زفة منتدى شباب العالم.. فلنتحاور مع أنفسنا أولا

لا أحد يعرف القيمة التقريبية للكلفة المادية لمنتدى شباب العالم، في بلد يئنّ من الارتفاع الفاحش في أسعار المواد الضرورية، وتتراكم عليه الديون، وأصيب شعبه باكتئاب يحتاج علاجه إلى معجزة.
الثلاثاء 2018/11/06
كلفة باهظة لاستيراد جمهور يؤدي في الفيلم أدوارا

في المعاجم، تأتي “الزفّة” بمعنى الزوبعة والموكب، موكب العرس. كلا المعنييْن، الزوبعة والموكب، يقول إن الأمر مؤقت، مرتبط بكارثة أو نشوة. ولا تتكرر “الزفة” إلا لمحترف نزوات لا تعلّمه التجربة، أو لموقع موبوء بأعاصير الغبار، وللزوبعة في المفهوم الشعبي دلالة شيطانية، وللزفّة خارج ضيق القاموس طقوس، فيكتفي العروسان بدور تمثيلي يحدده مخرج الحفل، ولا يخالفانه، ويؤدي العريس دور عريس وتقوم العروس بدور عروس، ولا يعترض الأهل على سيناريو فيلم ثقيل الوطأة، يحتملون ساعات تمثيله وتصويره على مضض، وتحضر الكائنات البشرية في قاعة العرس كعناصر في إطار يضم الديكور والمطرب والموسيقى ومؤثرات صوتية وبصرية تظهر في الفيلم النهائي.

في الزفة يعلو الصخب، ويمحو أي بادرة لحوار ثنائي، ولا يستسيغ المخرج هذه الحوارات، ويريد متفرّجين يحرمهم من فرص الكلام، وتمسي المنصة مصدرا لهبوط موسيقى وغناء وتعليمات يلقيها المستبد بالميكروفون. وفي العادة لا يبالي الحضور بوقت منذور للمجاملة والتمثيل، ضريبة مستحقة مرة واحدة في عمر الشخص، ولو كانت “الزفة” تجربة طقوسية مبهجة لأعادوها واستعادوها، ولا أظن أحدا يحب إعادتها أو استعادة ذكراها، اللهم إلا في “منتدى شباب العالم” الذي يتكرر سنويا، وينتهي اليوم 6 نوفمبر 2018، بعد أربعة أيام حافلة بالكلام. ولا أحد يعرف القيمة التقريبية لكلفته المادية، في بلد يئنّ من الارتفاع الفاحش في أسعار المواد الضرورية، وتتراكم عليه الديون، وأصيب شعبه باكتئاب يحتاج علاجه إلى معجزة، ولا يعنيه المنتدى وراعيه ومنظميه والمشاركين فيه وما يترتب عليه، لو افترضنا أن شيئا ذا قيمة سيترتب عليه.

للعام الثاني يقام المنتدى في منتجع شرم الشيخ. وفقا للمعلن الرسمي فإن المشاركين خمسة آلاف ضيف من 160 دولة، يناقشون في 30 جلسة 18 محورا أبرزها كتاب ميلاد حنا “الأعمدة السبعة للشخصية المصرية”. كلفة باهظة لاستيراد جمهور يؤدي في الفيلم أدوارا، وينطق أحيانا كلاما كالكلام في سيناريو. وقد بحثت عن ردود فعل، فلم أجد في وكالات الأنباء العالمية صدى لهذه “الزفة” الاستعراضية التي ترضي الشهوة إلى الأضواء. ولا يوجد في البرلمان تكتل يستجوب الحكومة عن إهدار المال العام في ما لا يفيد، ويطالب بكشف حساب عن حصاد المنتدى الأول لشباب العالم في شرم الشيخ 2017، والمؤتمرات الأربعة للشباب المصري، وكنت شاهدا على مقدمات واحد منها في مدينة الإسماعيلية، واستفزني المشهد الأمني غير اللائق، فكتبت في صحيفة “العرب” في 24 أبريل 2017 مقالا عنوانه “زيارة السيسي تختصر عمر مهرجان دولي”.

