زعامة الشرق الأوسط التي تنتظر السعودية

الأحد 2015/06/21
اعتماد الجيش السعودي كورقة أخيرة في أدوات السياسة الخارجية قاعدة ثابتة مؤصلة

في ظل مشروع الانسحاب الأميركي، تتنافس ثلاث قوى أجنبية على التغلغل في المنطقة: إسرائيل وإيران وتركيا.

إسرائيل - على الرغم من قوتها العسكرية الهائلة وارتباطها العضوي بالولايات المتحدة- حظوظها هي الأضعف في حلبة المنافسة، فالمسافة شاسعة بينها وبين محيطها رغم التلاصق المادي بسبب تملّصها من عملية السلام الذي عزّز صورتها ككيان غاصب ودخيل، إضافة إلى حاجز الأعجمية في وجه العروبة وحاجز الدين في منطقة اعتادت الإسلام وألفت المسيحية، وهما دينان يحملان تاريخا سلبيا وحاضرا دمويا مع المكون اليهودي.

تكيفت إسرائيل مع واقعها، وبدأت منذ حكومة شارون اعتماد مفهوم عكسي للقوة، أصبحت إسرائيل تترجم قوتها إلى الانعزال بدلا من التوسع، والجدار الفاصل مثل بسيط لذلك. إيران وتركيا تستطيعان تحقيق مكاسب مؤقتة، لكن إسرائيل مهما فعلت -وهي من وقعت معاهدات سلام مع مصر والأردن والسلطة الفلسطينية- ستظل انتصاراتها وهمية.

وقتية المكاسب، هي ما اكتشفته تركيا بعد سقوط النظام الإخواني في مصر، وتكتشفه إيران –اليوم- مع تضعضع أتباعها في العراق وسوريا، والمؤقت كالوهم يساوي الصفر.

حاجزان طبيعيان يحولان دون إيران والمنطقة، حاجز المذهب وحاجز الأعجمية، على عكس تركيا المحاصرة بحاجز الأعجمية وحده. مهما حققت تركيا من مكاسب، ستظل بحاجة إلى مترجم بينها وبين حلفائها وأعدائها في المنطقة. الحاجة إلى وظيفة المترجم تعني ببساطة أن المكوث -مهما طال أمده وتنوعت أسبابه- سينتهي إلى الرحيل. تنبهت تركيا العثمانية قديما إلى حقيقة الموقف، لجأت إلى سياسة التتريك، فجاءت النتيجة العكسية، خرج الوالي التركي وعسكره، ثم انهارت الدولة العثمانية فيما بعد.

وضع إيران أكثر تعقيدا، احتاج المترجم إلى تعضيد بالفقيه وبالعسكري. استغلت ايران هشاشة مفهوم المواطنة عند العرب ودخلت من نافذته، لم تعترف إيران –عمليا- بالدول المجاورة، فأقامت علاقاتها مع الميليشيات وتصادمت مع الدول، وفي موازاة سياسة التتريك القمعي لجأت إيران إلى التشييع المسلح، أدت هذه السياسة إلى نتائج كارثية، فقد ساهمت البنية الدينية للنظام الإيراني -بلا قصد- في تعضيد البنية الدينية السلفية المتطرفة بالضرورة، وربما تكتشف إيران أن رجال الدين -في كل مكان- أقرب إلى الرعونة من الحكمة. صنعت تركيا تاريخا أسود في بلاد العرب، في حين شكلت إيران حاضرا كريها، لتبنى فوق الحواجز حواجز.

وجدت إيران بابا ذكيا، القضية الفلسطينية، لهذا الباب فوائد مزدوجة، فهو غطاء أنيق لمشروع الاختراق الإيراني للعرب، ثغراته فضاءات مفتوحة للمزايدة والاتجار. إسرائيل بالنسبة إلى إيران أهم من فلسطين، فالقضية لافتة تسويقية ممتازة لدى العرب، وإسرائيل أقوى جسر تفاوضي إلى الولايات المتحدة، فالقوة العظمى هي الطريق الرئيس لتكريس النفوذ الإقليمي.

الفراغ الكبير

المشهد المتفجّر في المنطقة ساطع الوضوح، القوة الكبرى تريد الانسحاب إلى بحر اليابان، والقوى الإقليمية عاجزة عن تحقيق المكاسب الدائمة أو الجذرية. وليس جديدا أن نؤكد على دلالات ذلك بوصف “الفراغ الكبير”.

