زعيم يعيش في "بلاد السعادة" ويحكم شعبا من الشحاذين

بداية العرض المسرحي "حدث في بلاد السعادة" على مسرح السلام في شارع قصر العيني بوسط القاهرة.
الجمعة 2018/08/24
الشعب مخاتل

القاهرة - تمثل العلاقة بين الحاكم وشعبه قضية مثيرة وجذابة للكثير من الكتُاب لتقديمها في صور فنية مختلفة، لكن تبقى صلاحية النص وجدوى تقديمه العنصر الأهم لصناعة عمل متقن، وهو الفخ الذي سقط فيه العرض المسرحي المصري “حدث في بلاد السعادة”، الذي تمّ الشروع في تقديمه بالقاهرة مؤخرا.

بدأ العرض “حدث في بلاد السعادة” على خشبة مسرح السلام في شارع قصر العيني بوسط القاهرة، إخراج مازن الغرباوي، وتأليف السيناريست وليد يوسف الذي انتهى من كتابته منذ فترة بعنوان “مات الملك”، لكنه ظل مشروعا مؤجلا على مدار 26 عاما، وهنا فرض التأجيل الطويل تساؤلا هاما حول مدى صلاحية العرض وجدوى تقديمه في المرحلة الحالية.

 

تغري العلاقة بين الحاكم والمحكوم الكثير من المؤلفين لمناقشتها، ويلجأ أغلبهم إلى الحديث عن فترات زمنية ومكانية مبهمة أو غير محددة، إما هروبا من الرقابة المتربصة بتلك النوعية من الأعمال وإما ليكون العمل متسقا مع كل عصر. هذه العلاقة كانت محور العمل المسرحي المصري “حدث في بلاد السعادة”.

الشعب والملك

تحكي المسرحية قصة زعيم يعيش في “بلاد السعادة” ويحكم شعبا يعاني أوضاعا بائسة بسبب غلاء الأسعار وتردي أوضاع المعيشة، التي تجعل أغلبهم يعملون بالـ”الشحاذة”. في حين لا يجد آخرون قوت يومهم. وسط هذا الوضع المأساوي يقرر “بهلول” بطل العرض، الذي يلعب دوره الفنان مدحت تيخا، الذهاب إلى الزعيم أو الملك وإخباره بالحقيقة ليقرر الأخير أن يتولى بهلول شؤون البلاد.

تبدو القصة متسقة مع قوامها الذي يبحث عن فكرة العدالة بين الحاكم والمحكوم، وهي القضية الأبرز في حديث الدراما، خصوصا في ما يتعلق بالعروض المسرحية. لكن هذا المسار سريعا ما تم طمسه بعد أن ظهر خط درامي آخر يؤكد على فكرة أن الحاكم الجديد الذي جاء من الشعب الفقير وقدم نظاما عادلا بين المحكومين، واجه أزمة جديدة بعد أن أضحى شعبه مترفا يبذر أمواله على الحانات والمفاسد ليعود “بهلول” ويعبر عن ندمه على منحه الحرية المطلقة للشعب، ويصطدم في مواجهات معه إلى أن يقرر التنحّي عن
الحكم.

الالتباس الآخر يتمثل في إلقاء اللوم على الشعب الذي استخدم حريته وممتلكاته بشكل خاطئ ليظهر الارتباك الواضح في فكرة العرض، الذي لم يفهم هل كان يريد مناقشة علاقة الحاكم بالمحكوم أم أنه يلقي باللوم على الشعب صاحب الفرص الضائعة.

يمكن تفسير الارتباك في حالة الربط بين العمل المكتوب منذ أكثر من ربع قرن والتغيرات السريعة والمعقدة التي طرأت على المنطقة العربية في العقد الأخير. من زاوية عدم اتساق الأفكار والانتقال غير المترابط بين محور وآخر، وهو ما بدا بارزا في العمل بشكل ربما يكون قد أضاع قوامه الرئيسي.

حاول المؤلف التأكيد على فكرة ترسيخ العدالة بين جميع فئات المجتمع وخداع الحاشية للحاكم، الأمر الذي يتسق مع شخصية “الوزير” التي يجسدها الفنان علاء قوقة، حيث يقوم بتضليل الحاكم وذلك بإيهامه أن شعبه يعيش أوضاعا ميسورة، ما يلقي بظلاله على فترة حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، مع أن مؤلف العمل حرص على الإشارة إلى أن الأحداث تدور في “اللازمان واللامكان”، أي أنه لا يقصد حاكما بعينه، لتجنب هذا النوع من الإسقاطات السياسية المباشرة.

