زعيم أكبر حزب معارض يستقيل تجاوبا مع خطاب العاهل المغربي

فاجأ الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة الشارع المغربي بتقديم استقالته من منصبه استجابة إلى انتقادات تقدم بها العاهل المغربي الملك محمد السادس في نهاية الشهر الماضي للإدارة العمومية والأحزاب السياسية.
الأربعاء 2017/08/09
العماري يعترف بفشله

الرباط - قدّم إلياس العماري، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة وهو الحزب المعارض الرئيسي في المغرب، استقالته من منصبه، بعد أكثر من أسبوع من إلقاء العاهل المغربي الملك محمد السادس خطابا انتقد فيه بشدة الأحزاب السياسية.

وتولى العماري، الناشط السابق في اليسار المتطرف والذي يتمتع بشعبية كبيرة في شمال المغرب، مهامه في بداية عام 2016 في حزب الأصالة والمعاصرة الذي أسسه فؤاد علي الهمة عام 2008.

ولم يقدم العماري سببا واضحا لاستقالته، لكنه عبر عن افتخاره بـ”تزامن قرار الاستقالة من رئاسة الحزب مع خطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس في الذكرى 18 لتوليه العرش، والذي انتقد فيه السياسيين”.

وقال العماري إن “الملك تحدث في خطابه عن الأحزاب السياسية واعتبر نفسي معنيا بما قاله، رغم أن فترة تسييري للحزب هي عام ونصف العام فقط ولم اتخذ قرارات كثيرة”. وأضاف “لقد تفاجأت بردة فعل الأحزاب السياسية بعد الخطاب الملكي، لكن هذه الأحزاب كلها تتحدث عن خطاب مهم وجيد، إلا أن أيا منها لم يعتبر نفسه معنيّا بالخطاب”.

وكان العاهل المغربي قال في خطابه في ذكرى عيد العرش إن “اختياراتنا التنموية تبقى عموما صائبة، إلا أن المشكلة تكمن في العقليات التي لم تتغير وفي القدرة على التنفيذ والإبداع”.

وأضاف أن “التطور السياسي والتنموي الذي يعرفه المغرب لم ينعكس بالإيجاب على تعامل الأحزاب والمسؤولين السياسيين والإداريين مع التطلعات والانشغالات الحقيقية للمغاربة”.

وقال مصدر سياسي مطلع لـ”العرب” إن “قرار الاستقالة في انتظار تثبيته رسميا عبر المجلس الوطني للحزب، سيحرج بقية قادة الأحزاب السياسية المعنيين بالخطاب الملكي الذين فضلوا الهروب إلى الأمام أو الانحناء للعاصفة”.

وأوضح أن ما قام به العماري سلوك سياسي غير معتاد وثقافة متطورة في ظل المشهد السياسي المغربي الذي لا يعترف بشجاعة الانسحاب أو الاستقالة.

وقال خالد شيات، الباحث السياسي بكلية العلوم القانونية بوجدة، إن “استقالة العماري طبيعية وجاءت في نسق سياسي متأزم ساهم هو فيه للأسف”.

واضاف شيات في تصريح لـ”العرب” أن العماري فهم جيدا ما عليه فعله بعد أن أصبح عنصرا معيقا للتواصل.

وفي محاولة لتبرير استقالته، قال العماري إنه ازداد اقتناعا بقرار استقالته من الأمانة العامة للحزب بعد اطلاعه الإثنين في اجتماع المكتب السياسي للحزب، على تقارير لجنة تقييم تسع سنوات من عمر الحزب وعشر سنوات من عمر حركة لكل الديمقراطيين.