بعد عاصفة الربيع العربي وتعثر أكثر من دولة عربية مهمة في اضطرابات أمنية واقتصادية، وتصادم الواقع المحلي مع المشاريع الإقليمية في دول عربية، تبدو المملكة العربية السعودية مؤهلة لملء الفراغ الكبير.

ليس منطقيا إعلان الحرب على الإسلاموية (الإسلام السياسي) بإسلاموية أخرى، وليس منطقيا الرهان على أيديولوجيا تجاوزها الزمن لإسقاط المشروع الإيراني

يمكن للسعودية أن تملأ في المنطقة ما تمثله الولايات المتحدة في العالم، وإذا كانت السيادة الأميركية العالمية تحققت بمنظومة من القيم والابتكارات، فإن المكونات الذاتية السعودية كافية بالنسبة إلى منطقة نامية، والمعني هنا السلطة المالية المعتمدة على قوة النفط، والسلطة الروحية التي تستمد رمزيّتها من الحرمين الشريفين، واللسان العربي لا يقل أهمية في وجه عجمة القوى الإقليمية. المكونات المذكورة كافية للقيام بدور، لكنها تحتاج الدعم لإحداث المكاسب الجذرية.

حين تولى الرئيس الأميركي بيل كلينتون مقاليد الحكم تبنى مبدأ “الأمن القومي يبدأ من الداخل”. أي أن قوة السياسة الخارجية مستمدة من متانة الوضع الداخلي ولصالحه، وعليه فقد انهمك كلينتون في إصلاح نظامه الاقتصادي من جهة، واستثمر سياسته الخارجية لتعزيز الوضع الاقتصادي الداخلي.

ثمة عوائق داخلية تعيق المملكة عن لعب الدور المأمول وربما تجرها أحيانا إلى صورة سلبية غير مقصودة. تمكن الأزهر الشريف في مصر من تقديم نفسه كوجه مضيء ومرجعي للسنة في العالم، ولأسباب تاريخية تتقدم صورة المملكة ممثلة دينية للسلفية بالتوازي مع تمثيلها السياسي للسنة. الوجه السلفي للمملكة معطل حقيقي لدورها وقدراتها بسبب خلافات السلفية مع كل المذاهب والطوائف، هذا الوجه هو من يستدعي تهمة دعم الميليشيات المسلحة هنا وهناك مع أن المملكة قطعت صلتها الخارجية بالإسلام السياسي منذ أحداث سبتمبر 2001. تم اتهام المملكة جورا بتمويل منظمة (فتح الإسلام) وظاهرة أحمد الأسير في لبنان مع أن حليفها الحصري هو تيار 14 آذار، وفي سوريا والعراق ألصقت أيضا تهمة دعم داعش والنصرة بالمملكة على الرغم من علاقتها الحصرية بالجيش الحر في سوريا وانعزالها عن العراق باستثناء علاقة خاصة بالزعيم المدني إياد علاوي، إضافة إلى أن المملكة تصنف (النصرة) وداعش كجماعات إرهابية.

للسلفية وجه داكن عربيا وإسلاميا، فالسواد الأعظم من المنظمات الإرهابية ينتمي إليها، كما أن قواها السياسية في بعض الدول بؤرة للفتنة والتباغض. وعلى الرغم من أن السلفية كمكون سعودي داخلي نادر التأثير على السياسة الخارجية إلا أن العلاقة بها عبء فادح، فهي تضع المملكة في موضع اتهام دائم بلا مبرر غالبا، والأخطر من كل ذلك أنها عائق أمام الإصلاح الداخلي وأمام علاقة سوية وحقيقية بين المملكة وبقية مكونات العروبة والإسلام ومحفز طبيعي لقوى التطرف داخل تلك المكونات (شيعية أو مسيحية أو سنية) كما أن العمائم الإيرانية تضعف السنة عبر تقويتها -بلا قصد- التطرف السلفي.

