زعامة الصين للعالم شبح يحاصر مستقبل الديمقراطية

بكين المزاحمة لواشنطن تغرق دولا بأنظمة مراقبة استبدادية.
الثلاثاء 2019/04/23
يطالب بالالتزام الصارم

القاهرة - من بلال تامر - تميل الدول المتميزة عالميا إلى تشكيل العالم بطرق كثيرة. ومن الواضح أنها تفعل ذلك بطريقة مباشرة من خلال أنشطتها الجيوستراتيجية، ولكن الظاهرة أصبحت تتجاوز ذلك. فالدول المتميزة، سواء عن قصد أو دون قصد، تقوم بتصدير ترتيباتها الداخلية إلى النظام الدولي كله. والتأثيرات العالمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية لهذه العملية عميقة للغاية.

وللدلالة على ذلك، يشير ديفيد باتشافيلي محلل العلاقات الدولية في مجلة “ذا ناشونال أنتريست الأميركية” إلى أن التميز العالمي البريطاني، ثم الأميركي، كان السبب وراء وضع اللغة الإنكليزية، وليس الفرنسية أو الألمانية، نهاية للغة المشتركة التي كانت سائدة على وجه الأرض.

كما أن تجارة الرقيق تلقت ضربة مميتة عالميا عام 1807، عندما أسفرت التطورات الفلسفية والسياسية داخل بريطانيا عن حظرها، ولأن بريطانيا هي التي كانت تمتلك القوة البحرية لفرض الحظر بالفعل. وأدى الانتصار الغربي في الحرب العالمية الأولى إلى أن يكون الشكل الديمقراطي للحكومات في صدارة النموذج السياسي، وهو ما زال قائما حتى اليوم.

ومنذ النصف الأول من القرن العشرين، تركت الولايات المتحدة بصمة اقتصادية على العالم الذى تسوده العولمة. كما أن للتدفق المستمر للقيم السياسية، والأنشطة المالية والثقافة الشاملة من أميركا تأثيراته الهائلة. وكان لإجمالي الدلائل المختلفة للتأثير الأميركي، دور مهم في تشكيل العالم الحديث.

لكن الجديد اليوم هو أن تميز الولايات المتحدة يواجه تحديا من جانب الصين. وفى حقيقة الأمر، فإن الدولتين تبذلان كل ما في وسعهما لعدم السماح بأن تخرج المنافسة بينهما عن السيطرة تماما، وتعتمد كل منهما على الأخرى اقتصاديا.

ومع ذلك، فإن جوهر ما يحدث هو أن الصين أصبحت القوة الثانية في العالم، وتريد أن تصبح القوة الأولى. ومن ناحية أخرى، فإن الولايات المتحدة غير مستعدة لأن تحل دولة أخرى محلها لقيادة العالم.

ويقول باتشافيلي الباحث أيضا بمؤسسة جورجيا للدراسات الاستراتيجية الدولية إنه ليس هناك أي شيء غير عادي في هذا الوضع، فالصراع من أجل التميز مستمر، مع حالات توقف لفترة قصيرة.

فقد شهدت عقود كثيرة من الزمن صراعات بين دولة وأخرى إلى أن أصبح الصراع حاليا بين الولايات المتحدة والصين. وليس من المقدر أن يسفر هذا الصراع عن حرب مباشرة (رغم أنه من المحتمل أن يحدث ذلك).

Thumbnail

ومهما كانت الأشكال التي سيتخذها التنافس الصيني الأميركي، تعتبر المخاطر كبيرة للغاية، وليس فقط بالنسبة للدولتين المتنافستين. ويضيف باتشافيلي أنه إذا حلت الصين محل الولايات المتحدة في دور قيادة العالم، حينئذ سوف يشكل واقعها الداخلي العالم الخارجي، تماما كما فعل واقع بريطانيا، وما زال يفعل الواقع الأميركي.

وفي الوقت الحالي، فإن الواقع الداخلي الذي يدور الحديث عنه ليس جيدا على الإطلاق. وفي حقيقة الأمر فإن الصين في عملية تحول من الشمولية المعتدلة نسبيا (وهي معتدلة مقارنةً بعهد ماو) والسائدة فيها منذ تولى دينج تشي بينج منصبه إلى نموذج جديد قريب بشكل مقلق من نفس تعريف الاستبداد.

 وهناك سمة رئيسية تفرق بين أي نموذج استبدادي ونموذج شمولي، وهي أنه في ظل الاستبداد ليس كافيا للمواطنين الاهتمام فقط بعملهم والامتناع عن المعارضة السياسية للنظام، ولكن أي نظام استبدادي يطالب بالالتزام الصارم بقواعده في الحياة اليومية للأفراد بما في ذلك الأمور التي لا علاقة لها بالسياسة.

وفي حقيقة الأمر فإنه يسعى إلى السيطرة على كل خطوة للجميع. وهناك نظام صيني جديد يعتمد على المراقبة الشاملة والبيانات الكثيرة اللازمة لملاحظة وتقييم الأفعال اليومية للمواطنين، من المقرر أن يعمل بصورة كاملة بحلول عام 2020 وهو يعمل جزئيا في الوقت الحالي.

ووفقا لأحد مظاهر هذا النظام هناك 23 مليون مواطن ممنوعين من شراء تذاكر سفر للخارج بسبب أفعال مختلفة في حياتهم لم يرض عنها نظام المراقبة.

وبالإضافة إلى التوسع المقرر في النظام الشامل للمراقبة والتحكم في السلوك ليشمل كل أنحاء الصين، تمارس السلطات الصينية بالفعل عمليات اختفاء قسرية، كما تكثف في الوقت نفسه من إجراءاتها المتشددة ضد حقوق الإنسان. ومن المحتمل أن يستمر كل هذا إذا أصبحت الصين القوة العظمى البارزة في العالم.

ويقول باتشافيلي إن هذه العملية بدأت بالفعل. ففي كمبوديا، على سبيل المثال، يؤدي النفوذ الصيني إلى تمكين السلطات الشمولية المحلية من قمع الديمقراطية. وتمتد ممارسات المراقبة التي تتبعها الصين إلى ما وراء حدودها.

ومن بين الأمثلة على هذه العملية قرار زيمبابوي الخاص باتباع نظام المراقبة والتعرف على ملامح الوجه الذي زودتها به الصين في جميع أنحاء البلاد.

كما تبنت تنزانيا تشريعا خاصا بالأمن السيبراني يقيد حرية المحتوى على الإنترنت، وهو ما يشبه النموذج الصيني وبمساعدة فنية من جانب الصين. وقد حذت أوغندا حذوها.

Thumbnail
7