زعيم المعارضة بجنوب السودان: الحركة الشعبية فقدت البوصلة

لم يكد جنوب السودان يحصل على استقلاله في يوليو 2011، بعد عقود من النزاع مع الخرطوم، حتى دخل في حرب ومعارك في صفوف الجيش بسبب الانقسامات السياسية والخصومة على رأس النظام بين الرئيس سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار، الذي قال في حوار مع “العرب” “إن حلّ الأزمة يكمن في وجوب تنفيذ اتفاق السلام الموقع بين المعارضة والحكومة، والذي يرفض سلفا كير الامتثال له وإجراء الإصلاحات التي نادت بها المعارضة”.
الجمعة 2016/02/12
أنا مقاتل قديم وعسكري أخطط لكل شيء بدقة

القاهرة – طالب رياك مشار، النائب الأول السابق لرئيس جنوب السودان، الذي يقود قوات المعارضة المسلحة، المجتمع الدولي بممارسة المزيد من الضغوط على الرئيس سيلفا كير وإجباره على تنفيذ بنود اتفاقية السلام، مضيفا في لقاء مع “العرب”، بمناسبة تواجده في القاهرة بدعوة من الرئيس عبدالفتاح السيسي، أنه لبّى الدعوة وجاء إلى مصر لطلب المساعدة في تنفيذ اتفاقية السلام.

وعن أسباب صدامه مع سيلفا كير أوضح مشار أنها تعود إلى الخلاف بينهما داخل الحزب الحاكم (الحركة الشعبية)، حيث اعترض على شيوع الفساد في دواوين الحكومة والاستيلاء على أموال وموارد الدولة وسيطرة القبلية، حيث يعيّن الوزراء أفراد قبائلهم في الهيئات التي يسيطرون عليها، علاوة على اختلال الأمن وغيابه عن الشارع.

ورهن مشار عودته إلى جوبا، خلال أربعة أسابيع، بمدى التزام سيلفا كير بتنفيذ البند الخاص بتخفيض أعداد القوات المسلحة في العاصمة، ونقل قوات من المعارضة إليها، والشروع عمليا في تشكيل الحكومة الانتقالية.

وأشار إلى أنه تمّ إجراء استطلاع رأي بين أعضاء الحزب، أسفر عن اتفاق الأغلبية على أن الحركة الشعبية فقدت البوصلة والرؤية، وأن إدارة الحكم تسببت في تدهور وسوء العلاقات مع بعض الدول التي ساعدت جنوب السودان في الحصول على الاستقلال.

وتمت مناقشة هذه النتائج في المجلس السياسي واللجنة المركزية للحزب لعلاج المشكلات وتصحيح المسار، لكن تم تجاهل هذه الملاحظات، وفق ما ذهب إليه مشار، قائلا إن كير استغلّ سلطاته وسعى للتخلص منه بقرار عزله من منصبه.

ورياك مشار، كان نائبا أول لرئيس جنوب السودان، قبل أن يقود تمرّدا مسلحا، عقب أحداث ديسمبر 2013. وقد حاول سيلفا كير خلال هذه الأحداث إلقاء القبض عليه هو وعدد من القيادات الحكومية، متهما إياهم بتدبير محاولة للانقلاب عليه، لكن مشار نجح في الفرار هو وزوجته أنجيلينا، التي كانت عضوا بالحكومة.

وتزعّم مشار معارضة مسلحة ضد سيلفا كير، لتدخل الدولة الوليدة حلقة جديدة من حلقات الصراع، بعد أن كانت بعض القوى الدولية تعول عليها، وساندتها في انفصالها عن السودان. وعادت الأوضاع في جنوب السودان، إلى حالتها السابقة من الاضطرابات، بعد أن تفاءلت جهات كثيرة بعودة الاستقرار إلى الدولة الوليدة، بموجب توقيع اتفاق السلام بين الرئيس سيلفا كير وغريمه ونائبه الأول رياك مشار، فالأيام الماضية شهدت تراشقا سياسيا وإعلاميا وعسكريا، أعاد الأجواء إلى ما كانت عليه من توترات، قبل توقيع اتفاق أديس أبابا.

