زر "لا يعجبني" صراخ في الفضاء الرقمي

منذ إعلان مؤسس شركة فيسبوك مارك زوكربيرغ عن اقتراب تفعيل خيار “لا يعجبني”، اختلف المستخدمون والمختصون على مدى صواب هذه الفكرة، التي قد تحول الموقع الاجتماعي الأكثر شهرة في العالم إلى ساحة من المعارك والعنصرية، رغم ما قاله زوكربيرغ بأن هدفه إظهار التعاطف ليس إلا، واستجابة لمطالب المستخدمين المتكررة.
السبت 2015/09/19
ضغط زر "لا يعجبني"على صور الأصدقاء أو صور أطفالهم وأشيائهم المفضلة سيكون أمراً عاطفيا قاسيا

لندن - يحاول فيسبوك اللحاق بركب التطور الحاصل في ميدان منافسة الشبكات الاجتماعية، ومن الملاحظ أن هذه الشبكة الاجتماعية تغيرت بشكل كبير منذ أن اقتحمت شاشاتنا واستحوذت عليها قبل 11 عاما.

بعد القرار الذي اتخذه مارك زوكربيرغ مؤسس الشركة، بإدراج زر “لا يعجبني”، الذي رفضه سابقا مرارا وتكرارا، انهالت التعليقات المنتقدة والمؤيدة للقرار، ليس فقط بين الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي إنما أيضا بين الخبراء والمختصين.

تقول إيما بارنيت في صحيفة ذي تيلغراف البريطانية، أن فيسبوك اليوم بعيد كل البعد عن محتواه الأول المتكون أساسا من صور مستعملين وهم تحت تأثير الخمر أو فخر متواضع بشأن نجاح ما أو صور ظريفة مع العائلة، بل تحول فيسبوك اليوم إلى وحش سياسي.

فعندما تلقي نظرة واحدة على أكثر مواضيع هذا الموقع شهرة منذ 2014، يمكنك ملاحظة أن فيسبوك قد أصبح عبارة عن ناد عمومي للمصارعة الحرة، بداية من الاستفتاء الاسكتلندي ووصولا إلى صراع غزة. وهو ما قد يجعل زر “لا يعجبني” مثيرا للجدل، هل سيخفف من حدة التعليقات السلبية والعنصرية وتلك المحملة بشتى أنواع الإهانات اللفظية، أم سيكون فاتحة لإثارة مشاكل أخرى.

ولا ينظر البعض إلى هذه التطويرات المتلاحقة التي يدخلها زوكربيرغ على موقعه الشهير، بنظرة براءة، إذ بإطلاق العنان للاستعمال الحر لزر “لا يعجبني”، لن ينجح زوكربيرغ سوى في بث سموم إضافية في أجواء يعمها الانقسام المتواصل بين “الأصدقاء” الفيسبوكيين.

وفي الوقت الذي ستتمكن فيه الشركة حتما من اجتذاب العديد من النشطاء وتعميق إدمان آخرين عليها بمثل هذه المبادرات، إلا أنها تطلق في الآن ذاته اتجاها آخر أكثر كآبة وخطرا: النشاط الاجتماعي الذي ينطلق من الأريكة، المعروف باسم النشاط المتقاعس الكسول.

ويمكن القول أن صفحة فيسبوك الشخصية لم تعد مكانا “آمنا” للتسكع منذ العام الماضي. فقد تحدث العديد من الأشخاص عن تجربتهم الخاصة في تعاملهم مع أصدقاء في فيسبوك، وخلصوا إلى نتيجة مشتركة مفادها أن “البعض من الأصدقاء أصبحنا نراهم في ضوء جديد بالكامل”.

إيما بارنيت: زوكربيرغ يأمل في تحقيق فروق في الإنترنت مع زر جديد مخصص للـ"كره"

وتتساءل بارنيت، كيف تظهر ازدراءك من شيء معين؟ أو إبراز اتفاقك المطلق مع قضية تعني لك الكثير؟ قد يقوم البعض منكم باستعمال القلم والورق للتعبير عن احتجاجكم. وسيتصل آخرون مباشرة بالأشخاص المعنيين، وهذا يتوقف على مقربتكم من هذه المسألة. بينما سيعمد آخرون إلى النزول في الشوارع إذا استلزمت القضية الاحتجاج العام أو ما شابه. ولكن، هذه الأيام، يقوم معظم الناس ببساطة باللجوء إلى نشر تعليق أو تحديث على فيسبوك أو تويتر، أو ما شابه ذلك إلى الفضاء الرقمي. وتنتهي مشاركتنا في القضية عند ذلك. لقد فعلت ما يتوجب عليك.

