زعامات الحارة: الغيتو ودروس الوطنية وسط الحريق

السبت 2014/08/09
صورة السوري في دراما رمضان 2014

حملت الدراما السورية الكثير من مسؤولية نقل الرسائل السياسية منذ أن اكتشف نظام الحكم في دمشق قدراتها على التأثير في صورة الدولة والحكم والمجتمع، وبعد أن بقيت حكراً على القطاع العام عقوداً طويلة، فتح الباب أوائل الثمانينات وبداية التسعينات لعصر من الإنتاج الدرامي الخاص الذي قامت شركات الإنتاج بتقديمه، فتمت صناعة مئات الأعمال الدرامية التي شكّلت ما عرف بثورة الدراما السورية، فتغير شكل المسلسلات التفلزيونية، وتم تكليف كبار رجال الأعمال المقربين من النظام بمهمة تأسيس شركات إنتاج تلفزيوني، فكانت كبرى الشركات شركة الشام المملوكة لأبناء نائب رئيس الجمهورية الأسبق عبدالحليم خدام والذي انشق في ما بعد عن نظام البعث بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وتم الاستيلاء على شركاته ومنها شركة “الشام” التي قدّمت أعمالاً كبيرة لنجدة أنزور وباسل الخطيب وآخرين، لتحلّ محلها في سوق الإنتاج شركة سوريا الدولية المملوكة لمحمد حمشو مالك قناة الدنيا والمعروف بأنه من يغسل أموال ماهر الأسد، ومن حولها شركات إنتاج واصلت العمل حتى انهار الإنتاج الدرامي السوري الخاص مع انهيار سيطرة بشار الأسد على سوريا وبدء العمليات العسكرية والقصف والاعتقالات والاغتيالات التي طبقت ضد الاحتجاجات السلمية التي انطلقت في ربيع العام 2011.

 

وظيفة الدراما السورية

 

أطروحات أكاديمية كثيرة في أنحاء العالم درست ظاهرة الدراما السورية، وكيف تم توظيف وتوجيه الوعي الاجتماعي السوري والعربي نحو قضايا معينة، وتشتيت الانتباه عن قضايا كثيرة خطرة، وقامت جامعة كوبنهاغن بدراسة مئات الأعمال التلفزيونية السورية في قسم كارستن نيبرو ضمن بحث كبير شكّل رسالة دكتوراه للباحثة الإيطالية دوناتيلا دولاريتا، برهنت من خلالها على العلاقة ما بين السلطة الحاكمة في سوريا وعملية الإنتاج بكامل حلقاتها، بدءاً من النص ووصولاً إلى ماكينة الإنتاج ورأس المال والتسويق واختيار الكوادر، وأن جميع تلك الآليات تتم بإشراف مباشر من المؤسسات الأمنية السورية وتفرعاتها.

وبدءاً من سعي نظام الأسد إلى تفتيت الثورة السورية وقواها على الأرض وتكريس رد الفعل الطائفي وزرع التنظيمات الجهادية المتطرفة المصنوعة في أقبية المخابرات الإيرانية والسورية، بدأت عملية غسيل لوجه النظام مارستها الدائرة الأكثر تأثيراً في الملايين من خلال الشاشات، فكانت الدراما في خدمة إعادة إنتاج نظام الأسد من جديد.