40ألف شخص على الأقل مهددون بالموت جوعا في مناطق المعارك في جنوب السودان الذي يقف على حافة مجاعة

وأخفقت حتى الآن جهود تشكيل الحكومة الانتقالية، التي كان من المقرر الإعلان عنها في ديسمبر الماضي، بعد نجاح الوساطة الأفريقية في إلزام طرفي الصراع التوقيع على اتفاقية سلام تنهي الحرب الأهلية، وتشكل بمقتضاها حكومة انتقالية تشارك فيها المعارضة، تليها تعديلات دستورية والترتيب لانتخابات رئاسية في العام 2018.

العودة إلى جوبا

عن أسباب تأخر عودته إلى جوبا، قال إنه كان من المقرر أن يذهب إلى العاصمة في ديسمبر الماضي، لكن هناك خطوات حدّدتها الاتفاقية يجب أن تنفذ بالتتابع، وعودته مرهونة بتنفيذ بند تخفيض القوات الحكومية المسلحة في جوبا، بحيث لا تزيد عن خمسة آلاف فرد، وأن يتم نقل 2910 مقاتلين من قواته إلى جوبا، وعندها لن تكون لديه تخوفات من الذهاب إلى جوبا. وتوقع أن تلتزم الحكومة بتخفيض القوات وانتقال قواته إلى العاصمة، وفق مفاوضات الوفد الذي يجري الآن مباحثات في جوبا، ورجح أن يتم ذلك في غضون ثلاثة أو أربعة أسابيع.

وتم طرح سؤال على مشار في هذا السياق حول ما قيل عن الضغوط الدولية التي مورست عليه وغريمه سيلفا كير للتوقيع على اتفاقية السلام، وقد أجاب المعارض الجنوب سوداني مؤكّدا صحّة هذا الحديث، حيث قال “نعم كانت هناك ضغوط دولية مورست على الحكومة والمعارضة، ولم نوقع بإرادة داخلية”.

بخصوص طبيعة التنازلات التي قدمها فريقه، أكد مشار أنه كان يطالب في البداية بمقاعد متساوية في الحكومة الانتقالية، لكن تم منحه في الاتفاق الأخير عشر وزارات فقط، مقابل ست عشرة وزارة لسيلفا كير، وكان المطروح في الاتفاق الأول منح المعارضة حكم ثلاث ولايات، ثم تقلصت في الاتفاق إلى ولاية واحدة، وكان المقترح تمثيل عناصره في مجالس الولايات الأخرى بـ 53 شخصا، لكن جرى تخفيضها إلى 40 فقط.

وأضاف “رغم هذه الملاحظات وجدنا أن مكسب السلام أولى بالتمسك به وعدم التخلي عنه، لذلك وقعنا على الاتفاق داخل قاعة التفاوض، حرصا على السلام، بينما لم يوقع سلفا كير، إلا بعد مضي 9 أيام، وبعد أن خرج من القاعة طالبا العودة إلى حكومته للتشاور، ورغم توقيعه بموجب ضغوط دولية عاد ليخالف الكثير من بنود الاتفاق.

وطالب دول الوساطة الأفريقية بأن تقدّم خارطة طريق جديدة، في ظل مخالفة الحكومة للاتفاق، أو تؤكد قدرتها على إلزام الحكومة بما تم الاتفاق عليه.

رياك مشار
63 عاما

ولد في ولاية الوحدة

يدين بالمسيحية الإنجيلية

ينتمي إلى قبيلة النوير

من مؤسسي الحركة الشعبية لتحرير السودان

1991: انشق عن الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق

2011: نائب رئيس جمهورية جنوب السودان سابقا

ديسمبر 2013: يقود معارضة مسلحة ضد سيلفا كير

وتنص اتفاقية السلام المبرمة بين سلفا كير ومشار، على أن ترسل المعارضة المسلحة 300 شخص للتفاوض على خطوات تفعيل البنود التالية، وهو ما يجري التباحث بشأنه الآن، لكن قرار سيلفا كير بزيادة عدد الولايات إلى 28 ولاية فجر خلافات جديدة بين حلفاء الأمس ومتقاتلي اليوم، حيث ترفض المعارضة هذا القرار الذي يتمسك به رئيس جنوب السودان، لأنه يمثل انتهاكا صارخا لاتفاقية السلام.