كلما اقتربت المملكة من سنيّتها ابتعدت عن سلفيّتها وتمكنت من القيام بدورها وإحداث تأثيرات إيجابية في الداخل والخارج. تحاول بعض القوى المتطرفة إضعاف المؤسسة السياسية السعودية عبر توصيف شرعيتها بالاعتماد على التحالف مع المكوّن السلفي في محاولة ضغط على القرار السياسي باتجاه معين، وإن كان هذا صحيحا في مرحلة تاريخية سابقة إلا أنه لم يعد متحققا في الحاضر. فالشرعية السّوية تقوم على القبول الشعبي، وربطها بتحالف معين يعني انعدام القبول.

ليس أمام المملكة لمزيد من الإنجاز داخليا وخارجيا إلا استبدال الوجه السلفي بوجه من طبقتين: الإسلام الفردي والعروبة الطبيعية. والقصد هنا إسلام غير مسيّس يجافي الإقصاء والتطرف الاجتماعي وقادر على احتواء كافة المذاهب والطوائف داخل الإسلام وخارجه. من دون هذا الإسلام -الذي يحترم الفرد وحريته- لن تتمكن المملكة من استثمار موقعها الديني كمرجع روحي للجميع. إن القمة الإسلامية التي رعاها الملك عبدالله عام 2005 اعترفت بكل طوائف الإسلام ومذاهبه ومنعت التكفير، كما أن الملك قاد مبادرات مهمة للحوار الوطني وحوار الأديان، والمطلوب الآن في عهد الملك سلمان أن تنعكس تلك المبادرات كقرار سياسي داخلي يعزز التحرك الخارجي.

أما القصد من العروبة الطبيعية -لا القومية العربية- فتعني الفضاء الثقافي والجغرافي للمنطقة مع الابتعاد عن المواقف المعلبة والانحيازات الحدية والأيديولوجيا التي تباع وتشترى.

ما يسمى بـ"داعش" أصبح مصدر تهديد حقيقي للسعودية ولحلفائها

ليس منطقيا إعلان الحرب على الإسلاموية (الإسلام السياسي) بإسلاموية أخرى، وليس منطقيا الرهان على أيديولوجيا تجاوزها الزمن لإسقاط المشروع الإيراني. إننا نتحدث عن عروبة طبيعية بالمعنى الثقافي والجغرافي المتصالح مع القيمة الوطنية دولة وانتماء، ويمينية بالمفهوم الاقتصادي، وتمثل سياسيا مشروع محور الاعتدال العربي الذي يواجه المشروع الإيراني من جهة ومشروع الإسلام السياسي من جهة أخرى.

في مؤلفه (يجب أن نسود) طرح الرئيس الأميركي بيل كلينتون مشروعا طموحا هدفه أن يكون القرن الراهن قرنا أميركيا. قدم كلينتون مفهوما جديدا للسيادة يتمثل في السيطرة على الزمن بدلا من السيطرة على الأرض. ولعل روح مشروع كلينتون الموجه للأمة الأميركية – إبان حقبته الرئاسية- هو ما يجب أن تلتفت له -اليوم- دوائر صنع القرار في المملكة.

تقدّم السعودية نفسها كدولة محافظة يجسد الاستقرار رأس أولوياتها، أي المحافظة على الوضع القائم، بينما قدم الربيع العربي درسا للمنطقة مفاده أن “الوضع القائم” لم يعد قادرا على الاستمرار، وهذا يعني أننا بحاجة إلى مرحلة “غير محافظة” انتقالا لمرحلة محافظة جديدة ومختلفة.

للمملكة قوة نفطية هائلة تمثّل روح العالم الحديث، وللمملكة موقع جغرافي أتاح لها -أيضا- أهم مصادر القوة الناعمة، فالسعودية هي قلب شبه الجزيرة العربية، أي ما يعني مجازا قلب العروبة، وفيها كذلك الحرمان الشريفان، أي أنها يجب أن تكون حقيقة قلب الإسلام. وفي المرحلة الراهنة التي نعيشها -مواجهة الإرهاب الإسلاموي والمشروع الإيراني- يبدو أن المملكة بحاجة إلى الاستثمار الأقصى والأمثل لمصادر قوتها بهدف تدشين مرحلة جديدة تعني فيها المملكة للمنطقة ما تعنيه الولايات المتحدة للعالم. ومن حسن الحظ السعودي أن القوى الأخرى الآن إما في حالة انسحاب كالولايات المتحدة، أو عاجزة عن تحقيق ما هو أكثر من المكاسب الوهمية كإسرائيل، أو عاجزة عن تحقيق ما هو أكثر من المكاسب المؤقتة كتركيا (بسبب الأعجمية) وكإيران (بسبب الأعجمية والمذهب).

