زفرة الألم السوري بالخطوط والألوان

الأحد 2014/08/03
الطفولة الآن

للوافد إلى غاليري أيام- بيروت أن يمني النفس بوجبة فنية دسمة، تسعد بها العين ويغتني الفؤاد والخيال بأعمال فنانين سوريين خمسة هم: نهاد الترك، وعبدالكريم مجدل بيك، وعثمان موسى، ومهند عرابي، وقيس سلمان، في معرض تم اختيار عنوانه بـ”أوج الفن السوري” يمتد من 9 يونيو إلى 2 أغسطس.

يكشف المعرض عن البؤرة المركزية التي يتفاعل فيها الفنانون السوريون المشاركون مع الأحداث الدامية والحالة في سوريا، وذلك من خلال مروحة من الأعمال المتنوعة بين الواقعية والتعبيرية والرمزية والتجريد كل وفق التيار الذي يجد نفسه فيه.

تغتني اللوحات بمفاهيم المأساة والملهاة التي تصل أحيانا إلى حد السخرية المرة من الواقع المأزوم. وليس هذا غريبا على الفن السوري الحالي، فالثورة السورية جذبت الفنانين السوريين بكافة أطيافهم وتياراتهم لمحاكاتها وفق منظوراتهم الفنية المتعددة، حتى بات العصر التشكيلي السوري الحالي يرتبط ارتباطا وثيقا بالثورة السورية، وهذا إذ يشكل خروجا على مقولة “الفن للفن”، يتبلور بالانصياع إلى زفرة المتألم، والمشرد من الشعب السوري.

لا يخفى على الناظر بعمق كون هذه المجموعة تمثل حلقة من سلسلة الفن السوري الممتد من خمسينات القرن المنصرم مع فاتح المدرس ولؤي كيالي، مرورا بمصطفى فتحي، وسعد يكن، وصفوان داحول، وصولا الى النمو والازدهار اللذين نعم بهما الفن السوري منذ العقد الأول للألفية الثالثة، حيث انتشرت الغاليريات، وزاد عدد المقتنين والنقاد والمهتمين، وانتشرت لوحات السوريين في المزادات العالمية كمزاد كريستي وسوثبي وغيرهما، وبالتالي ارتفاع سعر اللوحة السورية في السوق العربية والعالمية.

شباب الفن

مجموعة الفنانين العارضين في غاليري أيام قد نشأوا في حاضنة الغاليري للشباب السوري منذ العام 2007، ورغم تفرقهم بين بيروت ودمشق ودبي ثابروا على الإنتاج المتماسك وفق رؤية فنية واضحة المعالم قوامها نقل وجهات نظرهم الفنية-الانسانية مما يحل في بلدهم من ويلات، لينتجوا من خلالها عدة معارض فردية سابقة، توجت بالمعرض الجماعي الحالي.

أما بالنسبة إلى الأعمال المعروضة، فنبدأ مع عثمان موسى الذي يرسم بواقعية مفرطة حتى يظن الرائي أنها تصوير فوتوغرافي، وهو من أتباع مدرسة “الهايبر رياليزم” التي انطلقت منذ أواخر ستينات القرن العشرين ونشطت في أوروبا وأميركا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ويربط في لوحاته الأشياء المحيطة بالإنسان في حياته اليومية كـ”ببرونة الطفل”، أو البطيخة، أو نبات الكوسا والباذنجان وغيرها مع أصبع ديناميت في حكاية تستنبط فصولها من مفردات اعتيادية تنعكس بإظهار واقع الإنسان الضائع والمستهدف والمحاط بالمفخخات أينما حل.

لوحات الفنانين السوريين انتشرت في المزادات العالمية كمزاد كريستي وسوثبي وباتت تحت الأنظار

كما أن هناك مجموعة أخرى من لوحات موسى تظهر عروش الحكام وقد علتها جمجمة حينا، أو لعبة حينا آخر، أو حتى نبات أو غير ذلك، في تعبير ساخر من حالة الحاكمية المستمرة والأبدية للطغاة التي ترزح تحتها شعوبهم ودولهم.


الأسطورة والتجريد


أما نهاد الترك فينتمي في لوحاته إلى المدرسة التعبيرية، حيث تتضمن رسومه أشجارا وطيورا وشخوصا تثقل المشاهد بالعوالم الأسطورية الحالمة وأحيانا المبهمة في عبق لوني مشرق يضع لوحاته في صدارة الفن المعاصر.

بالنسبة إلى عبدالكريم مجدل بيك، فلوحاته تجريدية تمثل حائط هرم يؤرخ لأزمنة غابرة، علق عليه آلام سنين من الهجر والأزمة، وزود مجدل بيك بعض جدرانه بسكاكين وأضاف عليها الحرق لتمثل حالة الأزمة بأكبر صورها تراجيدية.

أما مهند عرابي فلوحاته تمثل أطفالا يحملون أسلحة عبارة عن ألعاب، وارتفعت على محياهم علامات الحزن والذهول حينا والمرارة حينا آخر، في تأريخ تشكيلي حديث لمعاناة الطفل السوري.

وأخيرا قيس سلمان في تعبيريّته الهجائية التي ترمز الى شخوص تتبلور وفق منظوره بالسلفية الجهادية، ليعيد قولبتها بإطار ساخر وحشي تنقل وجهة نظره من المجازر التي تحل في سوريا.

الجدير بالذكر أن هذا المعرض قد افتتح في بيروت بالتزامن مع قاعة الغاليري في دبي، وسيعرض بعدها في قاعة غاليري أيام في لندن.

16