حضور انتخابي

حول أوراق قوته في الانتخابات الرئاسية المقبلة التي أعلن نيته خوضها وثقته في الفوز بها، كشف زعيم المعارضة في جنوب السودان أنه شرع في تأسيس حزب للمعارضة ينافس حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان الذي أسسه سيلفا كير.

وقال “نحن بصدد تأسيس حزب سياسي، لم نسجله رسميا بعد، لكن أعددنا برنامجه ورؤيته لحكم وإصلاح البلاد، ولدينا شعبية كبيرة في أنحاء جنوب السودان، وتاريخ نضالي، وحلول للمشكلات المختلفة، إلى جانب رغبة عارمة في السلام، أكدها التوقيع على اتفاقية السلام، والتمسك بتنفيذها وتطبيقها”.

وعن رؤيته للإصلاحات قال إن المعارضة تسعى إلى بناء دولة ديمقراطية، تقوم على التعددية العرقية والإثنية. وأضاف أن المطلوب هو إرساء نظام فيدرالي تكون فيه مهمة الحكومة المركزية بناء الاستراتيجيات، وتمثيل الدولة في السياسة الخارجية، ويعطي للولايات سلطات تنمية مواردها ومجتمعها، وتقديم خدمات التعليم والصحة والطرق والتنمية الزراعية والصناعية، بتقسيم يضمن لها مواردها الاقتصادية، خال من التقسيمات العرقية والقبلية التي تسعى لها حكومة سيلفا كير الآن.

وقال إن المعارضة ستطالب في الدستور الجديد بتغيير اسم الدولة، موضحا أن الخرطوم أخذت اسم جمهورية السودان، ومن غير المقبول أن تبقى “جمهورية جنوب السودان”، ولا يصح أن تعرف الدولة بالاتجاه شمالا أو جنوبا.

وقال في هذا السياق “مع تمسكنا بسودانيتنا يمكن مثلا أن نعدل اسم دولتنا إلى ‘جمهورية السودان الشعبية’، فهناك الكونغو الديمقراطية إلى جانب جمهورية الكونغو الشعبية. وسوف نبحث تعديل الاسم، مع التمسك بتضمينه كلمة السودان، كدليل على التمسك بهويتنا السودانية”.

وفي ما يتعلق باللغة الرسمية أوضح أنها ستكون الإنكليزية والعربية واللغات المحلية، لأن أغلب أبناء جنوب السودان يتحدثون اللغة العربية وإن كانت بلكنات محلية.

صراع الغريمين

حذّرت ثلاث وكالات تابعة للأمم المتحدة مؤخّرا من أن 40 ألف شخص على الأقل في جنوب السودان مهددون بالموت جوعا، فيما يحتاج 2.8 مليون، يمثلون ربع السكان، إلى مساعدات غذائية عاجلة. وتحمل المنظمات القوات الحكومية والمتمردين مسؤولية إعاقة وصول المساعدات إلى المناطق التي تخضع لسيطرة الطرفين.

وعلق مشار على ذلك قائلا “إن المعرّضين للمجاعة ليسوا 25 في المئة من الشعب، بل أكثر من ذلك بكثير والحل يكمن في إحلال السلام، فنشوب الحرب جعل الكثير من المتعهدين بتقديم المساعدات لا ينفذون وعودهم، لذلك يجب تسهيل عمل هيئات الإغاثة في جميع أنحاء جنوب السودان.

لكن، وفي الوقت الذي تتعالى فيه أصوات منظمات الإغاثة وتزداد فيه احتياجات المتضررين من الحرب الأهلية، أقر برلمان جوبا مؤخرا قانونا يقلص عدد الأجانب العاملين في منظمات الإغاثة بجنوب السودان إلى 20 في المئة فقط على أن تستبدل تلك الهيئات 80 في المئة من أعضائها بمواطنين من جنوب السودان، وهو ما اعتبرته الهيئات إعاقة جديدة لعملها”.