لتصل السعودية إلى هذه النتيجة يجب أن تغير صورتها النمطية من السلفية إلى العروبة الطبيعية والإسلام الفردي. إذا كانت الصورة النمطية الجديدة تغييرا في الشكل، فلا بد من تعزيزها بتغيير في الجوهر فتكتمل عناصر الجذب للقطب السعودي.

تغيير الصورة النمطية

يعتقد المحلل السياسي سعود كابلي أن تأثير التجربة التنموية الناجحة لدولة الإمارات العربية المتحدة على المجتمع السعودي أكبر من كل مجريات الربيع العربي بحكم الاحتكاك المباشر. يعزز هذا التصور ما ذهب إليه المفكر السعودي (تركي الحمد) بأن الظاهرة الواضحة في سفر الأسر السعودية بأعداد فلكية إلى دول الخليج – وغيرها- في العطلات المجدولة والمفاجئة ما هو إلا استفتاء اجتماعي على نمط الحياة الذي يفتقده السعوديون.

تغيير الصورة النمطية مؤثر مهم على جاذبية الجوهر، لكنه ليس كافيا. السعودية بحاجة -فعلا- إلى إصلاح إداري ومالي يحقق طموحات قادتها وشعبها، ولا فائدة من أيّ إصلاح ما لم يعقد العزم على تحويل المملكة إلى دولة حديثة، أي دولة القانون والمؤسسات. إن سعادة المواطن في الداخل هي عماد السياسة الداخلية والخارجية معا.

قبل عقد من أحداث الربيع العربي طرح الأمير (الملك) عبدالله بن عبدالعزيز مبادرة “إصلاح البيت العربي” لكن النظام السياسي العربي -آنذاك- غض بصره عنها فلم تر التفعيل مطلقا. ولعل أهم توصيف للمبادرة هو ما أورده الأمير سعود الفيصل في كلمته بمهرجان الجنادرية عام 2003 “لقد آن الأوان لأن نمتلك الشجاعة الكافية لنقرر أن الإصلاح الذاتي وتطوير المشاركة السياسية هما المنطلقان الأساسيان لتجاوز الأزمة الهيكلية التي تعترض لها دولنا العربية. تطوير المشاركة السياسية لا بد أن يندرج في إطار إصلاحي شامل وحقيقي، وإلا لفقد معناه وأفضى إلى تغيير شكلي لا يعتدّ به. إن المشاركة السياسية مطلوبة لذاتها، ولكن تحقيقها يتطلب اقترانها بالتنوير السياسي والتثقيف السياسي والتنشئة السياسية والمأسَسَة السياسية حيث تتعمق الوطنية وتترسخ معانيها. يجب أن نملك الجرأة اللازمة لممارسة النقد الذاتي البناء وإعادة النظر في ثقافتنا السياسية السائدة والتغلب على العوائق التي تضعف قدرتنا على الابتكار والتكيف. لا بد أن تقترن المشاركة السياسية بتطوير آليات بناء الثقة والحوار بين كافة المجموعات، ولا بد من تحقيق المصالحة مع الذات داخل كل دولة من دول العالم العربي”. وانتقد سموّه تأجيل الإصلاح السياسي بذريعة مواجهة العدوان قائلا “قد كان الثمن الذي دفعناه من جرّاء خطأ هذا الوهم ثمنا باهظا، فلا الشعوب شاركت، ولا الأرض حُرِّرت، ولا الحقوق اُستعيدت، ولا التنمية تحققت. إن المشاركة السياسية مُكّون أساسي لأيّ إصلاح داخلي جاد، لكنها ليست المكون الوحيد، بل لعلها لا يمكن أن تتطور وتُفَعَّل إلا باندراجها في عملية إصلاحية شاملة”.

