"زطلوا الشباب وهم يدرسون"

الثلاثاء 2016/11/08

"زطلوا الشباب وهم يدرسون" عوضا عن "علموا الأطفال وهم يلعبون"، تماشيا مع ما أصبح حقائق ماثلة بالمكشوف داخل المدارس والمعاهد بمختلف محافظات تونس وكذا الحال ببقية الدول العربية تقريبا.

"أيها الناس، كونوا إنسانيين.. أحبوا الطفولة وشجعوا ألعابها ولذائذها البريئة"، هكذا نادى الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو في كتابه أميل، وهكذا تكون أصول تربية الطفل سلسلة مترابطة إذا انفكت إحدى حلقاتها انفرطت البقية، حيث تبدأ التربية داخل الأسرة فالشارع وتتولى المدرسة تهذيب حصيلة الوسطين.

انقلبت الأدوار وتسرب خوف من الوسط المدرسي داخل البيوت بمختلف طبقاتها الاجتماعية أمام تضخم نسب الأطفال المتعاطين للمواد المخدرة بكل أصنافها.

وراجت بعد اندلاع الثورة في البلاد التونسية أخبار وأرقام حول تعاطي الأطفال للمخدرات داخل الوسط المدرسي، آخرها برنامج بثه التلفزيون التونسي منذ أيام قلائل قدم من خلاله أرقاما مفزعة حول نسب المتعاطين ذكورا وإناثا، علق منها رقمان فقط بذهني أظنهما يختزلان استفحال هذه الظاهرة.

60 بالمئة من نسبة المحالين على القضاء بتهمة استهلاك مواد مخدرة من الفئة العمرية بين 13 و18 سنة، و80 بالمئة من الشباب المستطلعة آراؤهم أبدوا رغبة في التجربة.

إرهاب موجه يستهدف أجيال المستقبل لأن المراهق يميل بطبعه إلى حب الاستطلاع والتجربة، بالإضافة إلى أنه يكون متذبذبا بين التمسك بالأخلاقيات والقيم وبين الرغبة في ممارسات الخبرات الجديدة تحت تأثير الأصدقاء والمثيرات البيئية الخارجية من أجل توكيد الذات.

وأفاد أحد المراهقين في الربورتاج الذي صاحب البرنامج أنه يتعاطى "الزطلة"، وهي نوع من أنواع كثيرة لا تحصى ولا تعد من المخدرات منذ كان عمره 16 عاما، مستدركا "16 نرمال مانيش صغير"، مقدمو البرنامج حجبوا الجزء العلوي من جسده، لكن ألا يمكن للعائلة ودائرة معارفه التعرف على صوته وملابسه؟

أتساءل فقط عن ردة فعل أمه، وهنا يبدو أنه لا يمكن تحميل مروجي هذه السموم والأفكار بين الناشئة لوحدهم مسؤولية ذلك، لأن غياب التأطير الأسري أحيانا لانشغال كلا الوالدين بالعمل أو نقص متابعة الأبناء، إلى جانب استبدال بعض العائلات، وليس كل الأسر من حسن الحظ، للعطف والدفء العائلي بتمكين الأبناء من مبالغ مالية كمصروف يجعلهم يقضون قسما كبيرا من يومهم بالشارع، كل هذا خلق ثغرات ولجت منها مثل هذه السلوكيات.

أهمية هذه القضية القديمة الجديدة لا تنحصر في مسألة التعاطي بل في تجريد الطفل من إرادته أحيانا، بحيث لم يعد التعاطي وفق ما ظهر مؤخرا على السطح بفعل رغبة المراهق في التجربة، وإنما بسبب تمرير المواد المخدرة للناشئة عبر البعض من الأصناف من المأكولات والمشروبات.

وبعيدا عن الأسباب والمسببات، أكدت نتائج الدراسات العلمية الحديثة أن الجيل القادم ممن انحدر إلى تعاطي المخدرات جيل فاقد للصحة العقلية والجسدية غير مؤهل لتحمل المسؤولية، ومن بينها دراسة كندية حذرت من أن تدخين مخدر الحشيش في سن مبكرة، يساهم في التخفيض من معدل الذكاء ويؤثر بالسلب على وظائف الدماغ، ويؤدي إلى اختلال العقل.

وكانت أبحاث سابقة قد كشفت عن وجود صلة وثيقة بين تعاطي المراهقين للحشيش وارتفاع معدلات إصابتهم بالأمراض العقلية الخطيرة، خاصة الإصابة بانفصام الشخصية وفقدان الذاكرة، والإقدام على الانتحار، والشعور الدائم بالكسل وفقدان الرغبة في بذل الجهد. وأوضحت دراسـة بريطانية أن تدخين مخدر الحشيش، يجعل الأشـخاص أكثر عرضة لهشاشة العظام.

ومن هنا نتبين أن تعاطي المخدرات تجاوز التفكك الأسري واضطراب العلاقات إلى مضار جسدية ونفسية تراهن على القضاء على العرب عبر أطفالهم.

كاتبة من تونس

21