ورفض مشار هذا القانون، مبرّرا ذلك بأنه “يفترض، وفق اتفاق السلام، تشكيل برلمان جديد تمثل فيه المعارضة بـ 50 نائبا، لكن هذا البرلمان لم يشكّل بعد، كما أن البرلمان الحالي يفترض أنه معطل في جوبا، وهذا القانون هو في الأصل قرار حكومي مغلّف باسم البرلمان لإضفاء صورة ديمقراطية غير حقيقية”.

وبخصوص التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، والتي وجهت لقوات الحكومة والمعارضة بجنوب السودان اتهامات بارتكاب جرائم حرب، بما يجعل سيلفا كير ورياك مشار عرضة للمحاكمة، نفى مشار ذلك، مؤكّدا أنه وضباطه على استعداد للمثول أمام المحكمة.

وبخصوص الدعوات داخل الكونغرس الأميركي إلى فرض عقوبات على جنوب السودان والتلويح بوصاية إقليمية ودولية عليه، في حال استمرار المماطلة في تنفيذ بنود اتفاق السلام، قلل من أهمية هذه الأصوات، وأكد أن التلويح بهذه الأسلحة ليس له معنى، وغير قابل للتنفيذ، وهو مجرّد ورقة من أجل الضغط للإسراع في تفعيل اتفاقية أديس أبابا.

العلاقات مع أوغندا والسودان

وجهت قيادات المعارضة المسلحة اتهامات إلى أوغندا بالتدخل في الصراع الدائر في جنوب السودان، والمماطلة في سحب القوات. وعن هذا الدور، أكد مشار أن كمبالا تدخّلت في الحرب منذ الأسبوع الأول لاندلاع الأزمة، بناء على دعوة من الرئيس سيلفا للتدخل عسكريا، بعد أن قال إن 70 في المئة من القوات المسلحة الحكومية انحازت إلى المعارضة.

واستجاب له الرئيس يوري موسيفيني ودخلت قواته جنوب السودان، وخاضت قتالا ضد المعارضة استمر حتى التوقيع على اتفاق أديس أبابا. وعلى إثر هذه الاتفاقية سحبت أوغندا جزءا من قواتها من ولاية جونقلي، لكن أبقت على بعض منها في جنوب السودان، حيث تقاتل بعضا من عناصر جيش الرب الأوغندي المتمرد على حكومة كمبالا، المتواجدين في بعض مناطق جنوب السودان.

وناشد مشار القوات الأوغدنية “الانسحاب بشكل كامل من البلاد، مشددا على أن قواته قادرة على الدفاع عن أراضي جنوب السودان، ونافيا الاتهامات الموجهة إليه بأنه انقلابي”، وأكّد لـ “العرب” قائلا “لو كنت انقلابيا لخططت لذلك بدقة وكنت سأنجح، فأنا مقاتل قديم وعسكري أخطط لكل شيء بدقة”، مضيفا أن “سيلفا كير ذاته قال إن نسبة كبيرة من القوات المحلية انحازت لي أثناء اندلاع الأزمة، وذلك كان كافيا جدا لتنفيذ خطة انقلاب ناجحة”.

ختم رياك مشار حواره متحدّثا عن طبيعة العلاقة مع النظام السوداني، حيث نفى وجود خلاف مع نظام عمر البشير وقد أصبح للمعارضة وجود سياسي هناك بعد أن سمح الرئيس السوداني عمر البشير بافتتاح مكتب سياسي بالخرطوم للمعارضة.

أما عن علاقته بمتمردي دارفور، وعناصر الحركة الشعبية قطاع الشمال، فقال “ليست لنا كمعارضة في جنوب السودان، علاقات مع أي أطراف معارضة مسلحة بدولة السودان، وبالعكس كانت (المعارضة الشمالية) طرفا في النزاع تقاتل مع حكومة جوبا والقوات الأوغندية ضدنا”.

12