كان “مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة” سيختتم في 25 أبريل 2017. وعلى الرغم من البرنامج المعلن والدليل المطبوع وحجز الفنادق وتذاكر الطيران، جاءت الأوامر الأمنية، قبل يومين من الختام، بإخلاء المدينة من المهرجان وضيوفه جميعا، مصريين وعربا وأجانب. تأكد لي أن كل شيء في المؤتمر الثالث للشباب معدّ سلفا، وغير مسموح بتعديل يضيف دورا ارتجاليا خارج النص. وتمنيت أن يجرؤ “رجل رشيد” على استئذان “الرئيس” في أن يفاجئ ضيوف المهرجان بحضور حفل الختام “الطبيعي”. ليس الضيوف خطرا، بل وسيلة دعائية غير تقليدية، وتعرف الشخصيات المرموقة حدود اللياقة في التحاور مع الرؤساء. ثم تذكّرت أن عبدالفتاح السيسي يريد دائما جمهورا ينصت ويصفق ويستحسن كلامه، فصدره يضيق بالنقاش ولو مع متخصص في مجاله، وأنه ليس جمال عبدالناصر الذي خاض مناظرة، غير مدرجة في جدول أعمال مؤتمر كان التلفزيون يذيعه على الهواء مباشرة عام 1961، وكان الطرف الثاني كاتبا عمره 41 عاما هو خالد محمد خالد يجادل الزعيم، ويقول إن الديمقراطية “أن يكون الشعب قادرا على أن يختار حكامه باقتراع حر، وأن يكون الشعب قادرا على أن يغيّر حكامه باقتراع حر”. فهل يحتمل السيسي سماع نص هذه الجملة في اجتماع محدود غير مذاع؟

تؤكد شواهد وأدلة وتجارب رفض السيسي الاستماع إلى اقتراحات تطوع بها متخصصون في قضايا الاقتصاد مثلا، وأصر على الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وهبط مسؤولوه في مطار القاهرة بسرعة، كأنهم كانوا جاهزين بالحقائب والعقود وينتظرون إشارة. وإذا استدعى السيسي أحدا إلى التشاور، فالدعوة تعني الإلزام بقول “آمين”، ففي 13 أبريل 2016 لبّى العشرات من السياسيين وأساتذة التاريخ والقانون الدولي دعوة للنقاش في قضية جزيرتي تيران وصنافير المصريتين، بعد إعلان التنازل عنهما. وأسفر اللقاء عن خطبة للتسويغ، وان مان شو، تتلون فيه طبقة الصوت بالعامية والفصحى، إيضاحا وتسليما بأمر سيقع. وفي نهاية المونولوج الرئاسي، استأذن عضو بالبرلمان أن يتكلم، فرفض السيسي غاضبا “أنا ما اديتش لحد الإذن إنه يتكلم”، وانقطع البث التلفزيوني. فكيف يجدي الحوار في شرم الشيخ، مع شباب العالم، في حين لا يحتمل الرجل حوارا مع ممثلي شعبه؟ أما الشباب الذين لولاهم لظل حسني مبارك رئيسا وحسين طنطاوي وزيرا للدفاع، ففي السجون، والناجي منهم يعاني أعراض اكتئاب ما بعد ثورة متعثرة.

بدأ نوفمبر 2017 بكلمة للممثلة الأميركية هيلين هانت، في منتدى شباب العالم بشرم الشيخ، واختتم نوفمبر 2017 بكلمات لزملائها نيكولاس كيدج وهيلاري سوانك وأدريان برودي في حفل ختام مهرجان القاهرة السينمائي. كلمات ودقائق توزن بالذهب إذا احتسبنا ما تحمّلته مصر لقاء هذه الحظوة مدفوعة الثمن، ولكن هذا الكرم لا يُنسي الأجانب ومنهم أميركيون ما رأوه من تعسف في اختصار عمر مهرجان الإسماعيلية السينمائي الراسخ؛ قبل حضور الرئيس إلى المدينة.

أستأذن في اقتباس طويل من كلمة السيسي، عقب افتتاحه شيئا اسمه “النصب التذكاري لإحياء الإنسانية” في افتتاح منتدى الشباب “سأدعم مبادرة شباب مصر للعودة إلى الإنسانية، والعمل على إرساء قواعد السلام والمحبة، والانحياز إلى الحوار الحضاري الإنساني القائم على تعاليم الأديان السمحة التي جعلت عمارة الأرض وحسن الخلق قاسما مشتركا أعظم بينها، بعيدا عن التطرف والغلو لمعتقد أو دين. وفي هذا المكان وضعت لبنة أولى لنصب تذكاري يذكرّنا بأن الله قد استودع الحياة في قلوب البشر، وعلينا أن نحفظ أمانة الله في قلوبنا. سأعمل ومعي المصريون على نشر رسالات البناء والتنمية والعدل، متسلحين بحقائق الحضارة المصرية الفريدة وشخصياتها المتميّزة على مدار العصور، وسويّا سنرددها: تحيا الإنسانية، يحيا السلام، تحيا الحضارة”.

هل يؤسس هذا الكلام العمومي المجاني لحوار في بلد ضائق الصدر بالحوار؟ ربما أجيب الأسبوع القادم، إذا عشْنا وكان لنا، لا علينا، “النشر”.

9