كلما اقتربت المملكة من سنيتها ابتعدت عن سلفيتها وتمكنت من القيام بدورها وإحداث تأثيرات إيجابية في الداخل والخارج

كانت مشكلة محور الاعتدال العربي في مرحلته الأولى -قبل سقوط نظام الرئيس مبارك- تأسيسه على السلبية “رد الفعل” ما يشبه في مرحلة سابقة جبهة الصمود والتصدي. إن ضعف محور الاعتدال العربي في نسخته الأولى طبيعي لافتقاده عامل المبادرة، فالطرف الآخر (إيران والإسلام السياسي) يبادر ويضرب في حين يكتفي محور الاعتدال بمحاولة صدّ الضربات، وهو ما يشبه فريق كرة قدم اعتمد على خط الدفاع وألغى خط الهجوم.

مبادرة إصلاح البيت العربي

إذن، على المملكة -في مرحلة لم تعد تجذبها المحافظة- إحياء مبادرة إصلاح البيت العربي التي نادى بها الملك عبدالله قبل عقد من الزمان مستبقا ببصيرة ثاقبة عاصفة الربيع العربي. ولتحقيق المصداقية من الواجب على المملكة أن تبدأ بنفسها حين ترفع شعار “الديمقراطية المنظمة”، أي تحقيق المشاركة الشعبية داخل الدائرة المدنية التي تستبعد الميليشيات المسلحة وقوى الإسلام السياسي والأحزاب الأممية.

إن تبني هذا المشروع داخل محور الاعتدال يعزز إرادة المملكة وقدرتها داخليا، فقد واجهنا سابقا وبنجاح حالات الممانعة المحافظة في وجه التغيير الإصلاحي بورقة الانسجام مع المجتمع الدولي (حالة مشاركة المرأة السعودية في الألعاب الأولمبية مثلا). كما أنه سيعطي لمحور الاعتدال سببا للحياة والجاذبية وقوة المبادرة في استقطاب شارع يائس أو غاضب، ويمنح المصداقية لدول الاعتدال في مواجهة أنظمة موالية للطرف الآخر.

إن ثغرات الجسد الداخلي في العالم العربي (المواطنة، حقوق الإنسان، الديمقراطية) هي الممرّ المريح لقوى الإسلام السياسي والمشروع الإيراني لتدمير الجسد برمّته، وهي ثغرات لا مفرّ من التعامل معها، والحل الأمني أثبت أنه يعقد المشكلة وربما يفجرها. والأهم من ذلك أن شعوب المنطقة تستحق دولا أفضل ومجتمعات طبيعية تحتضنها. ولعل التعديل الأهم الذي تستحقه مبادرة إصلاح البيت العربي يتمثل في إزالة الصورة السلبية عن اللامركزية الإدارية لمواجهة مشاريع الانقسام والتفتيت.

القضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية على صعيد السياسة الخارجية. إن دول الاعتدال بحاجة إلى منهج جديد في التعامل معها. المطلوب من المملكة أن تقدم نفسها كراع رسمي لعملية السلام بجوار الولايات المتحدة (خصوصا وأن المركز الإقليمي يعتمد -بشكل أو بآخر- على العلاقة مع القوة العظمى). من الواجب أن نتخلى عن التصورات النمطية، على المملكة أن تتواصل مباشرة مع القوى الإسرائيلية الداعمة للسلام وتخلق التواصل بين الشعب السعودي والشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة. لا يمكن أن تتقدم مباحثات بلا ضغط عربي مباشر على إسرائيل، وظروف العرب اليوم تقدم المملكة للقيام بهذا الدور بسبب انشغال مصر والأردن بالأزمات الداخلية، وعلى صعيد آخر، وجب أن يضع محور الاعتدال العربي كل ثقله في توحيد القرار الفلسطيني تحت مظلة السلطة الشرعية.

إن التغلغل الإيراني في المنطقة أعاق تقدم مباحثات السلام عبر تقسيم القرار الفلسطيني، وعبر إشغال دول المنطقة بالصراع مع الإرهاب، فمصر مشغولة بمؤامرات حماس على سيناء ودعم تركيا للإخوان، ولبنان يئن من إرهاب (حزب الله) بالاغتيالات والتعدي على الدولة، كما أنها تدعم النظامين المجرمين في دمشق وبغداد وتؤازر الميليشيات المسلحة في اليمن.

إن المملكة -في قيادة محور الاعتدال- بحاجة إلى رفع شعار “عودة العالم العربي إلى العرب”. فهذا الشعار يلبي تحديات السياسة الخارجية في هذه المرحلة، وتحقيقه يجسد معنى الأمن وقوة التأثير.