وشهد رمضان العام 2014 ذروة تلك المحاولات لاستعادة الدور الوظيفي للدراما السورية، بإنتاج عشرات الأعمال التي تم تمويلها من قبل الجهات ذاتها التي تموّل عمليات النظام الدموية، وتلقفتها محطات العرض الفضائية دون تفكير، وربما لأسباب تجارية بحتة مرتبطة بالإعلان وما يسمى “رايتنغ” ونسبة المشاهدة، فكان عمل مثل “باب الحارة” في جزئه السادس الذي قدّم عدداً سطحياً من المشاكل الاجتماعية كزواج حلاق الحارة” أبو عصام” من جاسوسة فرنسية، وطلاق ابنته من زوجها ثم عودتها إليه، ورغبة “أبو بدر” الشخصية الهامشية في المسلسل في سداد دين والده المتوفى، إضافة إلى التهديد الفرنسي باقتحاك الحارة بهدف تقسيم سوريا، ووقوف بائع الغنم “الفنان أيمن زيدان” الطامع في زعامة الحارة، مع صاحب الحمام وصاحب المقهى”أبو حاتم” والحلاق في وجه مشروع التقسيم، وارتباط هؤلاء بالزعامات الوطنية السورية مثل إبراهيم هنانو ووالوفد المفاوض في باريس في العام 1936، ليكون المسلسل عبارة عن حلقات من الدروس الابتدائية في الوطنية، حسب وصفة الأسد، مع شروطه ايضاً ، فجرى إخفاء علم سوريا في ذلك الوقت والذي هو علم الانتفاضة السورية الحالية بنجماته الثلاث، والذي كان يظهر طيلة الأجزاء الخمسة الماضية، وليصبح الفارون من الخدمة العسكرية هم الفارون من قوات الاحتلال والذين يعيشون في الكهوف في انتظار العفو، فلم يعد مرادف النظام في سوريا سوى قوات الاحتلال الفرنسية التي تضع الخطط والجواسيس للتنصت على “أبو عصام” الطبيب الشعبي وحلاق الحارة، فأخفق باب الحارة في شد مشاهديه حين ظهر مزدريا لعقولهم مستخفاً بذكاء المشاهد ووعيه، في محاولته جرّ الملايين من المتابعين أربع سنوات إلى الوراء وكأن شيئاً لم يكن.

قدم مسلسل "ضبو الشناتي" صورة جنود الجيش السوري الذين يدخلون البيوت ويحتكون بالمواطنين، ليصورهم على أنهم نوع من السذج الطيبين الأبرياء الذين ينفذون التعليمات والأوامر لا غير

 

أبواب الريح

 

يحاول هذا العمل المأخوذ من التاريخ السوري القريب في القرن التاسع عشر، أن يعيد كتابة التاريخ حسب الوصفة الملائمة لمصالح نظام الأسد، فيقوم بتقديم صورة اليهودي التي يؤديها الفنان دريد لحام على أنها صورة الرجل الباحث عن النور، والذي يعفي الناس من الربا، ويحفظ القرآن الكريم ويشهد على محاولة زرع الفتنة الطائفية في سوريا، في إسقاطات هي الأخرى وقعت في شرك الصناعة المكشوفة، وقد حاول مخرجه المثنى صبح، الذي عمل مساعدا للمخرج الكبير حاتم علي، أن يظهر جماليات مدينة دمشق في عرض سياحي هدفه إعادة تصوير وجذب المشاهد إلى الأفكار المطروحة في العمل، لتأتي تلك الأفكار في قالب حكائي بسيط يعرض لشخصين سياميين من مسيحيي دمشق يعيشان ملتصقين إلى بعضهما البعض طيلة الوقت، تحيط بهما مجموعة من الشخصيات ذات التأثير الدرامي الضعيف، ليكون التركيز كلّه على دور اليهودي الصالح، مع استخدام للكثير من المؤثرات مثل الخيانة الزوجية وتسامح الزوج مع زوجته بعدها لشدّ المشاهد إلى الحكاية، ويخلص العمل إلى إعادة سرد حكاية معروفة هي أحداث “طوشة النصارى” في العام 1860 في دمشق، دون أن يراعي معرفة وقدرة المشاهد على رصد كل حقيقة تاريخية خلال لحظات من خلال التجوال على محركات البحث في الإنترنت.