منذ أيام قليلة، تحدثت الكاتبة إيما إلى إحدى نساء “فيمن”، المجموعة النسائية التي تستعمل التعري للاحتجاج، والتي تتصدر حاليا عناوين الصحف بعد أن اقتحمت إثنتان من ناشطاتها مسرح المؤتمر الإسلامي في باريس. ويبقى منهج فيمن مثيرا للخلاف، بالتأكيد. ومن المفارقات، أنهن اكتشفن مكان وزمان الحدث الإسلامي على صفحات فيسبوك، بعد أن أعرب بعض الناس عن قلقهم إزاء بعض المتكلمين.

ولكن بدلا من الضغط على زر رقمي، وضعن هواتفهن وقمن بشيء حيال ذلك واقعيا.

تقول بارنيت، في حال كنتم تشعرون بمحدودية خياراتكم الرقمية، فإن زوكربيرغ، قد يخبّئ لكم خيارا في جعبته. إذ يبدو أنه يأمل في تحقيق بعض الفروق في عالم الإنترنت مع زر جديد مخصص للـ”كره” على فيسبوك. وليس من المتوقع أن تتمّ تسميته بزر “الكره”، باعتبار أن الملياردير الشاب يقول إنه لا يريد أن يشجع الناس على أن يكونوا معادين لبعضهم البعض (هل هو فعلا جاد؟ هل اطلع مؤخرا على ما يتم تداوله على الإنترنت؟). بل إنه يريد وضع زر يساعد المستعملين على “التعاطف مع الآخرين”.

ومن الواضح كذلك أن ما يقارب المليار من مستخدمي فيسبوك ينتظرون هذا الحدث على أحر من الجمر. إذ يدرك زوكربيرغ جيدا مدى محدودية نطاق زر “أحب” منذ سنوات، ولكن يبدو أنه لم يجد حتى الآن الحل الأمثل لتسوية هذه المسألة العويصة.

قبل عامين، كان مطور من الشركة قد كشف أن فيسبوك يعمل على طرح زر جديد “للتعاطف”، ولكن لم ينتج عن ذلك أي مشروع حقيقي حتى الآن.

سيُخيّل للعديد من مستعملي زر “الكره” أنهم يحققون تقدما فعليا في مجال أو قضية ما، ولكن ذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة. كل ما يوفره هذا الزر هو فرصة أخرى لتشتيت انتباهكم عن العالم الحقيقي وطريقة إضافية للصراخ في فضاء الفراغ الرقمي.

على مارك زوكربيرغ أن يدرك الحقيقة: لقد فات الأوان لتدارك الوضع بمجرد وضع زر "كره"

توفير هذا الزر ليس أمرا سهلا كما يظن البعض، بل من الممكن أن يتسبب بخلق مشاكل حتى بين الأصدقاء وأفراد العائلة وزملاء العمل التي قد تسبب ضغطة واحدة ولو عن طريق الخطأ بشرخ العلاقة بينهم.

بسبب ذلك تردد رئيس الشركة طيلة هذه السنوات عن وضع مثل هذا الزر، كما قال في حديثه، إلى أنه لم يرغب بأن يكون هذا الزر وسيلة للتقليل من قيمة ما ينشره الآخرون في حساباتهم. وعلى مارك زوكربيرغ أن يدرك الحقيقة: لقد فات الأوان لتدارك الوضع بمجرد وضع زر “كره”.

تخوفات مبررة كما يشير بعض المختصين الذين يؤكدون أن ضغط زر “لا يعجبني” على صور الأصدقاء أو صور أطفالهم وأشيائهم المفضلة سيكون أمرا عاطفيا قاسيا، وسيثير مشاكل وأزمات بين الأصدقاء والمعارف.

آخرون أشاروا إلى أن مستخدمي فيسبوك يعرضون فيه تفاصيل حياتهم الخاصة وليس فقط آراءهم التي قد يتقبلون الاختلاف معها، ولكن ليس مع أشيائهم الحميمية.

إعلان فيسبوك عن وجود هذا الزر خلق حالة من الانقسام بين المستخدمين والمختصين. ففي الوقت الذي قال بعضهم إنه سيكون أداة مهمة لكي يعبروا فيه عن آرائهم الحقيقية نحو الصور أو التعليقات التي لا يفضلوها، قال آخرون إن النتيجة ستكون كارثية، لأنها ستغذي مشاعر الكراهية، وستصبح أداة للتنمر الإلكتروني التي تعتبر معضلة كبيرة، في أوساط المراهقين.

18