ما قام به العماري سلوك سياسي غير معتاد وثقافة متطورة في ظل المشهد السياسي المغربي الذي لا يعترف بشجاعة الانسحاب

وأكد في ندوة صحافية عقدها الثلاثاء أن بعض الخلاصات والاستنتاجات التي خرج بها اجتماع المكتب السياسي والمرتبطة بمدى الالتزام والانضباط لقرارات الحزب وهيآته التقريرية كانت غير مرضية في بعض الحالات، مبرزا أن نتائج هذه الخلاصات كانت السبب الرئيسي في تقديم استقالته.

وقال محمد فقيهي، الباحث في العلوم السياسية إن الحجج التي قدمها العماري لم تأت بجديد، واصفا إياها بـ”مخرجات ثانوية يراد بها تغطية الأسباب الحقيقية للاستقالة، والمتعلقة أصلا بأسباب جوهرية لا يمكن البوح صراحة بالعدد الكبير منها وهي الأهم في التأسيس لقرار الاستقالة”.

وأضاف فقيهي لـ”العرب”، أن “استقالة العماري مرتبطة بفشل حزبه في التوسط بين السلطة والمحتجين في منطقة الحسيمة”.

وتشهد الحسيمة، احتجاجات هزت منطقة الريف في شمال المغرب منذ عشرة أشهر. وينتمي مسؤولو المنطقة المحليين في غالبيتهم إلى حزب الأصالة والمعاصرة لم يتمكنوا من إقامة حوار مع المحتجين لتخفيف التوترات.

لكن العماري نفى أن تكون استقالته جاءت بناء على تعليمات، مشددا أن ليس لها أدنى علاقة بأحداث الحسيمة.

وأكد أنه لن يستقيل من رئاسة جهة طنجة الحسيمة، مبررا ذلك بأن “قرار الترشيح للأمانة العامة للأصالة والمعاصرة كان فرديا، ولكن قرار الترشيح للجهة كان قرارا جماعيا ولدي شركاء وليس من حقي أن انسحب”.

وأشار فقيهي إلى أن الخطوة التي اتخذها إلياس العماري لا تعدو أن تكون سوى مناورة سياسية لتوريط الأحزاب الأخرى بتفعيل الحوكمة.

ولا يعتقد فقيهي أن العماري سيتوارى عن الأنظار فهو “وإن لم تعد إليه مقاليد الأمور عبر مناورة سياسية من المكتب السياسي والمجلس الوطني، فإنه سيظل في موقعه المتقدم جدا كقيادي للحزب”.

وتم تكليف القيادي الحبيب بلكوش بإدارة الحزب إلى غاية انعقاد مجلسه الوطني أواخر شهر سبتمبر القادم، حيث سيتم النظر في موضوع استقالة العماري.

وقال بلكوش إنهم سينظرون في الأخطاء أو الاختلالات التي شهدتها مؤسسات الحزب، بما فيها الأمانة العامة والمكتب السياسي وغير ذلك، مؤكدا أنه سيقود الحزب إلى غاية انعقاد مجلسه الوطني.

وأضاف أن أعضاء المكتب السياسي، وبعد عرض التقارير الخاصة بأداء الحزب، اعتبروا أن قرار استقالة العماري لا مبرر له، مؤكدين أن أداءه سواء على مستوى الجهة أو النتائج الانتخابية كان جديا وإيجابيا رغم صعوبة المرحلة.

وحث المصدر السياسي العماري على عدم التراجع، لافتا إلى أن العدول عن الاستقالة سيضاعف من أزمة ثقة الرأي العام في قرارات السياسيين، كما أنه قد يفهم في اتجاه العدول عن التفاعل الإيجابي مع الخطاب الملكي.

ويرى خالد شيات أن المشهد السياسي في المغرب يحتاج إلى تغيير جوهري من الداخل.

وأضاف أنه من “الوهم الاعتقاد بأن هذه هي النهاية لأن القادم ينم عن مفاجآت حقيقية تهم جوهر الحياة الحزبية بالمغرب، والتغيير يبدأ مع خطوة صغيرة لكنه يمكن أن يتحول إلى سيل جارف”.

4