 

ضبو الشناتي

 

يصور مسلسل “ضبو الشناتي”، الذي اشتق اسمه من أغنية عبدالحليم حافظ “دقو الشماسي”، حياة السوريين في هذه الأيام، في أكثر الأعمال السورية قرباً من الموضوعية وابتعاداً عن تزوير الواقع، من خلال حياة أسرة مكونة من زوج وزوجته (بسام كوسا وضحى الدبس) مع أبنائهما وبناتهما من أجيال مختلفة، فيها الرفيق البعثي صاحب الصلات مع الأجهزة الأمنية، وكذلك الشاب المولع بالموسيقى وفيسبوك، وخارج المنزل الذي يقبع في دمشق القديمة، تدور الحرب، وتسقط قذائف الهاون ويتم تبادل إطلاق النار، لتظهر كل الشخصيات في حالة منهكة ومضطربة نفسياً، ولا يخلو المسلسل من الرسائل، كغيره من الأعمال التي تسخر من حملات المطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسين والبسطاء الذين تم الزج بهم في سجون المخابرات السورية، ويقدّم العمل صورة جنود الجيش السوري الذين يدخلون البيوت ويحتكون مع المواطنين، ليصورهم على أنهم نوع من السذج الطيبين الأبرياء الذين ينفذون التعليمات والأوامر لا غير.

 

الشامي في الدراما

 

يصرّ كتاب الدراما السورية هذا العام على تقديم شخصية الشامي الدمشقي على أنها شخصية مثيرة للسخرية، وأنها تميل مع الريح كيفما تميل، وأنها لا همّ لها سوى الربح والنيل من الآخر بطريقة الأرانب، فعمل مثل “حمام شامي” يصوّر الشخصية التجارية الدمشقية بصورة هزيلة، شخصية لا يهمها سوى المال، تمتاز بالبخل والخوف والمشي إلى جانب الحائط، وحتى تلك البطولات التي عرضتها الدراما السورية في الماضي مثل شخصية “نصار بن عريبي” لم تعد موجودة بل تم استبدالها بأبطال من الأقزام والمهرجين الذين يمكن السيطرة عليهم وتحريكهم دوما.

وجرى تصوير المرأة السورية بطريقة شديدة السخف، لا تعرضها إلا في المطبخ أو في حمام السوق نصف عارية، امرأة لا تفكر سوى في القضايا السطحية، دون تذكّر دور المرأة السورية في النضال الوطني والاجتماعي منذ بداية القرن العشرين، ولا ثورتها من أجل نزع الحجاب ومشاركتها في الأحداث الكبرى التي مرّت بالمنطقة العربية كلها وليس سوريا وحدها.

 

بقعة ضوء.. بقعة دم

 

لوحات مسلسل “بقعة ضوء” لهذا العام كانت الأجرأ في الحديث عن “الأحداث” (ويقصد بها الحرب التي يشنها بشار الأسد والميليشيات التي تتبع له وتدعمه ضد الشعب السوري) كما تصرّ على تسميتها غالبية الأعمال الدرامية التي تم إنتاجها هذا الموسم، وهو من إنتاج شركة حمشو أيضاً، وقد تناول بالنقد الشديد كل من يخالف النظام السوري وجهة نظره، بطريقة حادة جدا، تمثلت في تخوين المعارضين، وتسفيه كل الناشطين السلميين، فلا تتردد إحدى شخصيات المسلسل (أيمن رضا) في القول :”كلما كنت سافلاً أكثر يمكنك أن تكون مناضلاً على فيسبوك”، ويسخر العمل من المناطق التي خضعت لسلطة المتطرفين، بدلاً من دفع الدولة إلى مساعدتها، فيصوّر أسرة تضطر إلى لبس الملابس التاريخية لتماشي عصر المتطرفين الإسلاميين، فيطيل الرجال لحاهم وتتغطى النساء ويتم استخدام اللغة العربية الفصحى بدلاً من العامية.

ليصبح العمل بقعة جديدة من الدماء أمام المشاهد الذي يرى كيف تستهتر به وبآلامه حلقات “بقعة ضوء” التي تنتجها الشركة ذاتها التي تبث أخبار قناة الدنيا، تلك القناة التي لم ينس المشاهد العربي بعد ذلك التقرير المصوّر في داريا، والذي قدمته مراسلة القناة ميشلين عازر من بين جثث ضحايا قصف قوات الأسد حين حاورت امرأة تحتضر، ثم حاورت أطفالها بعد أن ماتت وهي ملقاة إلى جوارهم في عربة شاحنة.