اعتماد هذا الشعار يترجم استكمال العمل الجدّي والفوري على الانتصار لثورة الشعب السوري، تصحيح أوضاع العراق ولبنان، اجتثاث الإرهاب من اليمن، المصالحة في البحرين، دعم مصر والأردن.

لا بد من الاستفادة من التجربة المصرية في اجتثاث الإخوان في التعامل العربي مع حزب الله

عودة العالم العربي إلى العرب

لقد أثبت (حزب الله) أنه منظمة إرهابية إيرانية بامتياز، وعليه لا بد من الاستفادة من التجربة المصرية في اجتثاث الإخوان في التعامل العربي مع (حزب الله). المطلوب أن تصنّف جامعة الدول العربية حزب المقاومة الإلهي منظمة إرهابية وتدعم الدولة اللبنانية في مواجهته. إن الاهتمام بلبنان واجب من منطق موقعه الجغرافي شمال إسرائيل وفلسطين مما يعني تعزيز الحضور العربي والدولي للدولة التي ترعاه. وما يسري على لبنان يسري على الأردن، كلما زادت قوة الأردن الاقتصادية وتعاظم استقرارها السياسي سينعكس ذلك بالإيجاب على عملية السلام للمصداقية الدولية التي يتمتع بها النظام الأردني ولتداخل البيت الأردني مع البيت الفلسطيني.

تستحق سوريا هي الأخرى مزيدا من الاهتمام السعودي لتأثيرها المباشر على الأمن الوطني السعودي وانتباها للمقولة الدارجة “لا حرب من دون مصر ولا سلام من دون سوريا”.

لمصر مصالح عليا واستراتيجية في دول حوض النيل، وعلى التحالف السعودي- المصري الجديد أن يلاحظ أن هذه الزاوية عبر تفعيل مفهوم “أمن البحر الأحمر” بالنسبة إلى الطرف السعودي. فدول حوض النيل أرض خصبة لتحقيق الأمن الغذائي السعودي -من خلال قابلية أرضها لزراعة السلع الأساسية- كما تحقق الأمن المائي لمصر. جنوب السودان -مثلا- تمّ إهماله حتى سقط في يد إسرائيل، ويبدو أن الصراع مع شمال السودان سيطول، وكل ذلك ليس في مصلحة مصر والسعودية.

“عودة العالم العربي إلى العرب” معناها إخراج القوى الدخيلة من المنطقة، واستعادة أهلها لقرارهم تحقيقا لمصالحهم. سنحقق تقدما شكليا -فقط- إذا لم تؤكد المملكة رسميا بأن خصومتها السياسية مع إيران وبشار الأسد لا تعني مطلقا الحرب الطائفية الاستئصالية على الشيعة والعلويين.

في كلمته بالجنادرية، تساءل الأمير سعود الفيصل عن قابليتنا للتأثر بكل ما هو سلبي. يدفعنا هذا التساؤل إلى التأمل في استدراج القوى المتطرفة للشباب السعودي إلى المهالك في العراق وسوريا وغيرها. لا يمكن لأحد إنكار دور الخطاب الديني والتنشئة الاجتماعية، لكن العامل السياسي يتحمل جزءا من المسؤولية.

إننا في مرحلة مختلفة تتطلب تعاملا مختلفا بصورة جذرية، فما يسمى بـ”داعش” أصبح مصدر تهديد حقيقي للمملكة ولحلفائها، وانخراط شباب سعودي في تنظيمات إرهابية داخل الحدود وخارجها مشاريع قنابل موقوتة تستهدف الداخل في المستقبل، خصوصا وأن الخطاب الديني الداخلي هو المشروع الاجتماعي للقوى المتطرفة في الخارج، ولنا في تجربة الجهاد الأفغاني العظة والعبرة.

تدخّل قوات درع الجزيرة في البحرين ثم عملية عاصفة الحزم في اليمن، إعلان لعنوان جديد في السياسة الخارجية السعودية يعتمد الجيش السعودية كورقة أخيرة في أدواتها، لكنه عنوان بحاجة إلى تأصيل سياسي. يقول الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون “سيرتعد أعداؤنا خوفا إذا أدركوا أننا نتحول إلى حمقى حين تتعرض مصالحنا للخطر”.

