المتواصلة عبر فراغات حيوية، أو أنسجة لا مرئية. نذكر من تلك اللوحات “وصفات”، و”مُفرد”، و”عائلة من ثلاثة أفراد”.

كما يتجلى هذا الهدوء في علامات بارزة؛ كالوضوح في الأشكال، وشبه غياب للتدرجات اللونية، وتقشف في التفاصيل، وإرساء لخلفية مُتجانسة ومُسطحة لونيا.

أعمال تحت وطأة التمعن في النهايات

الشخصي/ الكوني

في المعرض لوحة أساسية لإدراك معاني لوحات المعرض، وهي نسخة مُعدلة عن العمل الشهير “الرجل الفيتروفي” للفنان الإيطالي ليوناردو دافينشي. تحمل اللوحة عنوان “هشّ”. وهناك لوحة أخرى يُمكن اعتبارها امتدادا لها وهي بعنوان “الطين المُعالج بالنار”. كما نجد في المعرض مجسمين مشغولين بأسلوب عصري جدا ويحملان عنوان “تفكيك المثالية” وهما أيضا امتداد لمضمون اللوحتين.

قام الفنان بتقويض نابغ لرائعة دافينشي فنان النهضة الأوروبية، والمُسماة بـ”الرجل الفيتروفي” التي اعتبرت شعاراً من أهم شعارات عصر النهضة الأوروبية التي صورت واعتبرت الإنسان محور الكون.

“رجل” الفنان نزار يحيى ينطق بعكس ما نطق به “الرجل الفيتروفي” وهو أشد إقناعا منه. صوره الفنان مفكك الأوصال، دون أن يقلل من جمالية وهيبة هيئته كإنسان أراده الخالق في أحسن تقويم. لكن إنسان نزار يحيى، ليس بمحور للكون ولا هو يستحق أن يكونه، ربما يستحق فقط، كما أسلفنا، الغفران.

في وجه “فيتروفي” دافينشي، يقف “البيروني”، العالم العربي والمتعدد المواهب والانشغالات، مُنيراً ومُناراً في لوحة خاطفة للأنفاس ببساطتها وقوتها وتعبيرهاعن الأفكار المتجانسة التي طرحها الفنان في المعرض.

أطلق الفنان على هذه اللوحة عنوان “لمعان”. نجمة المعرض من دون أي منازع. وإذا كان الكون يدور من حول الرجل الفيتروفي في نسخته الأولى فـ”الفيتروفي” المُعدل بريشة الفنان العراقي لا يدور من حوله العالم بل يقع تحت نظره الخارق.

قدم الفنان “البيروني” بذكاء صوفي جاعلا منه لا يعدو، بالرغم من عظمته، إلا أن يكون جزءا بسيطا من هذا الكون المتوسع حتى أجل مُسمى، وليس محورا للكون. هذا أقل ما يُقال عن هذه اللوحة الرائعة.

وضع الفنان بعض ذكرياته الشخصية المرتبطة بشخصيات عرفها وتأثر بها بداية من طفولته، كما وضع الأفكار الفلسفية التي طرحها حول ذاته وحول المسائل العامة المتعلقة بالبشرية ونهاية العالم الذي تصوره أو تمناه أزرق ومفعما بالألوان، وضعها في عهدة البيروني وتحت نظرته الفاحصة، وفي عينه الشاخصة إلى المُشاهد في الآن ذاته. مُشاهد هو الآخر وقف أمام الأعمال تحت وطأة التمعن في النهايات، تلك التي تخيلها الفنان أم لم يتخيلها.

17