جرى تصوير المرأة السورية بطريقة شديدة السخف، لا تعرضها إلا في المطبخ أو في حمام السوق نصف عارية، امرأة لا تفكر سوى في القضايا السطحية، دون تذكّر دور المرأة السورية في النضال الوطني والاجتماعي منذ بداية القرن العشرين، ولا ثورتها من أجل نزع الحجاب ومشاركتها في الأحداث الكبرى التي مرّت بالمنطقة العربية كلها وليس سوريا وحدها

 

طوق البنات

 

في عشرينات القرن الماضي تدور أحداث مسلسل “طوق البنات” وهو نسخة أخرى عن “باب الحارة”، يعالج الصراع مع الفرنسيين، ليعرض حكاية فتاة سورية وضابط فرنسي، تبرز معاناة الرجل بين حبه لفتاة أحلامه وولائه لوطنه الذي يقوم باحتلال سوريا، مع عرض لعدد من الإشكالات بين السوريين أنفسهم من أجل المكاسب الخاصة يحسمها “أبو طالب” الذي يرتفع عن مصالحه الشخصية من أجل المصلحة العامة، ليكون هذا العمل كاريكاتيرا آخر يقزّم القضية السورية إلى قصص وحكايات تحاول تفتيتها.

 

الموسم مضروب

 

نقل موقع قناة CNN عن عدد كبير من العاملين في قطاع الإنتاج الدرامي لهذا العام تردادهم لهذه العبارة “الموسم مضروب”، ونقل موقع القناة أنه “رغم إنتاج العديد من الأعمال التلفزيونية لموسم دراما رمضان 2014، تتنوع بين الاجتماعي المعاصر، ومسلسلات البيئة الشاميّة، إلا أن حجم الإنتاج تراجع عموماً، وتكاثر بالمقابل ما تم إنتاجه من أعمال بميزانيات متواضعة، يبدو أنها لم تكن في المستوى المعتاد لدراما سوريا، فواجهت صعوبات كبيرة في التسويق للمحطّات العربية” والأكيد أن الدراما السورية تمرّ بآخر مهامها في محاولة إعادة الترويج لنظام الأسد بعد أن فقد كل مقومات القبول العالمي نتيجة الوحشية التي ظهر بها والارتهان الكامل للمحور الإيراني وحزب الله، فبات كلّ ما يدعيه من علمانية وانفتاح وتطوّر من الماضي الذي لن يعود.

 

أهم الأعمال تم عرضها على قناة عراقية

 

أما أهم الأعمال التي قدّمت هذا العام لم تجد فرصتها في العرض على شاشات عربية كثيرة، منها الشاشات السورية ذاتها، بل تم عرضها على قناة السومرية العراقية، وكان مسلسل “قلم حمرة” للكاتبة السورية يم مشهدي والمخرج حاتم علي، والذي يحاول تصوير الحياة في سوريا / الآن، على حقيقتها، متناولاً جميع وجهات النظر، مركزاً على يوميات بطلة العمل المعتقلة، والتي تتعرض للتعذيب والاغتصاب ومعايشة الأحياء والأموات، فقد أظهر المسلسل السجن الرهيب للنساء واللواتي تم القبض عليهن بتهمة التصدي للإرهاب، ليدخلن عالم الكوابيس والتوهمات في أعماق الظلام، فاختلطت الإسقاطات في المسلسل ما بين الفردي والعام، والذاتي والجماعي، لتعيش كاتبة العمل (البطلة) في الاعتقال وتحتاج كل شيء من الأكسجين إلى المحارم النسائية المحرّمة في السجن، وبدلاً من أن يصوّر حاتم علي دمار الأرض السورية، يصوّر دمار الإنسان السوري من خلال تحطيم امرأة سمّتها كاتبة العمل “ورد”، وليصبح مسلسل “قلم حمرة” وثيقة فنية رفيعة المستوى على الحدث السوري المتواصل.

15