يطرح إيمان المؤلف أن فكرة عرضه تصلح لكل العصور والأزمنة، محورا جديدا يتعلق بالمزج بين الماضي والحاضر، ويلقي الضوء على أزمات الشعوب وتخبطها حيال فهم الحرية. فالحبكة الثانية التي وضعها المؤلف في ما يتعلق بالتمرد الشعبي التي جعلت الناس مع توفير حياة الاستقرار والعدالة ينفقون أموالهم في ما يلهيهم عن حياة العمل ويتمردون على حاكمهم الذي منحهم الرفاهية.

قصة المسرحية تقوم على البحث عن فكرة العدالة بين الحاكم والمحكوم، وهي القضية الأبرز في حديث الدراما

وهو جانب ربما أصاب في بعض الفئات من مجتمعات عربية عاثت فسادا في فوضى كبيرة بعد ثورات الربيع العربي، لكنها بدت في النهاية فكرة أخرى مستقلة بذاتها عما يريد العرض تقديمه.

فكرتان منفصلتان

الفكرتان اللتان ناقشهما عرض “حدث في بلاد السعادة” تصلح كل منهما للطرح في عرض منفصل، لأن المحور الثاني الذي يتعلق بمغزى “الحكم في يد الشعب” يحمل الكثير من الخيوط التي تجعل للفكرة وهجا وأصالة.

ويترابط ذلك المحور بشكل دقيق مع المرحلة الزمنية الحرجة التي مرت بها المجتمعات العربية في العقد الأخير من الألفية الجديدة، والمأزق الذي وضع فيه المؤلف ذاته يتعلق بمحاولاته تجاوز الماضي بتقديم نصه ودمجه في الحاضر، وهو ما كان كفيلا بتقديم عرض يشوبه الكثير من الارتباك.

يتوازى مع هذا أن المشاهد لم يعد أكثر ميلا لمشاهدة مثل تلك الأفكار لكونه عاش ولا يزال يعيش تحت مظلة أنظمة مماثلة وظروف سياسية متشابهة، بما يشير إلى تشبعه من هذه النوعية من الجرعات السياسية المكررة.

مثل العنصر الإخراجي في العرض قوة كبيرة، بعد أن نجح المخرج مازن الغرباوي في تقديم العمل بحرفية كبيرة مستخدما التقنيات الحديثة، ممثلة في الستائر الشفافة التي تشير إلى رمزية الصراع الذي تعيشه فئات المجتمع وسط دوامة وقسوة الحياة، والبحث عن الرزق في تصوير حركي من خلال تكوينات جسدتها مجموعة من الشباب ترفع أيديها إلى أعلى مع قفزة قصيرة وكأنها تسارع بحثا عن رزقها.

وشكل الانضباط في حركة الممثلين على خشبة المسرح قوة أخرى للعمل، بعد أن بدا كلّ منهم في أداء جيد لدوره. وبقي مأزق المخرج متمثلا في الاستعانة بالمطرب وائل الفشني، أحد أحفاد المنشد المصري الشهير طه الفشني والمطربة فاطمة محمد علي، حيث قدما عددا من الوصلات الغنائية بين مشاهد العرض لم تكن لها جدوى، وافتقدت لعنصر الجذب على مستوى اللحن الموسيقي ما أطاح بطموح المخرج في محاولة تقديم عرض مكتمل العناصر.

والمأخذ الآخر، يتمثل في الاستعانة بعدد من العناصر الفنية العربية مثل الممثل العراقي راسم منصور والليبية خدوجة صبري، دون أن تكون هناك جدوى حقيقية لوجودهما، عكس تجربة الدراما التلفزيونية التي تحرص على الاستعانة بالنجوم العرب للمزيد من المشاهدة الجماهيرية، وفي المسرح المسألة تحتاج إلى عناصر فعالة تزيد من قوة مضمونه، إذا كانت هناك نية أصلا للاستعانة بفنانين عرب وتوظيفهم بطريقة سليمة.

ورغم أن راسم منصور وخدوجة صبري قام كل منهما بدوره بصورة جيدة، غير أنه من الأفضل أن يكون هناك استثمار أكبر لهما من خلال نص يستدعي الاستعانة بممثلين عرب. ربما أراد المخرج أن يقدم عملا مكتملا يشترك فيه فنانون من دول مختلفة، باعتبار أن قضية النص ذاتها طالت جميع الأقطار العربية وليست قاصرة على مصر، وهو مبرر معقول.

شكل الديكور عنصرا فعالا لتقديم العمل بصورة عميقة من هذه الناحية. فرغم البساطة وعدم الاستغراق في التفاصيل، إلا أنه كان معبرا عن فكرة العرض بالتوازي مع عناصر الإضاءة التي امتزجت بين أنوار الأصفر والأحمر التي أحاطت بالمسرح خلال مشاهد ظهور الزعيم/ الملك، الذي لعب دوره الفنان سيد الرومي، ولم يتعد ظهوره الثلاثة مشاهد تعبيرا عن الفخامة، وكذلك الإضاءة الزرقاء الخافتة التي أحاطت بالبطل الحالم “بهلول”.

14