إن تأصيل هذا التحول رسالة إلى القوى الأجنبية والإرهابية في المنطقة، كما أنها رسالة واضحة إلى الداخل بأن قرار التغيير في يد المؤسسة السياسية، وهذا يحقق -عند الحاجة- المصالح السعودية ويضعف المتطرفين ويكبح المغرّر بهم.

لقد أجادت وزارة الداخلية حين أعلنت عن معاقبة “المجاهدين” السعوديين في سوريا لأنهم اعتدوا على حق الدولة الحصري في احتكار الإكراه المشروع وقراري الحرب والسلم. لكن السياسة الخارجية أحيانا بحاجة إلى الحسم أحيانا كما جرى مع اليمن، لكنه ليس كافيا، فسوريا بحاجة إلينا في ظل خذلان العالم للشعب السوري وتعدي بشار الأسد المتكرر على مصالح المملكة. ولن أجد أفضل من مبدأ كولن باول لوضع إطار لمشاركة الجيش السعودي في تحقيق أهداف السياسة الخارجية “أن تكون المعركة العسكرية محسومة لصالحنا، أن تكون واضحة الأهداف ومحددة زمنيا، وأن تكون في ظل رؤية سياسية شاملة للحل”.

المملكة العربية السعودية، هي رأس الحربة في محور الاعتدال العربي، مقوماتها الذاتية بالتوازي مع مشروع "إصلاح البيت العربي" تؤهّلها لأن تقود المشهد الإقليمي لا أن تقاد فيه

القتال مسؤولية المؤسسة العسكرية وحدها، وعدم سد الذرائع التي تحرّض المدنيين على القتال جريمة في حق العسكريين والمدنيين معا. مهمة المؤسسة العسكرية هي الدفاع عن حدود الدولة، لكنها أحيانا تضطر لتجاوز الحدود من أجل الدفاع عن أهل الدولة.

المملكة العربية السعودية، هي رأس الحربة في محور الاعتدال العربي، مقوماتها الذاتية بالتوازي مع مشروع “إصلاح البيت العربي” تؤهّلها لأن تقود المشهد الإقليمي لا أن تقاد فيه. تمر المنطقة اليوم بمرحلة الفراغ الكبير، ولن تستطيع المملكة أن تملأ هذا الفراغ من دون تغيير واقعها بيدها.

يجب أن ترتكز السياسة الخارجية السعودية في المرحلة الراهنة والمقبلة على: تغيير صورتها النمطية، إصلاح البيت العربي، مواجهة الإسلاموية والمشروع الإيراني، مواجهة الصلف الإسرائيلي بالدعم الفاعل لعملية الإسلام والسلطة الفلسطينية الشرعية والتواصل المباشر مع عرب 48 والقوى الإسرائيلية المؤيدة للسلام ولحقوق الشعب الفلسطيني.

لا يمكن أن تتحقق أهداف السياسة الخارجية من دون إعادة العالم العربي -قرارا ومصالح- إلى العرب، واعتماد الجيش السعودي كورقة أخيرة في أدوات السياسة الخارجية كقاعدة ثابتة مؤصلة.

قد يتساءل المواطن عن جدوى هذه التغييرات، خصوصا في ظل وجود شكوى ساذجة من دعم هذه الدولة أو تلك، وهذا يستدعي مزيدا من النشاط الإعلامي للمؤسسة السياسية لتشرح أن تقديم المساعدة الأمنية أو المالية للدول يعني مساهمة غير مباشرة في حفظ الأمن الوطني وإيقاف معدل البطالة داخليا وفتح أسواق جديدة لرأس المال السعودي. ولعل ما تفعله (داعش) هذه الأيام كاف ليتنبه الجميع.

إننا نعيش في عالم متغير، وما نراه من تغيير يتجاوز قواعد السيطرة والمنطق، والطريف أن القوى العاملة على التغيير عاجزة عن التنبؤ بنتائج أفعالها، والعرب مثيرون للشفقة باستماتتهم في الدفاع عن اتفاقية سايكس بيكو التي أرادها لنا غيرنا في وجه غير آخر يريد ممارسة “حقه” في عالم مختلف وربما مختل! إنهم يستخدمون أرضنا وأهلنا لتحقيق مصالحهم لا مصالحنا، فلنجرب إيقاف ذلك ونغير قواعد اللعبة.

صحافي سعودي

4